مُقاومة التغيير


 

_ الجميع كان يتمنى وينادى بالتغيير..
بعدما ضاقت عليهم الأرض بما رَحُبت.، فكل شئ فى تراجع مستمر، ووتيرة التردى تتسارع وعَجَلاتِها تسحق كل شرايين الحياة، الصحة.. التعليم.. البحث العلمى.. الزراعة.. الصناعة.. السكن والعمل.، غابت الضمائر، وتمكن الفساد فأحكم قبضته على الرقاب، طمر ينابيع الأمل، وَأَدَ قُلُوب واغتال هِمَم، وحول ملايين الأحلام إلى عدمٍ وسراب.،

_ وعندما حدث الخلاص.. وبدأت رحلة الاسترداد والبناء، تفاجأت بالأكثرية تشكو من الفوضى ثم تشارك فى صناعتها بل وتستمتع بها ، تحلم بدولة القانون ثم تتململ من النظام والانضباط.. تستهجن مشاهد القبح ولكنها لا تجد غضاضة فى إلقاء مخلفاتها فى نهر الطريق أو على إحدى ضفتيه.. تلعن الفساد والرشوة والمحسوبية.. ثم تستحلها “وقت اللزوم”.. تنعى تعليماً بالياً ثم ترفض رداء التجديد والابتكار، تؤكد على ضرورة امتلاك اقتصاد قوى يلبى احتياجاتها ويرقى لطموحاتها وتعلن جاهزيتها للصبر وللتحدى.. ثم تسخط وتنهار عزيمتها فى منتصف الطريق.،

_ فَشِلَت فى “المساهمة” فى إحداث التغيير.. لأنها نجحت باقتدار فى مقاومته.، فالجميع قطعاً كان لديه الرغبة والقليل فقط هو من يملك القدرة.

_ تعجبت.. فوقفت متأملاً المشهد، ومع نفسى تحاورت وتسائلت:
( كيف لمن حَلِموا ونادوا بالتغيير.. أن يتحولوا لأشرس مقاوميه؟ ) فما السبب إذن؟ وهل العيب فيهم أم فيمن يديرون عملية التغيير؟

_ لم أكد أنهى سؤالى حتى دوت إجابته فى ذهنى.. وطالبنى قلبى بألا أقسو فى حُكمى على قلوبٍ أنهكتها الحياة.،

_نعم.. فالأمر ليس هيناً، ومقاومة الناس للتغيير الذى تاقت له وحلمت به ومازالت قد ترجع لعدة أسباب.. أهمها :

_ أن يشعروا بأن المستقبل غير مأمون وغير أكيد (خاصة فيما يتعلق بمستقبلهم المهنى أو بمصادر دخولهم).

_ عدم المعرفة نتيجة لغياب المعلومات التوضيحية الكافية عنهم وعدم التواصل معهم بشكل مناسب يخبرهم بحقيقة الأمور.، فغياب المعرفة عن الناس غالباً تدفعهم لاتخاذ مواقف سلبية تجاه التغيير أو التجديد ومن ثم مقاومته.

_ تمسك الناس بموروثهم الثقافى ومألوفهم السلوكى وما يحبون المحافظة عليه، وشعورهم بأن التغيير سيطال كل هذا وسيحرمهم مما اعتادوا عليه وألفوه؛ لذلك يتشككون بالتغيير الذى طلبوه وقد يرفضوه.

_ يخشى بعضهم أن يفقدوا مكانتهم نتيجة للتغيير، وقد يكون هذا من الأسباب الرئيسة التي تدفعهم لمقاومته.

_ وفى إحدى الملفات الهامة كمعضلة تطوير التعليم مثلاً.. يشعر الكثير من المعلمين بالقلق على مصير كفاياتهم المهنية ومهاراتهم وخبراتهم في ظل التغييرات الجديدة. كما يشعر بذلك أولياء الأمور خوفاً على مستقبل أبنائهم.، ويتساءل الجميع هل نستطيع بمهاراتنا وكفاياتنا الحالية مواكبة التغيير أم لا ؟ هل نستطيع استخدام الأساليب والتقنيات الجديدة التي يتطلبها التغيير ؟!

_ وبعيداً عن التعليم، فقد يشعر الناس أن التغيير لن يتوقف وأنه فى مرحلةٍ معينة سيمتد ليطال حالاتٍ أخرى لا يرغبون أن يصلها، لذلك ينتابهم القلق عن عدم القدرة على التنبؤ بتأثيرات ونتائج التغيير، وهذا يولد لديهم الإحساس بعدم القدرة على ضبط التغيير.

_ ويشعرون أن التغيير يعنى دائماً المزيد من العمل والمزيد من الطلبات التي تثقل كاهلهم،

_ وهذه حقيقة على قادة التغيير وصانعى القرار مصارحة الناس بها والعمل على تأهيلهم نفسياً وفعلياً على التعامل معها بشكل إيجابي.،

_ وقد يقاوم الناس التغيير إذا أحبطهم وكانت نتائجه بطيئة فعلاً ومخيبة لآمالهم، وقد يحبط التغيير الناس إذا قادة أشخاص لا يحترمون قيم الناس وماضيهم وتراثهم وخبراتهم ومعتقداتهم.

_ لذا فبرغم الرغبة فى الخلاص، يشعر الناس أن التغيير قد يحمل لهم كثير من المخاطر، وهم محقين فى تخوفهم هذا فكثير من التجديدات فى مجتمعات وبلدانٍ أخرى قد أدت إلى مخاطر ومجازفات حملت الناس فوق طاقتهم بدون تحقيق أي فوائد تذكر.

_ وقد يقاوم الناس التغيير لأنهم يشعرون أن النموذج المطبق عليه غير مناسب لهم وأنه يحتاج لمصادر وإمكانات غير متوفرة لديهم.

_ وهكذا.. فأسباب مقاومة التغيير إما أن تكون مرتبطة بالشخصية مثل الخوف من المجهول وتفضيل الاستقرار والقلق والاضطراب في العلاقات والعادات والممارسات،

_ وهناك أسباب مرتبطة بطريقة إحداث التغيير مثل الوقت والموارد المتاحة للتكيف واحترام الأفراد والمهارات ومصداقية عامل التغيير.

_ وللتغلب على أسباب مقاومة التغيير يجب تحليل المعلومات المتعلقة بأسباب المقاومة، فشدة المقاومة مثلاً تكشف النقاب عن درجة تقبل التغيير وأين تكمن حساسية المرء عوامل شاملة أو آثار مهملة، وبصفة عامة يمكن التغلب على أسباب مقاومة التغيير بما يلي:

_ إعتراف الإدارة العليا بالمشكلة وبناء الثقة بينها وبين الناس وتوسيع قاعدة المشاركة لإحداث التغيير وعدم طلب المستحيل (التأكد أن التغييرات المستهدفة معقولة وممكنة) وتقديم الحوافز من أجل التغيير واستخدام الدوافع الإنسانية مثل دوافع الإنجاز والتفوق والانتماء من أجل التغيير واختيار الوقت المناسب لتطبيق خطة التغيير.

_ وهناك أيضاً العديد من العناصر التي يجب أخذها في الاعتبار لضمان نجاح الجهود المبذولة في التطبيق والتى تهدف إلى النجاح في التغيير مثل خلق رؤية عامة مشتركة على مستوى الإدارة العليا والمسؤولون عن إحداث عملية التغيير وتحديد العلاقة بين المخططين والمنفذين وبناء وتوطيد العلاقات القوية الفعالة

_ وبالتالى فإن عملية التغيير تنجح إذا اعتمدت إضافة إلى توفير الإرادة والتصميم المناسب.. الإدارة المناسبة القادرة على إدارة العملية بفعالية، وإشراكه للناس، وشرح الرؤية المتوقعة من عملية التغيير، لذا فإن تحديد الرؤية الواضحة والمفهومة للجميع توضح الهدف النهائى الذي تود الدولة الوصول إليه وتصبح هذه الرؤية هي الدليل الذى يهتدى به الجميع لتحقيق أهداف الدولة كما تعتبر القيم التى تؤمن بها للوصول إلى أهدافها بنجاح.. هامة جداً لأنها تمثل الدوافع والرغبة الداخلية في التطوير وتحقيق الأهداف والسلاح القوى للتنفيذ بما يتواءم مع كل الظروف والمتغيرات الداخلية والخارجية،

_وختاماً..
وبما أن التغيير يتضارب مع القيم والثقافة التي سادت المجتمع لعقود طويلة فبديهى أن تحدث المقاومة لأن الناس بهذه الحالة غير مهيئين لتقبل الجديد.،
_ لذا.. فعلى من يدير عملية التغيير مسؤلية تهيئة الناس وإقناعهم بتقبل الجانب الإيجابي، وذلك من خلال التوضيح المستمر للفوائد والمنافع التي ستعود عليهم وعلى وطنهم من الأمر الجديد . ولا نتوقع أن هذه التهيئة سوف تحدث في يوم وليلة.. ولكن فى النهاية سيأتى موسم الحصاد طالما أدى الجميع دوره وأخذ كلاً من طرفى المعادلة بأسباب النج

المقال السابقوطني
المقال التالى” دار الغش أم بناية قش “
وائل سليمان _قدم عدد من البرامج الإذاعية والتليفزيونية _يكتب فى العديد من الصحف والمواقع الإلكترونية _المتحدث الإعلامى لمدينة الذهب والتعدين المصرية _مدير تنفيذى بإحدى دور النشر اللبنانية بمصر * درس القانون بجامعة عين شمس بالقاهرة * درس الإستراتيجية والأمن القومى فى كلية الدفاع الوطنى بأكادي....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد