في ذكرى غزو للكويت .. اعتذارٌ ام تصعيد ؟


 

كلَّ ما حصلَ انفراج وتقارب عراقي عربيّ ظهرت على ساحته منغصات تحاول تعكير صفو ذلك الانفراج والتعاون ، والفرحة بامل قادم يخدم العراقيين قبل غيرهم ولو بشيء بسيط ، ويسعدهم بما يحملون من عناء وشقاء وتعب ، ومرارة حزن طويل .
في ظل الموجة العارمة من الغضب الجماهيري المنتفض على الفاسدين ؛ المطالبين بحقوقهم، وحياة أفضل في تحسين الخدمات ؛ أبدت دولة الكويت الشقيق رغبتها – ولو بحلولٍ جزئية – بالمساعدة في تخفيف معاناة الشعب من مآسي الكهرباء التي لا تنتهي من ارسال الوقود ، وغيره خلال ساعات معدودة او ايام ، وسواء كان هذا بدافع تعميق المصالح المشتركة ، او تخفيف وطأة الالم ، او غير ذلك ؛ لكنه موقف يحسب للكويت بالنقيض من الجارة ايران التي يعُدّها بعض العراقيين عمقهم الاستراتيجي مع الاسف ، والتي كانت عاملاً مهماً في قطع التغذية الكهربائية عن جنوب العراق لخلق ازمةٍ هي المستفيد الوحيد منها بحجة عدم تسديد العراق لمستحقاتها من اجور الكهرباء ، وحتى محاولة البعض من الوصول لحقول النفط الجنوبية وتعطيل عملها هو بارادة مفتعلة وليس خيارا شعبياً مطلقاً ، ولقد أثبت الواقع ذلك .
في ظل هذه التداعيات ظهر سفير العراق في الكويت أثناء لقاء صحفي يطالب الحكومة الكويتية بحذف عبارة غزو العراق للكويت واستبدالها بعبارة الغزو الصدامي للكويت من جميع المخاطبات والمناهج الدراسية ، ما اثار غضب شعبي ضده من خلال ردود فعل قاسية الكلمات والمعاني .
بعضهم قال ان آثار ذلك حُفرت في الذاكرة ، وستبقى لاجيال ، ولن تنسى . وبعضهم قال : يبدو ان سعادة السفير لم يقرأ ويطلع على قرارات مجلس الامن والامم المتحدة التي أسمت الحرب ضد الكويت بـ الغزو العراقي للكويت ، وغيرها الكثير من التعليقات والردود المشابهة . امّا ردّ الحكومة الكويتية لم يكن بهذا الشكل وقالت ان الشعب العراقي ليس هو المسؤول عن الحرب بل صدام حسين ، وانه غزو صدامي .
الحرب تولّد احساساً عميقاً بالغضب والحزن المؤلم لما تخلف من ضحايا لاسيما الابرياء ، واسرى يعانون حياة الجحيم ، ومفقودين لم تُعرف مصائرهم الى اليوم ؛ كما هو الحال في الحرب ضد الكويت وتدمير بناها التحتية ، وما حصل من نهب وسلب بأوامر من الطاغية وقادته العسكريين الذين تحوّل بعضهم الآن الى منظرين وخبراء امنيين وستراتيجيين في كثير من الدول ، وكنا شهود عيان على الاسواق العراقية التي ملئت بما جلبته غنائم الحرب ؛ اضافة الى تحوّل البيوت لمتاجر صغيرة ، واصبحت ساحة سعد ، وسوق البصرة القديمة واسواق العشار تعجّ بالبضائع والسلع والاثاث المنزلي الكويتي ، وتعجّ ببشر قدموا من اقصى ناحية في شمال العراق .
كانت طائرات نقل عسكرية خاصة استغلّها لمقبور علي حسن المجيد وعدي وغيرهم من زبانية الشرّ، تنقل كل شيء الى بغداد ليل نهار، وتحط رحالها في قاعدة الرشيد الجوية في معسكر الرشيد ؛ الذي اصبح قاعاً صفصفاً بعد سقوط الصنم ، وهو الذي يُعد اكبر معسكر عراقي مع بقية معسكرات العراق التي نهبت وجُردت من طابوق بنائها. الشعب تعلّم الفرهود بامر من قائده الضرورة ، ولم تكن هذه سجيته ، لكن الجوع والحرمان وويلات الحروب وآثارها ؛ جعلت من بعضه وحوشاً كاسرة .
كان الاولى بالسفير العراقي في الكويت الذي ينبغي ان يكون متمتعاً بلباقة الدبلوماسيين ، ان يعرض الحقائق ولو بشكل دبلوماسيّ أهْدَأ .
فالتصعيد وأثارة بواطن الضغون لن تحقق الاّ مزيداً من الكراهية والبغضاء ، ولم تنفع يوماً البغضاء في شيء . البلدان جاران ؛ متناسبان بزيجات قديمة وصلة رحم عريقة ، رغم حدود الاسلاك الشائكة الوهمية .
كلمة اعتذار منمّقة قد تكفي وتعزز الاخوة ، وتزيد المحبة ، ليس الاعتذار عن صدام ، بل الاعتذار عن الضرر الذي سببه صدام وحزبه المقبور ، وبطانته التي لولاها لما رأى الشعب زمراً جديدة قادت البلد الى مشارف الهاوية ، والدمار .
والملفت للنظر ان كثيراً من ابناء الجارة ايران مازالوا يحملون الغيض والضغينة للعراقيين بسبب الحرب ؛ لاسيما من عاصر منهم حرب القادسية الغبراء ، ولم نجد من مسؤولي العراق من حاول بتصريح صريح ، أو تلميح بسيط بالدعوة والتذكير بنسيان الماضي ، وما سببته حرب الثمان سنوات ؛ هل لان البعض يقدّس ايران ؟ ام خوفاً من جار متمرّد ، او خضوعاً ليد طولى امتدت ولعبت ما تشاء حفاظا على امنها وسيادتها وكرامة شعبها.
في ذكرى الغزو الغاشم نلتمس العذر لانفسنا لاننا لم نكن مع صدام ، ولم نكن منغمسين في السلب والنهب ، ولا حتى شراء ابسط ما نفتقر اليه من سلع كويتية فاخرة ، رغم لهفتنا على ما نشاهده في مسلسلاتهم التلفزيونية، تشهد الدموع التي سقطت من عيوننا قرب مرآب البصرة الكبير وشارع الزبير وأسواق المعقل ، على شعب بريء مسالم تعرض في ساعة فجرٍ مظلم وهو يرى آليات الموت وماكنة الحرب تقف امام كل منزل ، وفي كل شارع هناك من يرتدي بدلته العسكرية الزيتونية ، وهي تحمل مثلث الحرس الجمهوري الاحمر على السواعد ، ومثله القيطان على الكتف؛ اشارة الى ان القوة هي خاصةُ صدام من حرس ومخابرات وأمنٍ عسكري ، وكل صنوف الموت ، وزمر يجمعها الارهاب .
بعد تلك المأساة افتقدنا ما كان ياتينا من الكويت ، والتي تفترش الدلالات بسطياتهن به من عطور الريفدور والكلاكسي والبروت ؛ بماركاتها الاصلية ، ومختلف دهون الشعر والشامبوات ، ونساتل الكت كات ، وقطع البنطلونات الجينز والقديفة المقلّم ، وأجمل الشالات النسائية والحناء و البخور الهندي وقناني ابو الفأس الصغيرة جداً لعلاج المفاصل. كانت لنا متعة خاصة في التبضع من شارع الكويت ، وساحة ام البروم و بعض أسواق مدينة الحيّانية الشعبية حين نشتاق للبصرة مسافرين حتى في الصيف وليس في الشتاء ؛ متعة امتزجت مع طيبة اهل البصرة ، وكرمهم و نقاء ارواحهم وضحكات صباياهم ، ولهجتهم التي تدخل لقلب السامع ، ولم يطلق عليهم ذات يوم مصطلح : الشروكية الذي أجّجه حثالة تلاميذ صدام ، وبعض اراذل شذّاذ القوم متناسين ان أقدم حضارة انسانية ظهرت من هناك في جنوب العراق حيث مملكة ( ميشان او ميشن) وهي ميسان اليوم بامتداداتها نحو الجنوب .
كنا نشاهد سيارات البيوك ، والكديلاك والبونتياك الكويتية تجوب شوراع البصرة ، ومنها ترفرف الغترة البيضاء التي تميز بها الكويتيّ عن غيره كثيراً ، وبقربه بعض النسوة من بناته واخواته بخمارهن الخليحيّ المميز ، واحياناً تمرُّ امامنا تسارع الريح على الطريق الخارجي بين بغداد والبصرة ذهاباً وأياباً ، فقط نسمع حفيفها المسرع لاسيما الوانها الزاهية وهي تتعدى سيارتنا ونحن ننظر متى تختفي عن الانظار لسرعتها الفائقة.
حرمنا صدام بمهاتراته ، وحرم اخوتنا في الكويت من زيارتنا ، واستبدل الخير بالشر ، والمحبة بالبغضاء ، وعلى ما يبدو ان المخطط الاصلي هو ذلك ، صناعة التفتيت والفُرقة ، وليس انتقاماً لكرامة الماجدة العراقية التي قيل انها أهينت ، ولا صِدقَ للكاذبين أنّى كانوا ، ومهما أقسموا فلم نسمع يوماً ان ابليس امر مؤمناً بالصلاة ، أو حثّه على فعل الخيرات.

المقال السابقميلتون غلاسر – ج2
المقال التالىسأعرف الصباح لاح
سعد الساعدي شاعر وناقد .صحفي وكاتب عراقي عضو نقابة الصحفيين العراقيين .مدير تحرير . نائب مدير اذاعة الفيحاء في بابل .سكرتير تحرير مجلة الطبيب العراقية .معد ومقدم برامج اذاعية .كاتب عمود اسبوعي في جريدة الاعلام .حاليا كاتب في مجلات الكترونية منها الادب والفنون العراقية النبراس الجزائرية والزمان المصر....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد