ركوب موجة المد الشعبي

 

ليس من الغريب أن تنطلق تظاهرة قد تتحول إلى اعتصام في هذه المحافظة أو تلك فهذا شيء وارد كفله الدستور العراقي لأسباب قد يراها المتظاهر وسيلته لاسترجاع ما قد سلب منه واسترداده سواء من الحكومة أو من أي جهة أخرى بيدها صناعة القرار وتمتلك القوة أو السطوة والقوة هنا ليست بالضرورة أن تكون بالسلاح فالكثير يمتلك قوة المال كالشركات العامة أو الخاصة وأصحابها أو اجتماعية كشخصيات مؤثرة وفاعلة أو قاعدة جماهيرية كما هو الحال بالنسبة للأحزاب أو قوة عسكرية كما هو الحال بالنسبة للحكومة وأجهزتها الأمنية إضافة إلى امتلاكها لقوة القانون وتشريعاته وهكذا ولكن الغريب حقيقة أن تنطلق تظاهرات لنقل إنها عفوية في مناطق تركيز شعبية الحكومة وقاعدتها ولكنها تحمل وجهين مختلفين ومتناقضين وكل وجه له من يمثله ويتمسك به بقوة ويتهم الآخر بالإساءة وتشويه صورة التظاهرات ويطرح مبررات اقنع نفسه بها ويحاول إقناع الآخرين بها أيضا وجه يمثل الشعب ووجه يمثل الحكومة والأحزاب المشاركة فيها حتى أصبحنا لا نعرف ماذا نريد وهل نبكي أم نضحك على هذه الحالة .

الحكومات المتعاقبة منذ سقوط النظام في 2003 إلى يومنا هذا وعمقها الأحزاب السياسية بطابعها الديني أو العلماني لم تتمكن من تقديم شيء واضح لهذا الشعب الذي انبرت لحكمه فشعب كالعراقي مثقف وواعي وقد صقلته ما مرت عليه من ظروف قاسية وصعبة وويلات لا يمكن أن يقوده احد بسهولة خصوصا مع هذا التطور العلمي الرهيب الذي يشهده العالم وهو قد عانى ما عاناه من تخلف نتيجة الحصار الأمريكي القاسي الذي استمر أكثر من أربعة عشر عام أعاد العراق إلى عصور التخلف والظلام العالمية ولا تتجاهل معرفة الشعب بما يمتلك العراق من ثروات هائلة تجعله من أغنى شعوب الأرض وأكثرها ارتفاع في مستوى دخل الفرد إذا أحسنت الحكومة استثمارها فالحكومة لا تعني السطوة العسكرية وأجهزة أمنية ولا هي توزيع رواتب على الموظفين فيها والحكومة لا تعني بأي شكل من الأشكال مناصب عليا في الدولة وتسميات وألقاب رنانة ربما قد لا يستحقها من تطلق عليه والحكومة في كل الأحوال لا تعني الروتين والتواجد في دائرة أو معمل أو حقل دون انجاز لواجباتها ولا هي تقاسم للمناصب أو تسابق على اغتنام الفرص والاستمتاع بالأموال العامة دون حسيب أو رقيب تحت غطاء السلطة بل هي كما خبرها هذا الشعب الذي أصبح يعي كل ما يجري بل ويعاقب المعني بالتقصير كما حصل في الانتخابات الأخيرة هي تخطيط وانجاز وعمل دءوب وواجبات واستحقاقات يجب أن تقدمها الحكومة لشعبها وهذا ما دفعه إلى تكرار التظاهر منذ 2003 إلى الآن بين فترة وأخرى وتعده الحكومة بانجاز مطالبه وتدريجيا تبدأ بالتسويف والتخدير والإهمال حتى يعود الشعب إلى التظاهر وهكذا على هذا المنوال.

أما الوجه الآخر للتظاهرات فيمثله التأييد المطلق من قبل الأحزاب لهذا الحراك بل وتبني المطالبة بمكافحة الفساد ومحاكمة المفسدين وهنا يتبادر إلى الذهن سؤال هو إذا كانت أحزاب السلطة جميعها دون استثناء تؤيد التظاهرات وتتبنى مطالبها ولو استطاعت وسمح لها جمهور المتظاهرين لشاركت أيضا فيها إذن من هو الفاسد والمفسد ومن هو صاحب القرار بالمحاسبة إذا لم تكن أحزاب السلطة ومن يمثلها قادرة على ذلك .

إن المشكلة الأساسية ليست في توفير الخدمات المعدومة بل في التأسيس لدستور قادر على تحديد منهاج وطريقة واضحة وملزمة للجميع لانجاز الواجبات التي تؤدي إلى توفير الخدمات من جهة ومحاسبة المقصر بغض النظر عن انتمائه الحزبي أو الطائفي أو القومي وبغض النظر عن عنوانه الوظيفي ووضع البلاد على جادة الصواب لبناء دولة المواطنة القوية البعيدة عن أي انتماء إلا إلى العراق وهذا لا يمكن تحقيقه في ضل الدستور الحالي الذي يقيد أي حركة إصلاحية ويوفر مناخ مناسب لنمو المحاصصة الطائفية ابتداءا من طريقة الانتخاب إلى برنامج عمل الحكومة وتنفيذه وهذا أيضا لا يمكن تحقيقه مع تعدد مصادر القوة والقرار في البلاد التي تحدد وترفض أي إصلاح يتعارض مع مصالحها الحزبية .

الآن مع هذه الأوضاع التي نتجت عن التلاعب والتزوير المفرط في عملية الانتخابات والتجاوزات التي حصلت على الجداول الزمنية وغياب البرلمان (الذي يعتبر السلطة التشريعية) وتصدي السيد رئيس الوزراء الدكتور حيدر ألعبادي للسلطة وقيادته لحكومة تصريف الأعمال واجتماع قيادة كل السلطات التنفيذية بيده في فرصة جاءت إليه على طبق من ذهب لم تتاح ولن تتكرر مع غيره في أي وقت يستطيع من خلالها أن يدخل قلوب جميع الأطراف ويحصل ثقتهم التي تزحزحت نتيجة تذبذب مواقفه وعلى تأيدهم المطلق ودعمهم الذي تراجع عنه ويطبق من خلالها ما كان ينادي به منذ تشكيل حكومته قبل أربع سنوات وتصحيح الوضع العراقي الذي أدى إلى هذه الفوضى من خلال اتخاذه قرارات حاسمة وخطيرة نادي بها هو ونادي بها الشعب دون المساس بأصحاب القرار المؤثر ولا بكتلهم أو أحزابهم بعد التشاور معهم ومع الدول التي تهتم بالشأن العراقي وربما لها تأثير فيه ومع الأمم المتحدة تتمثل في حل الحكومة الحالية المنتهية ولايتها وإقالتها وتشكيل حكومة قوية مستقلة ومجلس يدير تلك الحكومة من شخصيات لا تشترك في الحكومة المقبلة يترأسه شخصيا وحسب جدول زمني محدد يلتزم به الجميع وتشكيل لجنة وطنية بصلاحيات كاملة لإعادة كتابة الدستور تتجاوز العقبات التي تضمنها الدستور الحالي معتمدة على التجربة القاسية التي مرت بها البلاد خلال السنوات التي تلت سقوط النظام وطرحه على الشعب للتصويت عليه يقر إجراء انتخابات رئاسية لا برلمانية يرافق ذلك السير بجدية في مجموعة من الإصلاحات كحل مجالس المحافظات وتحديد صلاحيات إدارة المحافظات والمحافظين وإيقاف امتيازات ورواتب الدرجات الخاصة غير العادلة ومنح القضاء سلطات أوسع في محاسبة الفاسدين وسراق المال العام وتوفير فرص عمل للشباب العاطل .

إن الوقت الآن مناسب جدا لان يكون ألعبادي رجل المرحلة الأول دون خسارته لأي التزام أو تعهد قطعه على نفسه وعليه أن لا يبالي لأي تهديد عن المرحلة السياسية السابقة فسيغفر له الشعب أي تقصير إن كان موجود إكراما لهذه الخطوة وعدم السماح لأي احد بركوب موجة المطالب الشعبي فربما يوجد غيره من يتربص بالعراق ويتحين الفرصة لتمثيل هذا الدور.

هي نصيحة ومجرد نصيحة ليس أكثر وحفظ الله العراق وشعبه وحماه من كل مكروه.

لا تعليقات

اترك رد