الفنان المهاجر .. جمال امين الحسني

 

في النصف الثاني من سبعينيات القرن المنصرم كان شباب متوسطة 14 تموز في الحلة ينقسمون الى فئتين وشكلين من التصرف حالهم حال معظم شباب العراق ممّن عبر سن الثالثة عشر الى سن العشرين ,الفئة الاولى ممّن يعيش حياة العبث والرفض للاخر ايّا كان لونه وشكله وتصرفه ,وهم يعتبرون أنفسهم الاقوى والاعرف والاذكىوالأفهم ,وكانوا يتحدثون بأصوات عالية وثقة عجيبة غريبة . على رأس هؤلاء في مدرستنا كان شاب اسمه محمد عباس محمد .محمد كان طويل القامة يمتلك من الثقافة الشيء الجيد ,يطالع كتبا حصل عليها من مقر الحزب الشيوعي في منطقة الابراهيمية ,وكان يفاجئني بأسماء صعبة الحفظ ,تمادى محمد في ذكر اسماء كثيرة عجيبة غريبة سجّلتها في دفتري الصغير وبدأت رحلة البحث عنها ثم اكتشفت فيما بعد بأن معظم هذه الاسماء غير موجود بتاتا وان محمد كان يستغفلني ويستغل جهلي بالادب الروسي ليغرقني في معمعة تلك الاسماء الوهمية .


أما الفئة الثانية فهي الفئة التي كانت تخجل من الصوت العالي وتخاف من معارضة النظام وتطالع مايقع بيدها من مجلات فنية مثل الاذاعة والتلفزيون العراقية والشبكة والموعد وسمر اللبنانيات والتطفل على عالم الرومانسية والواقعية اللذيذة في روايات وقصص نجيب محفوظ ,يتابعون الصحف وينشرون فيها خواطر واشعار منها صحف العراق والراصد التي يتسابقون على شراءها وقراءتها بصفة دورية .وأنا كنت من الفئة الثانية مع طموح كبير انأصل الى مستوى محمد عباس الشرس الذي كان يدرّبني على رياضة الكراتيه في حديقة صفي الدين, وحينما يأس مني بدأ يركلني بقوّة حتى ادافع عن نفسي لكني كنت اخاف من مغامرة الدفاع ضد محمد ,فعلتها مرة وسال الدم من فم محمد الذي ابتسم وفرح لردة فعلي وبددّ خوفي من الدفاع عن نفسي لكني لم اكمل دروس محمد بعد ان فصل هو من المدرسة واختفى الى الان, وبقيت انا لا ادافع عن نفسي سوى بالكلام, وحينما تصل المسألة الى حد الاشتباك احاول ان ازوّق الموضوع وأتملّص منه مهزوما .كلامي هذا لايعني ان مجتمع الشباب كان فقط من هاتين الفئتين ,لكن الاغلب الاعم كان ينتمي الىهاتين الفئتين ,أو أنا كنت اراها هكذا .اخر مرّة التقيت فيها محمد عباس محمد كانت في عام 1976 حينما دخلنا انا وهو سينما الخيام على ماأظن في الحلة لمشاهدة الفيلم العراقي (بيوت في ذلك الزقاق ) اخراج قاسم حو

ل .كان محمد يتحدث اثناء عرض الفيلم بصوت عال ويعلّق ممّا أوقعني بأحراج كبير حينما شب شجار بين محمد ومجموعة من الشباب ,اذ تفوق محمد عليهم وكان لي شأن كبير في هذه المشاجرة بعد ان مسكت احدهم من شعره الخنافس ودفعته بقوة وكان اصغرهم عمرا وقوة وجسدا .طردنا المراقب من السينما لكني استطعت الافلات منهم ومن محمد وعدت لمتابعة الفيلم من مكان اخر .كان فيلما مثيرا جدا من وجهة نظري الخاصة, اذ اعجبني فيه الجرأة, وبعض القبل السينمائية التي كانت غذاءا روحيا لي ,كذلك كنت مغرما بحركة الممثلين وجرأتهم وعدم خجلهم من الاقتراب من النساء الممثلات في هذا الفيلم امثال سعاد عبد الله والتفات عزيز وهناء محمد .أما من الممثلين فقد كنت احسد عبد المطلب السنيد وعبد الجبار كاظم لغاية غير فنيّة وحصولهما على بعض القبلات , واحسد جمال محمد امينلغاية فنية ,وكم كنت معجبا في المشهد الذي يظهر فيه جمال علىسطح بيت من بيوت في ذلك الزقاق يقرأ بكتابه ,ويتحدث مع الممثلة هناء محمد ويسألها عن الاعمى الذي يذهب للبقال ليشتري ماكنةحلاقة وماذا سيقول له, وهي تقع بالفخ, وفي النهاية يكشف لها سر النكتة فتضحك هناء , و يبتسم جمال ابتسامته السحرية التي تتحدث بمايريد وما يعني .حينها بدأت اتابع هذا الشاب الوسيم بشاربه الخفيف وكنت اتمنى ان التقي به ليعلّمني سر جمال هذا الحضور وبهاءه .كان جمال يتحرك وكأنه هو المخرج والكاميرا قد انجذبت له بمجال مغناطيسي خاص به, وعلى الممثل المساند ان يقترب من جمال حتى يحصل على مساحة مرئية يظهر من خلالها على شاشة السينما الساحرة .كان جمال يمثل الفئة التي انتمي لها مع بعض التحسينات والاضافات المفاهيمية .لم افهم قصة الفيلم حينها لأنني لم اتابع الحدوته التي يبغي الفيلم طرحها , وانشغلت بمتابعة المشاهد الجريئة وجرأة جمال الحسني في كيفية التعامل مع زملائه الممثلين. كنت استغرب كيف يستطيع هذا الفتى الصغير ان يكون بطلا لفيلم طويل مع العلم اني لم اراه مسبقا في اي فيلم او مسلسل او تمثيلية ,بل اني اقتنعت ان كل من كان يتحرك على الشاشة كان ممثلا الاّ هذا الفتى (جمال) فأنه ليس ممثلا بل شخصية حقيقية سرقت منهالكاميرا مشاهد ولقطات حقيقية, وانه لا يعلم بأن هناك كاميرا تسجل له افعال وحوارات .كانت الكاميرا تبحث عن وجهه وتقترب منه كثيرا ,وأنا اقترب من الزقاق الذي سحرني وشدّني لانه يشبه البيت الذي كنت اسكنه ,حتى السطح كان نفس السطح, وكتابي في يدي لا لكي اطالع دروسي,بل كي التقي بهناء محمد أو التفات عزيز, وتحقق حلمي بعد سنين لكنه تبدد حينما ودّعتني فتاة الجيران وقالت (مع السلامه دير بالك على دروسك خاله) .والمدهش في مشاهدة فيلم بيوت في ذلك الزقاق اني بعد انزويت في مكان بعيد لتكملة الفيلم هربا من محمد عباس ومراقب السينما ,وبعد انتهاء الفيلم وقفت على الكرسي كي اصفّق لالتفات عزيز وسعاد عبد الله وهناء محمد وللفنان جمال امين الحسني متحمسا, وجدت من يصفق بحماس اكبر ويصدر من فمه صفير عال ,التفت نحوه وقد اخرس اذني فوجدته محمد عباس محمد . تركت عالم السطوح بعدها وانشغلت مع جمال في فيلم اخربعد عام من بيوت في ذلك الزقاق على ماأظن .اذ وجدت في هذا الفيلم جمال محمد امين الواثق الساحر الذي تطور ادائه ووصل الى حد انك تسير معه وتتحدث معه وتتبنى مواقفه وتحب مايحب .والاغرب من ذلك اني وجدت من يشبه محمد عباس محمد شكلا وفعلا وتصرّفا وأداءاوكان ذلك في جلال كامل والفيلم كان (اللوحة ) اخراج كارلو هارتيون . وأكتملت صورة جمال الادائية في هذا الفيلم وبرز كنجما مهما بالرغم من ان الشخصية التي يؤديها لم تكن بقوة الشخصية التي كان يؤديها الفنان جلال كامل لكنه استطاع ان يقنع المتلقي مثلما اقنع لجنة الانضباط بان زميله شابا خلوقا مجتهدا وأستطاع ان يقلل من عقوبة صديقه التي كان قد يستحقها . ثم امتعني هذا الفتى في فيلم البندول لنفس المخرج وموضوع مشابه لموضوع اللوحة, ثم كانت شخصية (عطية ) التي لعبها في مسلسل (الذئب وعيون المدينة ) فكان ساحرا بأبتسامته وتحركاته وهدوءه الذي لم اعتاد عليه لكنني تابعته بشغف واقتنعت حينها بأن جمال محمد امين ممثلا يتغير اسمه في كل عمل, وهو يعلم بذلك فيصنع للشخصية التي يمثّلها لباسا حجمه حجم تلك الشخصية, ولونه لون جمال ,وان هناك مخرج ووو…وغاب جمال طويلا وبعد اعوام كثيرة عاد في فيلمين أحدهما قصير لصديقي الفنان الرائع (هادي ماهود ) بعنوان (العربانة ) فوجدته, اي جمالا بشكل اخر ,لايبتسم ,لايبكي ,لايضحك ..ماهذا ياجمال ؟ وانتظرت انيتكلم وانتهى الفيلم دون ان ينطق جمال كلمة واحدة ,لكني بثوان قليلة قرأت كل ما أراد جمال ان يقوله فصفقت بحرارة لهادي ولجمال الذي استوعب هادي والعربانة التي كشفت لنا عن المستور من موضوع الفيلم .ثم شاهدت الفيلم الثاني (الكعكة الصفراء ) اخراج الدكتور طارق الجبوري الذي عرف بحنكته الاكاديمية وخبرته الفنية الكبيرة ماذا يسند من شخصية لجمال وكيف يتعامل مع هذا الفنان الذي يندمج مع ما يسند له, وقد تغيب عنه ابتسامته الساحرة لكنه لاينسىانه ممثلا وعليه ان يكون (علييف الجاسوس ) فيتعامل مع كل ثانية يعيشسها امام الكاميرا وأمام كل الكتل الناطقة والصامتة بأنه جاسوسا, والجاسوس في السينما يجب ان يمتلك حرفيات واعية جدا ,ويشغّل حسه المرهف ,يسمع كل شيء ويرى كل شيء ويؤوّل كل شيء, فهو مركز النوّاة ,وكل ماحوله يدور في فلكه ,بل ان عليه انيراقب جميع الشخصيات الاخرى ان شاركته في المشاهد واللقطات الفيلمية وان لم تشاركه لان مفتاح الاشياء والحلول بيده, وعليه انيعي ويعرف اسرار وخفايا كل ما يخص الفيلم .نجح جمال وحصل على جائزة احسن ممثل من مهرجان البرازيل الدولي . قبل هذا وذاك بسنين علمت ان جمالا مخرج سينمائي لافلام قصيرة كثيرة روائية ووثائقية تجاوز عددها المئات ,وعلمت ايضا بأنه قام باخراج اعلاناتتميز فيها كثيرا ..وان جمالا يعتبر ان مهنته الرئيسية هي الاخراج الذي بدأه حينما التقى الفنان الكبير فيصل الياسري في الكويت ورشّحه لأخراج افلام وثائقية عن الزراعة ونجح كثيرا في مهمته هذه ,واخرج برنامج (مسابقات عربية ) وحصل على الجائزة الفضية عام 1997 في مهرجان القاهرة الدولي ,ثم اخرج فيلما وثائقيا طويلا (55) دقيقة عن الملك حسين .تنقل جمال بين العراق والكويت والاردنوالدن مارك ولندن .عمل لشركة بابل وجيكور في العراق افلام وثائقية كثيرة, كما قام باخراج برناج (ساعة بالاسبوع ) .عمل في مسرح الطفل في الكويت كما عمل مصورا محترفا فتمكّن من مهنة الاخراجالتي امتهنها وصنع افلاما روائية قصيرة جلّها في بلاد المهجر تتحدث عن هموم المهاجرين وصراع الحضارات والاختلاف الكبير في القيم والافكار والحرية التي قد توصل المهاجر الى الانتقام من نفسه ومن الاخر ,وهذا مانشاهده واضحا في فيلم (اللقالق ) الذي يهتم بتفسير الافكار وكأنها اتجاهات وطرق متعاكسة وحينما يلتقي الفتى والفتاة في طريق واحد ويحاولان العبور تخترقهما فتاة صغيرة على دراجة فيسقط الفتى جانبا ليخرج ما في جعبته من مفاهيم تصدم الفتاة والمتلقي الذي يخجل من سماعه كونها قد تسكنه هو .معظم افلامهالاخرى كان على هذه الشاكلة وحول هذا الموضوع الكبير ,وحينما تشاهد هذه الافلام ستجد كيف يهتم جمال بتكويناتها من ناحية الحجم واللون والحركة والتعامل مع الممثل ومع جريان الاحداث فتنتهي اغلبها بحدث كأنه صفعة وليس حل لانه يحذّر ولا يميل للشرح كثيرا .لجمال افلام روائية قصيرة مهمة منها (ياسين يغني ,قطع غيار ,فايروس ,نباح ,جبار ,العتمة الابدية ) .تختلط في هذه الفلام معانات المهاجرين بصدق قد يصل الى حد الوثائقية في بعض المشاهد منها .مثّل جمال في فيلم (تحت سماء واحدة ) ايضا ,وفي مسلسل (المسافر ) .وله مساهمات كثيرة كعضو لجنة تحكيم في مهرجان مالمو,ومهرجان الافلام الوثائقية الحسينية في كربلاء ومهرجانات اخرى كثيرة ,وكان يدير المركز الثقافي العراقي في لندن وأقام ورش سينمائية كثيرة ,عضو اتحاد الصحفيين واتحاد المخرجين الدنماركييندرس المونتاج في مدرسة الفيلم في الدنمارك .وهو خريج معهد الفنون الجميلة قسم الاخراج بدأ نشاطه الفني في عمر 13 علام ومازال يعمل على تكملة مشواره مع ابطاله المعذبين المهمشين المعوقين نفسيا وجسديا ,ابطاله الذين تركوا بلدانهم ليبحثوا عن فسحة من الحرية ,ابطاله الذين ما أن يحصلو على فرصتهم هذه حتى تبتدأ معانات اخرى هي الحنين الى الوطن وكيفية العيش مع الثقافات الاخرى ,في افلام جمال الحسني شكلا مبهرا ومضمونا مشتعلا لاينطفيء ابدا بل ينتظر شعلة فيلمية اخرى كي تزيده اشتعالا واشتغالا .

لا تعليقات

اترك رد