هل الاحتجاجات في العراق ترسم ملامح مستقبل الحكم؟

 

السعودية تحارب بقايا بعض الأيديولوجيات وعلى رأسها الأيديولوجية الخمينية والإخوانية وبعض بقايا الأيديولوجيات الأخرى المتشددة، قبل الاحتجاجات الشعبية في العراق التي انطلقت من البصرة حاول المطبخ الإيراني بعد فوز الصدر بالمركز الأول وفتح التابع لها بالمركز الثاني من طبخ الكتلة الكبرى باعتبار أن جميع أحزاب الإسلام السياسي الشيعي هم خريجي المدرسة الإيرانية ومن متنعمي دعمها لنهب خيرات العراق باعتباره غنيمة يتم تقسيمها فيما بينهم وستصمت المرجعية التي هي الأخرى تحصل على الخمس وهي ما أثارتها الاحتجاجات الأخيرة مما اضطرت المرجعية بعد صمت مريب من دعم تلك الاحتجاجات من أجل إسكاتها.

إيران همها الأول أن يظل العراق تحت المظلة الإيرانية وقبل الاحتجاجات الشعبية وبعد الانتخابات وقاسم سليماني يفطر في رمضان في المنطقة الخضراء ويرابط فيها لانتهاج سياسة المحاصصة الطائفية واعتماد مبدأ تقاسم إدارة فساد العراق على أساس الطوائف الكبرى وهو ما جعل الطوائف الصغرى تثور وقد تكون هي السبب في تثوير الشارع ولكنه ليس من المؤكد.

بعدما فشل قاسم سليماني أرسلت إيران نجل خامنئ وبرعاية السفير الإيراني أيضا في رمضان المبارك 2018 وذلك محاولة جمع الفرقاء التابعين لها وإنجاح ما فشل فيه قاسم سليماني لتكوين الكتلة الأكبر وتولي رئاسة الوزراء من البيت الشيعي، وكانت تطمح أن يتولاها زعيم فتح الكتلة الفائزة بالمرتبة الثانية هادي العامري، لكنه قاتل إلى جانب القوات الإيرانية في حرب صدام حسين مع إيران فلن يقبله الشعب العراقي لذلك قد تقبل إيران ببقاء حيدر العبادي رئيسا للوزراء.

تعاني إيران قبل تلك الاحتجاجات مصاعب كبيرة حيث مريدي مدارسها أصبح كل واحد منهم يملك حزبا ومليشيا وأموال وفضائيات ومارس وشارك في إدارة الحكم في العراق على مدى ثلاث دورات انتخابية، وعملت إيران على تطوير أساليب مليشاوية تقف أمام أي معارضة يمكن أن تقف أمام حلفائها، لكن نفس حلفائها أصبحوا متناحرين بعدما كانت إيران تعتقد أن الشعب العراقي استسلم لجلاديه.

لكن كانت المفاجأة أن نفس الكتل بدأ بعضها يتمرد على إيران والشعب العراقي خصوصا من فئة الفقراء وفي المناطق الشيعية التابعة لها يحتجون على قطع الكهرباء والمياه وغياب الوظائف والخدمات والأخطر أنهم اتجهوا إلى حرق صور الخميني وخامنئ بعدما فشلت إيران في لملمة البيت الشيعي ورعاية خريجي مدارسها الفقيه والعسكرية فيما كانت تعتقد أنها ما تزال لها القوة والنفوذ في العراق.

إيران كانت تتخوف من الصدر ولكن بعد تلك الاحتجاجات بدأت تخشى من العراقيين أنفسهم الذين انتابهم شعور يقيني أن إيران هي سبب تدمير العراق وأنها هي من تضرب العراق بأشكال متعددة من تفجيرات إلى مفخخات وحرق صناديق الاقتراع وظهور الدواعش مرة أخرى لاستعادة هيبة مليشيات الحشد الشعبي.

وكانت تعتقد إيران أن قطع الماء والكهرباء عقاب للسياسيين العراقيين لكنها فوجئت بأن الشعب العراقي انتفض ضدها وحرق صور خامنئ وانقلب على الأحزاب والمليشيات التابعة لإيران، إنها انتفاضة ضد الملالي لم تتوقعها إيران بعد مرحلة طويلة من تصدير الجهل واللطم والمواكب الحسينية لتخدير الشعب العراقي، لكنه انقلب عليها هذه المرة وبدأ يصحو من غفوته ومن خدره.

الفرصة المتاحة في العراق هو الصدر الذي فاز سائرون التابع له بالمركز الأول في الانتخابات، لكن إيران لم تمكنه من تشكيل حكومة عراقية وطنية لأن الصدر يريد التعامل مع إيران كدولة حال بقية الدول لا وصية لها على العراق، وينوي الصدر بحل المليشيات التي فشل العبادي في إزاحتها، واضطر إلى الاعتراف بها، بل وشاركت في الانتخابات بوضعها الحالي، ومنذ فترة طويلة سماها الصدر بالمليشيات الوقحة لأنه يعتبرها مركز التدخل الإيراني في العراق.

الغريب أن آية الله الخميني عاش بالعراق ثلاثة عشر عاما لم يعرف عنه ارتباطه الوثيق بالإسلاميين العراقيين بل له علاقة مع حزب البعث، لكن الخميني قدم محاضرات في النجف عن ولاية الفقيه ولم يتنبه لها البعث العراقي ولم يتوقع أن الدول الغربية بعد هروبه إلى فرنسا للإقامة فيها أن تدعمها لتدمير المنطقة.

اقترب الإسلاميين العراقيين من الخميني بعد الثورة 1979 وأقاموا علاقة وحتى بعض قيادات جماعة الإخوان المسلمين وبعض الإسلاميين الآخرين الذين أعجبوا بهذه الثورة وتمنوا أن يتم استنساخها في البلدان العربية، والتي تسمت فيما بعد بالصحوة الإسلامية للابتعاد عن التطابق لأسم الثورة الخمينية، خصوصا وأن التيار السلفي لا يؤمن بتلك الثورة ويدرك مغازيها وأهدافها التي كان على رأس تلك الأهداف تصدير الثورة وربط المنطقة بولاية الفقيه، لكن بقية الإسلاميين الذين أعجبوا بتلك الثورة لم يكن لديهم الفهم ما لعلماء السلفيين العارفين بمضامين تلك الثورة.

خصوصا وأن الخميني أصيب بطغيان الغرور بنجاح الثورة ولم تكن ردة فعل دول الخليج سوى الإعلان عن منظمة التعاون الخليجي التي لم تتمكن من تحقيق المواطنة الخليجية لنفس تلك الأسباب.

لكن كانت عين الخميني على تفجير ثورة إسلامية في بغداد تكون تابعة لطهران، وبدأت العلاقة بمنظمة العمل الإسلامية وحزب الدعوة على اثر تلك العلاقة نشطت الهجرة على أثر تلك العلاقة إلى إيران من العراق، فشكلت إيران معسكرات للقتال ضد العراق، بعدها تشكل المجلس الإسلامي الأعلى للثورة الإسلامية برئاسة محمود الهاشمي باعتباره الواجهة الإيرانية للإسلاميين العراقيين.

لكن بعد غزو أمريكا للعراق وجد الحزب الإسلامي وحزب الدعوة ومنظمة العمل الإسلامي مارد إسلامي جديد يظهر في العراق هو التيار الصدري لم يكن ظهوره على بالهم، وكان كذلك مفاجئا لإيران أيضا والذي اكتسح الشارع العراقي بهتاف التحرر من الأمريكان خصوصا وأن التيار الصدري مرجعية شيعية وقع اختيار صدام عليها وهو التيار الوحيد الذي لم تشارك إيران في تأسيسه، بل على العكس كان الإمام الصدر الأب غير مرغوب به من قبل إيران وكانت تشير إليه أنه عميل للنظام العراقي، لذلك قتل خلال صلاة الجمعة بمسجد الكوفة عام 1999 مع اثنين من أبنائه ويتهم النظام بقتلهم.

لذلك نصبت إيران للصدر الشباك ووظفت دعوته في تحرير العراق من الأمريكان فنصبت له الشباك في محاربة الأمريكان عن طريق أحد رجالاتها أبو مهدي المهندس الذي يدير القتال مع جيش المهدي بالنجف عام 2004 وعندما تم التضييق على الصدر هرب إلى إيران من 2007 إلى 2011 بحجة الدراسة في قم حتى عاد إلى العراق.

وجدت إيران أن تيار الصدر متماسك وسيهددها مستقبلا فاتجهت إلى تمزيق التيار فأخرجت منه قيس الخزعلي بتشكيل عصائب أهل الحق والذي يكن للسعودية عداوة شديدة مقابل تبعية كاملة لإيران.

لم يكن يعجب إيران تردد الصدر على السعودية وعلى دول الخليج عدد من المرات وهم خصوم إيران، كذلك لم يكن يعجبها تحالف الصدر مع القوى المدنية واليسارية العراقية الذي أسفر عن تكتل سائرون والذي حاز على المرتبة الأولى في الانتخابات العراقية رغم المقاطعة الشعبية.

حاولت إيران دمجه مع فتح الحائز على المركز الثاني بزعامة هادي العامري الممثل لإيران، بعدما فشلت إيران في تقريب وجهات النظر بين الصدر والمالكي لتشكيل الكتلة الأكبر، وجاءت تلك المحاولات الإيرانية بعد سلسلة من الحوادث والتفجيرات وحرق صناديق الاقتراع وتفجير العتاد المخزون في الحسينية التابعة للتيار الصدري لإحراجه أمام الشعب العراقي، وبروز داعش مرة أخرى من أجل تبرير بقاء الحشد الشعبي، كل تلك الحوادث هي ضغوط مباشرة من إيران على الصدر.

لكن تحالف سائرون وفتح ظهر فجأة واختفى فجأة أيضا، فهل الاحتجاجات الشعبية في العراق التي بدأت من البصرة ستنقذ الصدر في تشكيل الحكومة العراقية التي تنقذه من التبعية لإيران ويبدأ حينها بتفكيك تلك المليشيات الوقحة وبداية عهد حكم جديد للعراق؟.

لا تعليقات

اترك رد