الإعلام والتسويق السياسي


 

يعرف “التسويق السياسي” على أنه مجموعة من التقنيات والأساليب تهدف إلى إقناع الناخبين بتقديم الدعم والمساندة لمشروع سياسي أو شخص
فالتسويق السياسي هدفه هو ماذا يريد الناس؟ كيف أصل إلى مجموعة من الأفراد كالشباب؟ ما هي رغباتهم؟ كيف أقنع الناخب؟ كيف يمكن أن أصل للناس بوسائل مختلفة؟
تاريخيًا التسويق التجاري سبق التسويق السياسي والتسويق السياسي يعتمد على أسلوب لإدارة العلاقة التواصلية بين المنتج السياسي (المرشح) والمستهلك السياسي (الناخب) ويقوم على ركيزة مهمة جدًا تتمثل في المعرفة الكاملة والدقيقة للشريحة التي نريد التوجه إليها بالخطاب ناهيك عن كونه علم يساهم في الصناعة الذهنية لدى الناخب بالترويج لفكر وشخصية المرشح.
و التسويق السياسي أكثر شمولاً واستمرارية من التسويق الانتخابي هذا الأخير يكون لفترة معينة أثناء الحملة الانتخابية في حين أن التسويق السياسي يكون قبل وأثناء وبعد الحملة الانتخابية ونجاح المرشح على اعتبار أن التواصل خيار في السياسة وكما يقال “من لا يتواصل يموت أو على وشك الموت”.
و تعد مواقع التواصل الاجتماعي من الأساليب الحديثة للأفراد بالتفاعل مع بعضهم البعض و بناء علاقات اجتماعية على الانترنت.
فحين ينضم مثلا أحد الأشخاص إلى أحد مواقع التواصل الاجتماعي فهذا يمنحه إمكانية كبيرة للتواصل مع جمهوره حول العالم بأسره و بشكل مباشر ما يسهل عليها الترويج لأفكاره أو بالأحرى ما سيقدمه لعدد كبير من المتابعين .
و هناك خاصية مهمة جدا تجعل مواقع التواصل الاجتماعي واحدة من أكثر وسائل التسويق فاعلية و هي خاصية ” مشاركة ” أو ” إعادة تغريد ” المنشورات التي يطرحها المسوق إذا كان المتلقي مهتما بالمنشور هذا الأمر يسمح بانتشار الرسالة التي يريد المسوق إيصالها بشكل كبير و على مستوى واسع في وقت قصير و دون أدنى عناء إذا ما تم استخدام هذه المواقع بالشكل الصحيح.
وتبعا لذلك لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي حكرا على عامة الناس والمثقفين والمفكرين بل اقتحم هذا المجال حتى رجال السياسية والمنتخبين منهم من يريد التسويق لصورة ومنهم من يستعمل هذه الروابط الاجتماعية من أجل تحقيق تواصل أفضل مع الناس.
الرئيس الامريكي دونالد ترامب يبرز كواحد من السياسيين الذي اقتحم بقوة العالم الافتراضي إذ تجده فاعلا نشطا في مواقع التواصل الاجتماعي كما أن صوره ونشاطاته لا تكاد تغادر المواقع الإلكترونية مما جعله يصنف كأول رئيس يبرز إعلاميا عن طريق المواقع الإلكترونية والاجتماعية .
البعض تسائل عن أسباب هذا التسويق السياسي ما الهدف منه؟ ذلك أن أي نشاط كيفما كان نوعه ولو أنه ليس له قيمة إخبارية تجده منشورا بالصور على هذه المواقع.
البعض الآخر يرى أن دونالد ترامب بدأ يخوض حملة عودة بلاده إلى كرسي العمودية لذلك كثف من تواجده الإعلامي وحرص على ذلك من خلال استثماره في العديد من الأذرع الإعلامية لأنه يعتقد أن بهذه الطريقة قد تصل إلى المواطنين جميع دول العالم أكثر ويتواصل معهم سيما إذا علمنا أن للرجل نافذة أسبوعية يطل بها على موقعه داخل عالم “الفايسبوك” إذ كل أسبوع يتحدث عنه موضوع، وهو بمثابة لقاء تواصلي مع العالم .
وانا اعتقد ان الرجل لديه إمكانيات مهمة و شبكة عاميلن في العلاقات والاعلام واسعة ساهمت في نجاحه في هذه المهمة، وقد اثرت بشكل إيجابي خلال مدة الحكم التي حكم بها وما زال
ومن أجل تحليل أكبر لهذا الموضوع، ومعرفة أبعاده وخلفياته عن ظاهرة التسويق السياسي على مواقع التواصل الاجتماعي اعتقد أن الأمر لم يرق إلى أن يصبح “ظاهرة” بل الأمر يتعلق بمبادرات شخصية للاقتراب من العالم الافتراضي ليس إلا.
وهنا نجد ان السياسيين العرب واخص منهم السياسيين العراقيين قاموا بتطبيق وتقليد هذه الظاهرة
أن استعمال السياسيين لوسائل التواصل الاجتماعي في عمليات تقريب المواطنين من برامجهم ومن المشاريع التي لم ينجزوه لم تصل بعد في العراق الى مستويات هامه لأن ما نلمسه في الساحة الإعلامية لا يعدو أن يكون مبادرات شخصية يلجأ إليها البعض محاولا أن يكسب بعض المواقع وأن يقترب من بعض الفئات التي يكون لها دور في حصوله على مقعد في الجماعة أو في البرلمان. ومن خلال بعض النماذج التي توجد ضمن صفحات وسائل التواصل، ( تويتر ، اليوتوب، الفايسبوك…..) يلاحظ أن آليات الخطاب المستعملة لا تصل إلى مستوى الإقناع وليست لها قدرة على تأسيس الثقة بين مرسل الخطاب وبين متلقي هذا الخطاب، نظرا لوجود الكثير من التشويش الذي ينشأ بفعل ما تشهده الساحة السياسية العراقية من تجاوزات وكذا التجارب الفاشلة التي عاشها المواطنون مع الكثير من الذين كانوا يحملون برامج بدت في البداية طموحة وقادرة على خلق الحلول التي يتطلع لها الناس، ولكن اتضح أنها قاصرة ومجرد شعارات من أجل الوصول إلى الكراسي.
استغلال وسائل التواصل الاجتماعي من قبل الفاعلين السياسيين قد يكون مجرد عملية استنساخ لما هو عليه الحال في دول الغرب التي حتى و إن التجأت في ممارساتها السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية إلى هذه الوسائل فهي تقوم بذلك بناء على مؤهلات صلبة وأرضية قوية تتمثل في عمليات البناء التي شرع فيها الغرب منذ عقود طويلة توجت بنهضة كبيرة في جميع الميادين.
فالمواطن في البلدان الغربية قد قطع أشواطا كثيرة في مجال بناء الوعي وإدراك ما ينبغي أن يكون وما لا ينبغي أن يكون ونسبة الأمية تكاد تؤول إلى الصفر، وحقوق المواطن مضمونة من خلال آليات الرقابة الصارمة وواجباته واضحة في ذهنه نظرا لما يتوفر عليه من ثقافة في مجال المواطنة وحقوق الإنسان.
بينما المجتمعات العربية مازالت تعاني من جملة من العوائق بحكم المدة الزمنية القصيرة نسبيا التي تفصلها عن مرحلة كان البلد مازال يعيش فيما يسمى في قاموس علم الاجتماع بـ “المجتمع النامي” الذي يقوم أساس على قوة العضلات وليس على قوة الفكر، كما أن الصراعات السياسية العديدة التي تشهدها البلاد من أجل الاستئثار بالسلطة والوصول إلى الحكم تسبب في الكثير من التأخر وترتب عنه نوع من التشردم والاختلاف حول طبيعة المشروع الاجتماعي الذي من شأنه أن يساهم في تحقيق النهضة المنشودة
فإنه بدل اللجوء فقط إلى وسائل التواصل الاجتماعي لإيهام النفس بأن هناك مكاسب يمكن أن تتحقق من وراء ذلك، ينبغي على الفاعل السياسي أن يحتك بالميدان وأن تكون له الإرادة الحقيقية لبلورة مشاريع ملموسة من خلال الاقتراب المباشرة من المواطنين والإنصات إلى نبض الشارع وتطوير علاقاته مع مختلف الفاعلين سواء في المجتمع المدني أو باقي الفاعلين السياسيين الذين لا ينبغي أن ينظر إليهم على أنهم خصوم بل شركاء.
مصلحة البلد بشكل عام تتمثل في جعل العمل السياسي أداة دائمة لاكتشاف حاجيات المجتمع الذي هو في تطور دائم ولا يمكن أن نعول على الاستفادة من الطاقات الكامنة داخله إلا من خلال خطاب الصدق والمسؤولية والجدية وهي أمور لا يمكن أن تمر في عامل افتراضي لا وجود لأدوات قياس مصداقيته بل العمل الميداني المباشر.
إن الزخم الكبير في الرسائل التي تصل إلى المنتسبين لوسائل التواصل الاجتماعي قد يؤدي إلى نتائج عكسية فإرباك الناس بعدد هائل من الرسائل التي تتضمن دعاية مستمرة أو أخبارا مبالغ فيها قد يجعل مستقبلي هذه الرسائل عارضين عنها لكونها تتحول إلى مصدر إزعاج فالحميمية لها شروط وعندما تقتحم رسائل دخيلة عوالم الناس بشكل قسري تمس هذه الحميمية ويصبح متلقي هذه الرسائل كأنه غير محصن أمام ما يمكن أن يعتبره مجرد رسائل دخيلة.
بالفعل، قد تكون الآن، في هذه الظروف التي تتسم بهيمنة ما يسمى بالإعلام الجديد أو الإعلام الاجتماعي المشاكس الحاجة إلى تسويق الصورة وترويج الممارسة السياسية من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، فالذي لا يملك اليوم بريدا إلكترونيا أو صفحة على الفايسبوك أو تويتر، قد يكون خارج سياق التطور الذي تفرضه العولمة، لكن بقدر ما لهذه الوسائل من قدرة على التأثير الإيجابي لها أيضا خطورة على مستعمليها مما يمكن أن تخلق له ضرر بسبب عمليات التصدي التي تقابل بها كل الصور أو الرسائل المنشورة في هذه الوسائل، من خلال ردود أفعال قد تكون غير متوقعة.
فالمستقبل للرسائل يفهم ما يصله وفق قناعاته ومعتقداته وقد يرى أن الخطاب الذي يصله فيه نوع من النصب والاحتيال على هذه القناعات والمعتقدات لتحويلها لفائدة مرسل الخطاب، فانتشار هذه الوسائل أحدث نوعا من الذكاء التواصلي بحيث أصبحت عملية الإقناع تتطلب دراية وإلماما بعلوم الناس
وليس مجرد تعابير أو صور من أجل التسويق والترويج ولا شيء غير ذلك.

المقال السابقالعشائرية” اغتراب ذهني ومجتمع مأزوم
المقال التالىالمدارية والنظام الخالف والدهاء السياسي
انس قاسم علاوي . باحث فني وصحفي و مخرج تلفزيوني عراقي . حاصل على ماجستير وسائل اتصال جماهير ..الجامعة العراقية .. بكلوريوس فنون سمعية ومرئية جامعة بغداد كلية الفنون الجميلة.. دبلوم اخراج سينمائي معهد الفنون الجميلة بغداد.. دبلوم تقنيات مونتاج معهد مايكروسوفت للبرامج لبنان- بيروت. عضو نقابة الفنانيي....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد