هل الحرب الايرانية – الامريكية امر محتمل ؟! ج1


 

في سلسلة مقالات كتبتها على موقع الصدى.نت قبيل تولي ترامپ مهامه الرئاسية ، في سياق سلسلة من مقالات كتبها اخرون من زملائنا ، خلصت الى استنتاج حول آفاق السياسة الامريكية المنتظرة مع الرئيس ترامپ تجاه ايران مفاده : ان الخطاب السياسي الترامپي تجاه ايران سيكون اكثر حدة من الخطاب الذي ألفناه خلال ادارةٍ اوباما ، وان المف النووي سيعاد فتحه ليس لانه مستهدف بحد ذاته بل لان ملفاً اخر أخذ يثير قلق حلفاء الولايات المتحدة وخاصة اسرائيل ودول مجلس التعاون الخليجي وهو ملف التسلّح الصاروخي تحديداً ، فضلاً عن سياسات مد النفوذ في الاقليم والمبالغة في إظهاره والتباهي به من قبل ايران . توقعت مع غيري ان ترامپ سينهج سياسة متشددة وستعمل ادارته على معالجة هذه الامور ، لكن الامر الذي توافق عليه معظم من كتبوا في ذات الموضوع هو ان الستراتيجية العامة للولايات المتحدة لن تتبدل رغم ان السياسات قد تشهد تبدلاً ؛ آمن النفط وأمن اسرائيل هما الاولوية التي لاتبدل فيها .

تزامن مع بدء ولاية ترامب قيام ايران بسلسلة من التجارب الصاروخية على انواع محددة منها ، وتحديداً تلك التي يقول الخبراء عنها انها صواريخ قادرة على حمل أسلحة نووية او الحاملة لما يسميه خبراء التسلّح الصاروخي ” Reentry Vehicle ” .

خلال العام الأخير من ولاية اوباما ، وبعد توقيع الاتفاق النووي ، بالغت ايران في محاولات إظهار قوتها العسكرية وكانها تحاول إثبات انها باتت القوة الوحيدة المقتدرة في المنطقة . تكررت المناورات العسكرية وخاصة تلك التي يقوم بها الحرس الثوري كما قامت بالانفاق بسخاء على توسيع قاعدة وأعداد المليشيات المسلحة في كل من العراق وسوريا بشكل خاص ، كما بالغت في استعراض قدراتها البحرية وصارت تصريحات مسؤوليها تتوالى حول امتداد نفوذ البحرية الايرانية من اندونيسيا الى باب المندب رغم ان اي متفحص لنوعية وأعمار قطعها البحرية يعلم حجم المبالغة في كلام كهذا ، فضلاً عن ان النفوذ لايتمثل في زيارة ودية تقوم بها مدمرة متخلفة التسليح يزيد عمرها عن أربعين سنة الى ميناء في اندونيسيا ؛ للنفوذ قواعد وأسس معروفة لاتنطبق على هذا النوع من النشاط ولكن ايران مضت في هذه الاستعراضات وكانها تريد اقناع احد ما او طرف ما بانها باتت قوة عظمى لاتجارى في الاقليم ، بل ووصل الحماس ببعض مناصريها حد اعتبارها قوة عظمى عالمية : هذا امر قاله لي معلق على تويتر ، وصار يجادلني فيه بقناعة وإلحاح . ثم جاءت حادثة اسر زورقي دورية مع بضعة جنود من المارينز الامريكي اثر عطل احد الزورقين داخل او عند حافات المياه الاقليمية الايرانية ونذكر طبيعة معاملة الاذلال التي تعرضوا لها بإجبارهم على ان يخضعوا للتصوير وأيديهم مرفوعة فوق رؤوسهم ، ثم جرى بعد ذلك إكرامهم وإطعامهم قبل إطلاق سراحهم .. امر لم تكن ايران بحاجة اليه الا اذا كان الموضوع يقع في اطار ذات التوجه ، اي محاولة تعزيز القناعة لدى اطراف ما ، هم على الأرجح جمهورها في داخل البلاد وفي الاقليم ، بان ايران باتت قوة عظمى .

اذا عدنا الى الملف النووي فاذكر انني فصلت فيه والخلاصة : ان ايران بعثت منذ عام ٥ – ٢٠٠٦ رسالة واضحة ، لاتخطئها أَفهام متلقيها في اسرائيل والغرب وخاصة الولايات المتحدة ، ومفادها ان ايران مستعدة للقيام بخطوات جدية من اجل انهاء آية شكوك بشأن برنامجها النووي والاستعداد لتقديم الضمانات بانه برنامج لاغراض الطاقة في بلد قد يتحول بحكم عدد السكان من مصدر للنفط الى مستورد له خلال عقود قليلة .. في هذا الاتجاه قامت ايران بتفكيك برنامج ” داماد ” وهو البرنامج المختبري لإجراء التجارب واكتساب الخبرات الخاصة بصناعة جسم قنبلة ذرية وفق تفاصيل ذكرتها في مقالات سابقة . ترافق ذلك مع الكشف عن عدد من المنشأت النووية غير المعلنة مثل مصنع ” فوردو ” لتخصيب اليورانيوم ، كما باشرت ايران منذ ذلك الحين بالعمل على توسيع نشاط التخصيب النووي من حيث الكمية بإدخال عشرات الالاف من اجهزة الطرد المركزي ، كما زادت نسبة التخصيب الى حوالى ٢٠٪‏ وان بكميات محدودة للغاية لاغراض توفير وقود لمفاعل صغير للابحاث الطبية تم إنشاؤه في عهد الشاه ويعمل بإشراف الوكالة الدولية للطاقة النووية .

التخلي عن جزء أساسي من برنامج صناعة قنبلة ذرية في الوقت الذي يتم تصعيد النشاط في جانب اخر ، ذو غرض مزدوج ، وهو تخصيب اليورانيوم ، كان رسالة دبلوماسية بلغة نووية لم يتعسر على الغربيين فهمها ولم يكن صعباً على الدبلوماسية الايرانية الحاذقة صياغتها صياغة مناسبة ؛ كانت تلك اولى خطوات التفاهم الذي لم يتوقف رغم الخطاب العدائي المتبادل ، لكن نقاطاً اخرى للتفاهم اكثر عمقاً كانت قد استقرت في ثنايا الموقف منذ وقت طويل واُخرى طرأت على اثر القرار الامريكي بغزو العراق .

في بداية عهد كلنتون وخلال ولايته الاولى تم تطوير ستراتيجية امريكية في منطقة الشرق الاوسط اطلق عليها الامريكيون : الاحتواء المزدوج ، اي احتواء العراق ( بعد أزمة الكويت ) واحتواء ايران ( بعد انتهاء حربها مع العرق ) .

قدم مارتن إنديك تلك الستراتيجية بعبارات بسيطة : استخدام القوة العسكرية ضد العراق كلما اقتضى الامر والاستمرار في سياسة الحصار الشامل مع اعتماد قانون لاسقاط النظام سمي ” قانون تحرير العراق ” ، ورصد اموال مناسبة لتمويل نشاطات المعارضة بما فيها المسلحة ، ومنها محاولة اقامة حكومة بديلة في شمالي العراق ( محاولة انتهت بكارثة فيما بعد ) ، اما بالنسبة لايران فيتم استخدام الضغوط الاقتصادية لغرض فتح باب الحوار وإغراء الجانب الايراني بفوائد رفع العقوبات ، وتم بالفعل تخفيف بعض القيود والحظر التجاري على بعض الصادرات الايرانية الى الولايات المتحدة . وعلى ذات النهج تدافعت دول الخليج العربي وفي المقدمة منها السعودية لترتيب العلاقات مع ايران وتم استقبال الرئيس خاتمي وقبلها رفسنجاني وبعدها الرئيس احمدي نجاد الذي حل ضيف شرف في احدى قمم مجلس التعاون الخليجي بجهود سعودية .

على مستوى التقييم الستراتيجي فان دوائر رسم الستراتيجيات في الكيان الصهيوني والولايات المتحدة ، وخاصة البنتاغون المشبع بالروح العسكرية التوراتية ، قد اعتبرت ان العوامل والمتطلبات الجيوپوليتيكية سوف تغلب في ايران الثورة ، وان لايران دورها الوظيفي الذي تريده هذه الدوائر والذي كان يتطابق ايضاً مع تطلعات ومتطلبات عقائدية لدى اطراف رئيسية في السياسة والمجتمع الايراني : في السياسة رأى المذهبيون الايرانيون المتطرفون أنصار تصدير الثورة الشيعية بنسختها الصفوية المستحدثة ومبدأ ولاية الفقهية المستنسخ عن حركة الاخوان المسلمين الداعية لاعتبار الاسلام دين ودولة .. رأى هؤلاء في تغييب العراق عن معادلات التوازن في المنطقة فرصتهم للانطلاق دون رادع عكس ماحصل عام ١٩٨٠ حين تلقوا لطمة صدام حسين الحاسمة التي أوقفتهم بل واكلت من جرف قدراتهم الكثير ؛ تحالف مع هؤلاء القوميون من قواعد الپيروقراطيا والانلجنسيا والذين يشكلون في واقع الحال جزءاً مهماً مما يمكن تسميته بالدولة العميقة في ايران منذ القرن السادس عشر .. لقد أيد هؤلاء القوميون سياسات الشاه وكانوا طوع بَنَانَه وهم ذاتهم وبذات التوجه في خدمة الولي الفقيه مرشد الثورة ومصدرها الى المحيط الاقليمي لتشمل منطقة نفوذهم كل ” إيرانشهر ” كما وردت في شاهنامة الفردوسي .

على المستوى الاجتماعي شكل الفرس والآذريون ، وهم أغلبية عددية في ايران ، منذ القرن السادس عشر الحزام الماسك لحركة تشييع ايران منذ بداية عهد الصفويين ، وهم القيمون الأوصياء على السياسة والبازار في المجتمع الايراني .. هؤلاء شكلوا القاعدة الشعبية للحظة الشيعية ونفوذها في المجتمع وعندهم التقت مصالح السياسيين بقادة المذهب ودعاة التصدير رغم التفاوت في مفاهيم ولاية الفقيه ونطاقها ، لكنهم بالجملة يمثلون غالبية في مجتمع لم يجد من اجل تماسكه غير ان يمنح قوميته الجغرافية مضموناً دينياً ليتفرد مع اسرائيل في هذا الامر على مستوى العالم .

هذه الظواهر اجتمعت متزامنة مع نهاية الحرب الباردة وبدأ الترويج في الغرب لمفهوم يتم على اساسه اعتبار ان العدو القادم للغرب هو العالم الاسلامي الذي يضم نسبة عالية من سكان الكرة الارضيّة يوحدهم كتاب مقدس واحد وتراث حضاري غني وتشهد بعض أقطاره معالم نهوض وتقدم وخاصة تلك الموجودة في منطقي الهلال الخصيب والخليج العربي حيث تتوافر اكثر موارد الطاقة التقليدية المستثمرة فعلاً ، وموارد الطاقة الكامنة غير المستثمرة مثل الطاقة الشمسية . ظهرت موجة من الدراسات الخاصة بكيفية مواجهة هذا التحدي الذي تواجهه الحضارة الغربية بنسختها اللبرالية وكان الحل بسيطاً وهو الاستثمار في الخلافات المذهبية داخل هذا الفضاء الاسلامي الكبير ، واعادة توظيف حركات التطرّف التي تم إحياؤها خلال مواجهة المعسكر الشيوعي في أفغانستان وغيرها وتم النبش والتنقيب في كتب ماعاد يقرؤها احد وتخصص فريق في المخابرات المركزية الامريكية وبمساعدة من المخابرات الاسرائيلية والبريطانية لإنتاج مؤلفات ” جهادية ” واعادة تأسيس ثقافة بادت واختفت منذ قرون بل وتم احياء اسماء صارت تراثاً من الماضي تخصصت في تكفير المسلمين بعضهم لبعض ، بل وصار التكفير مادة وظفت لها فروع مخابراتية وجاءت ظاهرة مواقع التواصل الاجتماعي لتقدم المنصات المطلوبة للانطلاق .

لذلك لم يكن التعاون الواسع الذي مهد لاحتلال العراق امراً مستغرباً للمتابعين . كان للسعودية السنية – الوهابية دورها ولاسرائيل اليهودية الصهيونية دورها وكان لايران الشيعية – الصفوية دورها . لم يكن غريباً ان نسمع تفاصيل تم الإفراج عن بعض اسرارها جمعت هذه الاطراف الثلاث تحت مظلة ” الاخ الامريكي الاكبر ” .

في هذا السياق العام يمكن فقط فهم واقع العلاقات الملتبسة التي تفرض الحيرة أحياناً حين ندرس تطور مجريات الامور بين الولايات المتحدة واسرائيل وحلفائهما في الخليج من جهة وايران وحلفائها في الاقليم من جهة اخرى .. هذا الصراع الذي يبدو على سطح الاحداث ليس سوى ماتراه عين المراقب السطحي ، ولكنه يخفي مايخيف من تراث علاقات الماضي ومتطلبات الجيويوپوليتيكا .

في عام ٢٠٠٤ قال ظريف للصحفي الايراني ( واحد قياديي اللوبي الايراني في الولايات المتحدة ) تريتا پارسي ان اسرائيل لاتمثل تهديداً وجودياً للامن القومي الايراني ولكن العراق يمثل مثل هذا التهديد ، ومثل هذا الرأي هو خلاصة موقفي دوائر صنع القرار ستراتيجية الامن الوطني في اسرائيل وكذلك هو توجه السعودية سواء مع العراق او مع اي قوة ” تقدم وحداثة ” ثقافية واجتماعية في المحيط العربي والإسلامي ، والا مامصلحة السعودية في التدخل في الحياة السياسية الداخلية لماليزيا وتنفق مليارات الدولارات لاسقاط مهاتير محمد او عدائها لأردوغان ومن قبله صدام حسين وعبدالناصر . وفي هذا الموقف تأتي قضية النووي الايراني وأسلحتها الصاروخية وسياساتها الاقليمية .. الغرب عموماً والولايات المتحدة واسرائيل والسعودية لايجدون مايكفي من الدوافع او الاسباب لشن حرب مدمرة ضد ايران كما فعلوا مع العراق ، وفي ذات الوقت فان ايران تفهم هذا الموقف وتفهم دوافع ” خصومها ” والحدود التي يمكن ان يذهبوا اليها .

اكثر من عامين انقضيا والسيد ترامپ يحارب ايران على صفحات تويتر ولَم يترك مسؤولاً ايرانياً مهماً الا واشتبك معه في جولات من المنازلة التويترية .. بدءاً بالمرشد خامنئي وصولاً الى محمد جواد ظريف وزير الخارجية مروراً بروحاني رئيس الجمهورية ، وكعادتهم جميعاً لم يبخلوا في استخدام اعلى العبارات نبرة في التهديد والوعيد ، ثم يتمخض الجبل فيلد فأراً ليعلن السيد ترامپ يوم الأثنين الماضي انه مستعد للقاء القادة الايرانيين والحوار معهم !!

الى اين سيمضي ترامپ من هنا ؟! وما هي سيناريوهات الموجهة القادمة المُحتملة على الصعيدين العسكري والدبلوماسي ؟! اي المنطقتين سيغلب ؟!

( يتبع )

المقال السابقإيران تجر وراءها تاريخا من الأوهام
المقال التالىهجرة الأجنة …
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد