الفتى الوسيم


 

المرة الأولى التى التقيت به ..عندما إنتهيت من دراسة السنة الأولى بكلية الحقوق جامعة القاهرة ، كنا فى منتص الثمانينات ، كنت أبحث عن عمل، كان اليوم الأول لى فى شركة المقاولات ، ظننتهُ مهندس الموقع ، كان أنيقاً ، مظهره لم يدل أنه شداد المعادن الذى سوف أساعده وأبدأ معه الصعود إلى الأدوار العليا وعمل السقالات المعدنية ليبدأ بعد ذلك تشطيب وتنفيذ الواجهة للبرج الذى نعمل به.
“حياتنا معلقة بين السماء والأرض فلا تنظر لأسفل مهما كانت الأسباب ” كانت هذه هى الحكمة الأولى التى تعلمتها منه ، كنت مبهوراً بسماته ، عينيه الخضراء ، شعره الأشقر ، وجهه الأبيض ، أناقته قبل أن يغير ملابسه ويرتدى زي العمل الأزرق الذى يسمونه “العفريتة “.
سألنى عن إسمى وعملي ومن أين ؟
كان هادئا وبسيطا ، مبتسما إذا تحدث .
إسمى كامل حسين ، طالب بكلية حقوق ، من الكتكات.
منعه حياؤه أن يسألنى لماذا أعمل وأنا أدرس الحقوق..
استرسلت على إستحياء : أهلى ناس بسطاء وأبى عامل نسيج بسيط ، أحاول أن أساعده حتى لاأثقل عليه أثناء الدراسة.
لمحت نظرة الإعجاب فى عينيه ،
أردف قائلاً :
إسمى وجدي عبداللطيف ، من مسرة ، والدى موظف بسيط ، لم أكمل تعليمى ، أعمل منذ أن إنتهيت من دراسة الإعدادية ، عملت بأكثر من مهنة واستقر بي الحال هنا .
فى اليوم التالي ، بدأت أتعرف على جوانب أخري فى شخصيتة .
بعد ان إنتهى العمل ، وقبل أن نغادر الموقع ..أخرج من محفظتهِ ورقةً مالية .. أعطاها لى ، لم يدع لى فرصة للرفض او الشعور بالخجل ، ربت على كتفي وتركني فى دهشةٍ كبيره .
كان قليل الكلام ، لا يتكلم إلا إذا سأله أحد عن شيء .
عندما استفسرت منه عن السبب ..
كانت حكمته الثانية
” لاتتحدث كثيرا .. حتى لاتخطئ كثيرا ..كثير الكلام ياكامل كثير الغلط ” عرفت أنه مثقف ويحب القراءة ، كل يوم يأتى بجريدة الصباح ، يطالع عناوينها ونحن نتناول الإفطار الذى يعزمني عليه كل صباح قبل ان نبدأ العمل .. بدأ يقربنى إليه ويشاركنني هواياتهُ ، كان يحب السينما ، يصحبنى معه كل أسبوع إلى مشاهدة فيلم جديد وكالعادة لاأصرف شيئا .
” أنت صاحبى ومازلت طالباً .. أتمنى أن اراك وكيلاً للنيابة مثل وكلاء النيابة الذين أشاهدهم فى الأفلام .. لا تأخذ الأمور بحساسية” .
كانت كلماته تشعرنى أنه أخى الكبير الذى كنت أحتاجه من الدنيا لأنى الإبن الكبير لأبي وأخاً لثلاث بنات .
علمنى أن أشاهد مباريات كرة القدم عندما يصطحبنى إلى ستاد النادي الأهلى بالجزيرة لمشاهدة تدريبات الفريق ورؤية وتشجيع اللاعبين . لا أنسى فرحتهُ الهادئة عندما يفوز الأهلى فى مبارياتهِ وخاصة عندما يحصل على بطولة الدورى أو الكأس ، فيأتى فى اليوم التالى بالحلوى ويوزعها علينا.
كانت فرحتى كبيرة عندما دعانى إلى فرح أخته ، وللمرة الأولى أتعرف على أسرته وخاصة الخالة ” أم وجدي ” التي أحببتها قبل أن أراها ،حكى كثيرا عنها وعن طيبتها ، أخبرنى أنها تعرفنى من خلال حديثه عنى معها ، وجدتها أكثر مما تخيلت ، سيدة جميلة ، بشوشة ، فى منتصف العقد الرابع ، شعرت أنها من أصل نبيل ومعدن طيب .
أما عم عبد اللطيف فهو حكاية ..تشعر أنك تَعرفهُ من قبل .. رجل بشوش ، كريم ، لا يتركك إلا إذا أكلت عنده ويصر على ذلك ومعه أم وجدى . تعرفت على زملائهِ المقربين بالحارة .
أحمد حمادة طالب بمعهد فنى تجاري .. وهو أخ لحسين عريس أختهِ ناهد ..شاب مرح يحب المرح وإلقاء النكت الشعبية .
سامي الكهربائي الذى أعد زينة الفرح وعلقها على واجهة المنزل ، وتولى بنفسه الغناء فى السهرة والزفاف ، أدهشنى صوته الجميل والكل يصفق له ويرقص معه .
ولم أندهش أن وجدى هو من تولى تجهيز أخته وعمل فرحها بعد كل الذى عرفته وسمعته عنه .
أصبح هناك لقاء أسبوعي كل يوم جمعة لرؤية الخالة أم وجدى وعم عبداللطيف وأخته الصغيرة حنان .
وبعد غداء كل جمعة نخرج لمشاهدة مباراة أو فيلم سينمائى وياحبذا لو كان فيلماً لنور الشريف الذى يحبه .
انتهت أجازة الصيف وبدأ العام الدراسى الجديد ، كان علي أن أتوقف عن العمل .
عند نهاية اليوم الأخير بالعمل ،أعطاني ظرفا مغلقاً.. كان به مائة جنيه ! طلبت منه ألا ينقطع لقاؤنا وكانت هذه رغبته .
حرصه على وقتى ومذاكرتى جعل اللقاء كل أول شهر ولوقت قصير ..وكلما التقينا يمنحنى خمسين جنيها وهى فى ذلك الوقت كثيرة جداً.
فى أجازة العام الثالث..بدأنا ببرج جديد لأحد البنوك على كرنيش النيل ، كنا نفرح ونحن نرى النيل يجرى أمامنا ونستنشق هواء الصيف بعد الظهيره . لكن فرحته تختلف لأنه يشاهد برج الجزيرة واستاد الأهلى من بعيد .

فى لحظة خاطفة ونحن معلقان بين السماء والأرض ..توقف نبض قلوبنا وانقطع الحبل الصوتى بداخلنا ..ونحن نشاهد سقوط جسد زميلنا فتحى ، دب بداخلنا رعب وحزن كبيرين ..بكى بشدة عند نزول فتحى إلى القبر .
مر يوم واثنان وثلاث ..ولم يأت وجدى للعمل !
ذهبت إليه ، الوجوم يخيم على شقتهم الصغيرة ، والشجن يصاحب صوت الخالة .. أخبرتنى أنه لم يتكلم منذ أن عاد من دفن زميلنا ، لا يأكل إلا قليلا.
أشار عم عبد اللطيف بالدخول إليه ، وجدت صاحبى فى فراشه هزيلا ، حزينا ، إنهمرت دموعه عندما رآني، لم يتكلم ..تكلمت كثيرا ..لكنه ظل صامتا .
كل يوم حالته تزداد سوءاً ، أخبرتنى الخالة بتطورات جديدة .
قالت : أصبح يحدث نفسه وكأنه يرى أحدا معه بالحجرة ..
أخذناه إلى طبيب نفسي ..أخبرنا أنها صدمة عصبية ، ومع العلاج والمهدئات سوف يُشفى .. إنتبهت لشيء غريب عندما كنا فى طريقنا للعودة بعد زيارة الطبيب ..
كان خائفا ويشير وراءهُ ..
قال فى توجس : ابعده عنى ياكامل ..إنه يريد قتلى !
أنظُر خلفى ..لا أحد يتبعنا !
فى اليوم التالى ذهبت إليهم .. منذ أن دخلت الحارة وهناك صراخ وصويت وحركة غير عادية ، اقتربت من المنزل الذى به شقتهم ، نساء كثيرات يتشحن بالسواد .. يصرخن ويلطمن الخدود ، ورجال الحارة يحتضنون عم عبد اللطيف الذى يبكى بحرقة ولا يدرى شىء حوله.
ترامى لسمعى سيدة تصرخ ” الله يرحمك يا أم وجدى ” .
لم أدر ماذا حدث ..حتى انتهينا من مراسم الدفن ، وكأن الوقت كان لحظة خاطفة من الزمن لم أستوعبها ولم تتحملها ذاكرتى .
إنقطعت عن العمل ، وتفرغت له ، كل يوم أعود بعد زيارته بحزن جديد ، ساءت حالتهُ ، أصبح يرى أشباحا لانراها ، يتحدث معهم ويحدثونه ، تصحبهُ ناهد المسكينة ومعها حنان تارة لشيخ يقرأ عليه قرأنا ، وتارة أخري لكنيسة حتى يقرأ القس عليه تراتيلاً لفك العمل أوالسحر المعمول. وعم عبد اللطيف وأنا نذهب للطبيب الذى يخبرنا كل مرة أنه سليم وليس به شيء غير تلك الصدمة العصبية !
لم يعد يعرف أحدا غيري ، يدعونى للجلوس على الفراش جواره ،
يواصل صمتهُ وأواصل حزنى .
مضت أيام ثقيلة لم نعرف لها عدداً.
بدأت الدراسة ..انشغلت قليلاً فى الأسبوع الأول ، فى يوم أجازة الجامعة ذهبت إليه ، إبتسامة حزينة كانت على وجه أبيه الذى بادرنى قائلاً : منذ دقائق كان ينادى عليك !
دخلت حجرته ، إحتضنتهُ ، جلست بجانبه ، شيء ما تغير ؟
عادت إليه الذاكرة ..لاحظت دموع ساخنة إمتزجت بابتسامات حزينة علت وجه ناهد وحنان .
بكينا عندما سأل عن أمه زينب ” الخالة أم وجدى ” .
لم يستطع أحد أن يجيبه .
قال : هاهي أراها … إنها هناك ..عند ذلك النور البعيد .
التفت إلي وأردف : أتذكر ياكامل عندما سألتني لماذا لا أصلى ؟
أومأت برأسي موافقاً ..
“قلت لك أني أحب الله من كل قلبى”
أتعرف ماذا أرى الأن ؟
أراه هناك .. نور يجذبنى إليه كأنى فراشة صغيرة ،أمى هناك تنتظرنى ، لماذا هى هناك ؟ أين هى ياناهد ؟
” أنا أحب الله ياكامل ” .
مضت الأيام بطيئة..وأصبحت رئيسا للنيابة ، ومازلت أراه كل يوم
فى صورة إبنى “وجدى” الصغير الذي يشبه خاله !

لا تعليقات

اترك رد