فيصل لعيبي … الباحث عن الهويه المحليه


 
الصدى - فيصل لعيبي

أنا أسعى إلى انجاز لوحة تكون عراقية خالصة، لوحة يعرف المتلقي بمجرد مشاهدتها أنها جاءت من العراق , مثلما هناك لوحة هنديه أو صينيه.

هذا ماقاله الرسام العراقي العالمي (فيصل لعيبي ) في لقاء معه لجريدة (مصر اليوم ) في ايلول 2015 , أي أن فناننا لا زال يعمل ويطور أدواته ويقيم عروضه من أجل هدف واضح محدد منذ معرضه الأول (دراسات ) والذي أقامه في البصرة عام 1966 الى معرض (الأوجاع والمسرات ) في دبي مارس 2015 حيث أود أن أوثق ما قاله المدير التنفيذي لغاليري «ميم»، شارلي بيكوب، إن (( حدثاً شهدته دبي لأول مرة، حصل في أثناء معرض «الأوجاع والمسرات» للفنان التشكيلي العراقي فيصل لعيبي، يتمثل ببيع اللوحات المعروضة كاملة قبل أن يفتتح معرضها )) .

وهنا أتحدث عن حالة مهمة في التشكيل العراقي بل والعالمي أننا هنا أمام فنان يعمل لقضيه كبيرة .. هدف وطني واضح المعالم سخر فيصل موهبته ودراسته منذ معهد الفنون الجميله في بغداد 1967 فأكاديميه الفنون 1970مرورا بمدرسة الفنون الجميله بباريس 1980و السوربون 1981 ثم انتقاله إلى روما حيث أقام أربعة أعوام تعرف خلالها على ثقافة عصر النهضة، والفنانين الكبار المعروفين في ايطاليا. استقر بعدها في الجزائر حيث عمل مدرسا في مدرسة الفنون الجميلة، إلى أن قرر الهجرة إلى بريطانيا مقيما فيها الى الآن .

الصدى - فيصل لعيبي

تتلمذ فيصل لعيبي وشذب ادواته الفنيه التي بقى لها مخلصا الى اليوم على رواد الرسم العراقيين ومثلثهم الذهبي جواد سليم وفائق حسن ومحمود صبري وذهب الى فرنسا فنانا مكتمل العناصر ينفتح على تجارب فنية هي من الكثرة والتنوع كانت مدعاة للإرباك ومقلقة لإسلوبية أي قادم جديد الى مدينة السحر والجمال والمتاحف والمدارس والأفكار …إلا أن الطامح الدائم للتعلم كان مسلحا بهدفه الأسمى وخياره السرمدي وتلك كانت فاصلة حددت (إسلوبية ) فناننا كما يصفها هو نفسه في إحدى مقابلاته يوم وقف في باريس بين ثمثال كوديا وفينوس المقطوعة الذراعين وحسم أمره بالإنحياز الى مهابة كوديا وجلسته الوقوره و(جراويته ) التي أورثها رواد (( المقهى البغدادي )) في واحدة من أروع أعماله وفي غيرها من اعماله الكثيره .

((إن ميراث خمسة آلاف عام نتأملها في أعمال فيصل بكل ما فيها من تناقضات وجمال، وهو يعتبر ذلك من واجبه والتزاماته ) ) هذا ما تقوله الناقدة الألمانية جابرييلا شبريغات عن أعمال فيصل لعيبي وهي دقيقه جدا في تشخيصها , فقد انتهج فناننا (( واقعية محليه )) في العنوان العام لكننا نكون غير منصفين إن لم نضيف توصيف (( تاريخية )) الى تلك الواقعيه فلا شك أن الناقد يتحسس بيسر في أعمال الفنان رائحة (رليفات ) سومر وبابل وأكد وآشور تسطيحات الواسطي ,.
لكن فيصل لعيبي نجده ينتج لنا منتجا (( شخوصيا )) بعيدا عن مفردات الطبيعة الأم وتفاصيلها الكثيره ,

ثيمة لوحات الفنان هنا وعنصره الرئيسي هو الإنسان الذي يكرره بتواترات مدروسه ولعبة منور ذكيه

لحل مشكلة العمق في المشهد العام للوحه رغم أنه دائما ما يجنح الى ((تعبئة )) المساحات الخاليه بمفردات جامده وبطريقة لاتبطل فعل التأثير ولا تقطع خيط الإتصال مع المتلقي … فتنعشنا أرضياته المتضاربة الألوان واشكال (( البسط المزخرفة )) وربما حتى كتل البشر الموزعة بحرفة حول الباص الأحمر الذي يسير مخترقا زحامات بغداد ليصل الى ذائقة المتلقي بيسر وسط تداعياته أمام اللوحه ,(( المنظور التكراري ـ)) كما يسميه الرائد شاكر حسن آل سعيد يلجأ اليه لعيبي كمقوم اساس في اسلوبيته دون أن يغفل (( المنظور البعدي )) لتفاصيل أو أجزاء من تفاصيل على حساب أهمية تلك الوحدات في مجمل تركيبة اللوحه واسلوب الخطاب الى المتلقي فليجا فناننا الى التعامل مع بيرق ونعش بواقعية كلاسيكيه وبمنظور بعدي وسط كم هائل من أجساد ووحدات متكرره منظوريا كأسلوب خطاب تأثيري للمتلقي وكذا نرى في قدح شاي أو ماكنة خياطه وربما قطعة فاكهه.

elsadafaisaltwo

والمحلية عند فيصل هي إمتداد متصل منذ النشأة الأولى للحضارات وصولا الى هذه الحظه ..أعماله وشخوصه بكتلهم المسطحه عراقيون خلص لاينتمون الى حقب زمنيه محدده لكنهم عباره عن مزيج من التفاصيل والخطوط و المعالم (( التشريحيه )) ينتمون الى عالم انثروبولوجي واحد وكأن الفنان هنا قد اسس لـ((كود )) أو ((شفره )) موحده للعراقي دون اللجوء الى ترميزات آثاريه أو خطوط كتابيه قد يلجأ اليها البعض كوسائل لتسجيل الحدث . فيصح أن ترى من يجلس على التخت في مقهى بغدادي هو كوديا ولا تشك أبدا أن تلك المستقليه على سرير بغدادي هي نفسها عشتار ,

وتلك سمة مهمه جدا في مجمل مسيرة المبدع فيصل لعيبي .

فيصل نجح في أن يقدم للعالم (( لوحة عراقيه خالصه )) , يعرفها المتلقي والمختص والناقد و (( تجار الفن هذه الأيام )) دون أن يعلن عن ذلك .

بقي فناننا مخلصا لقضيته الأساسيه (( المحلية )) الملامح باصرار , العالمية الموضوع بإمتياز ألا وهي (( الإنسان )) . لذا أرى أن فيصل لعيبي إمتلك باسلوبه هذا ناصية (( الجماهيريه )) في مسيرته … فلم يكن خطابه الإبداعي نخبويا رغم (( عالميته )) ولم يكن شعبيا رغم (( محليته ) .

لا تعليقات

اترك رد