يوسف شاهين والتكنيك السينمائي


 
الصدى - نور الشريف

ننتقل الى لندن في بار عملناه في القاهرة الزبائن اي الكومبارس اجانب موسيقى انكليزية .. تبدأ من يدي النادل وهو يعطي كؤوس البيرة الى يحيى وضيف معه انكليزي ويكمل المشهد .. كيف وصل لندن ؟؟؟ هذا تحصيل حاصل في ذهنية المتفرج ان الممثل خرج من بيته وركب سيارة ليصل الى المطار ويقوم بكافة اجراءت السفرثم يصعد الى الطائرة ويصل لندن هذه من كلاسيكيات السينما قد الغيت …فالصورة عند شاهين تتجاوز الزمن العام حيث تخلق زمنها الخاص … تتخطى المكان الذي انبثقت منه لترسم مكانا مختلفا وتقوم بصياغة حقائق لن تعكس مطلقا تلك الحقائق التي يروجها الفهم العام ..فلذلك ان سينما شاهين لا تعيد انتاج الواقع بل تتدخل فيه لترتيب عناصره واشياءه بشكل مختلف وبفكر يتباعد عن المألوف والمعتاد … ان سينمته تمزيق مستمر للمألوف خصوصا اذا كانت الذات المفكرة هي التي تحرك آليات العملية السينمائية هي اصلا منتجة لهذا العمل وهي الراصد لكل المتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية .
شاهين لا يزال عصبي طلب مني سيكارة فاعطيته علبته جلس منتظرا انتهاء مدير التصوير من توزيع اضاءته .
كان مساعدو الاخراج قد كتبوا رسالة ظريفة لكي يخرجوا شاهين من حالته العصبية وهي تجمع كل افلامه التي اخرجها او قام بانتاجها وهذا نصها ..
اخي العزيز ابن النيل
نهنئكم بانتصار صلاح الدين ونأمل لا يزال بينكم صراع في الوادي ولا في الميناء .. وان يطلع عليكم فجر يوم جديد ويغرد العصفور .. نرجو ان نراكم على محطة باب الحديد لانتظار عودة الابن الضال من اسكندرية ليه ولكم الاختيار

وتفضلوا بقبول هذه الحدوتة المصرية
الراسل
بائع الخواتم
3 شارع السقامات المتفرع من شفيقة ومتولي
على ناصية الحرافيش
اعطيته الرسالة وحينما قرأها انفجر ضاحكا ونهض من كرسيه .. وبدأ المساعدون يصفقون له وزالت عصبيته … هذا الرجل العملاق الطفل يملك طيبة تسع العالم كله .
بدأنا التصوير وانتهت اللقطة التي دارت حولها المشاكل وهدم الحائط من أجلها وكان وقتها على الشاشة 41 ثانية …كان هنالك سؤالا يلح اللقطة التي اخذت وقت تنفيذها 6 ساعات لماذا ثار شاهين على مهندس الديكور عندما اقنرح عليه زاوية الكاميرا ؟؟؟ هل ان شاهين لا يسمح لأي شخص ان يتدخل بعمله باعتباره المخرج وهو سيد العمل ؟؟ ام ان هنالك ضرورة مهنية ملحة جعلته يتمسك برأيه ؟ اسئلة متلاحقة لا اعرف لها جوابا … ذهبت قرب فخري الليثي مهندس الديكور لعلي اجد جوابا شافيا !

– استاذ فخري باقتراحك على جو في زاوية التصوير ما العيب فيه ؟ ولماذا ثار جو هذه الثورة غير المبررة ؟
– والله يا خوخة انا غلطان جدا في تدخلي لانه ليس من حقي التدخل في رؤوية المخرج ..وانا قلت اقتراحي من باب الحرص ولكسب الوقت حيث الانتاجية قليلة وسوف نتجاوز الجدول الزمني للتصوير داخل للمحكمة
– هل تعتقد ان ثورته هذه لتدخلك ام هنالك شيء مهني ؟
– والله ما اني عارف
– سوف اسأله
– لا خوخة خلي سؤالك لنهاية اليوم
– انا اريد ان اعرف لا دخل لك بالموضوع… انا جاية اتعلم واعرف …واريد اجوبة لاسئلة تكونت في داخلي .

كنت اعرف او علمونا سواء عندما كنت ادرس في الاكاديمية او عندما كنت مساعدة مخرج مع المخرجين العراقيين ان عدسة الزوم تحل مكان الشاريو اذا تعذر نصب سكة الشاريو اذا كان المكان لا يسع او لآي سبب اخر ..وبصراحة كنت اعرف ان التأثير واحد ولا يوجد ادنى فرق وحينما كان الفنيين يهدمون الحائط لفسح المجال لسكة الشاريو كنت اتسأل لماذا شاهين لا يستعمل عدسة الزوم بدلا من هذا التعب ووجع القلب ان نهدم الحائط ؟؟ طالما نحن نعرف ان تأثير لقطة الزوم مشابه للقطة الشاريو … ونحن نعرف ان عدسة الزوم تركيبة من العدسات المتغيرة باستمرار تسمح بالانتقال من البعد البؤري المنفرج الزاوية الى البعد البؤري القصير في نفس اللحظة … وكنت انتظر اي فرصة لشاهين وحده لكي اسأله عن ذلك !
وجاءت الفرصة في فترة الغذاء.. كان شاهين واقفا يعطي ملاحظات حول الزوايا التي تصور بعد الغذاء وحينما انتهى وانا اسير معه

– جو انا لدي سؤال واحد ريحني فيه .. نحن بدلا من ان نهدم الحائط أليس بالامكان استعمال عدسات الزوم بدلا من وجع القلب والوقت الذي اخذناه في تنفيذ اللقطة ؟
نظر الي طويلا وابتسم
– انا اعرف ان اللقطة اخذت وقت .. انا مش حمار لأعمل كده
– العفو جو بس انا اريد افهم … واحنة تلاميذك
– بعد شوية حنعرف مين منا الحمار

ضحكت وقلت له
– طبعا انا
ضحك بصوت عال
– استني شوية ساشرحك لك كل حاجة وكل ما تريدين معرفته .
تركته وذهبت قرب مبروكة مديرة منزل شاهين التي تجلب غذاء شاهين .. وبعد اعداد الطعام .. شاهين طلبني لكي اتغدى معه وبعد جلوس معه بدا يشرح لي
– بصي ان المخرج السينمائي يجب ان يكون متمكن من ادواته الفنية ولا يكون مصير عمله بيد المصور… حيث كل عدسة لها استخدامها الخاص وكل عدسة لها وظيفة تزيد تلاحمنا العاطفي مع الشخصية اذا احسن المخرج توظيفها بشكل صحيح وضمن المضمون الدرامي المتصاعد والذي يعكسه اداء الشخصيات .. ويكون هنالك توازن في التكوين اي تشكيل العناصر داخل اللقطة الواحدة وبما اني لدي فهم تام ودراسة معمقة لتكنولوجيا التصوير السينمائي.. اما بالنسبة لسؤالك … قد تكون عدسة الزوم ارخص من لقطات الشاريو او الكرين هذه من الناحية الاقتصادية …ولكن عدسات الزوم لها اختصاصات معدودة .. شوفي الفرق بين العدسات وعدسات الزوم …مثلا لقطات الشاريو تعطي احساسا للمشاهد بالدخول او الخروج من المشهد الديكور – الاكسسوار الناس ينسابون من حافات الشاشة وتنفذ الكاميرا الى الفضاء الثلاثي الابعاد وتعطي احساسا بالارتياح …. في حين عدسة الزوم تعمل الى تقصير الاشخاص وتسطيح الفضاء .. حافات الصورة تختفي في جميع جوانبها ويصبح التاثير هو التضخيم المفاجيء..فبدلا ما نحس بدخول المشهد نحس كما لو ان مقطعا صغيرا من المشهد دفع باتجاهنا فهي تقفز الى داخل وخارج المشهد سريعا … فهمت الان ليه هديت الحيطة

– شكرا استاذ
– اسمعي ولكن عدسة الزوم لها فائدة حينما يكون لديك كومبارس قليل فان استخدامك لعدسة الزوم تضغط العدد ويظهر عددهم كبيرا جدا ..
أن من علامات المخرج غير المتمكن من ادواته السينمائية .. استخدامه العشوائي لعدسات الزوم ويلم المشهد سريعا يذهب زوم على اي شيء يراه المصور … في بعض الاحيان وهذا ما ندر استخدم عدسة الزوم ولكن بدقة … استعمل عدسة الزوم عندما يكون في اللقطة هنالك توترا او استرخاء سايكولوجي.. انا شخصيا لا اميل الى استخدام عدسات الزوم ابدا …لان الصورة عندي تشكيل بصري متعدد يلتقي فيه الادراك والوعي والثقافة والجمال والتاريخ … هذا الاطار الجمعي له ابعاد مختلفة وهذا لا يعني تعكس او تكرر الواقع .. بل ان السينما لها علاقة اكثر توترا وجدلية بالواقع ..او ان الصورة تقدم نفسها كواقع او تحل محله … أي ان الواقع الذي يظهر في الصورة هو صياغة جديدة لانتاج ادراك ذاتي للعالم وهذا الادراك هو ادراك المخرج …. فالسينما تجسيد ارادة واختيار …. فهي تعبر عن تداخل ابداعي لاعادة صياغة عناصر الواقع في شكل صور تحكي عن قضية ما …

قام وهو يضحك
– بصي هذا الكلام اخذ عليه مليون دولار بس انت عزيزة علي
تركني وانا انظر اليه التفت الي قائلا
– مين منا الحمار ؟؟؟
اشرت على نفسي يعني انا ..

كم لدينا معلومات مغلوطة ونحن يدرسنا خيرة اساتذة العراق …ولكن الان ربنا يكون في عون الشباب ….لانني تذكرت في 2004 كنت وقتها مديرة قسم الافلام الوثائقية في قناة النهرين جاء لزيارتي دكتور في السينما ويدرس الطلبة في احد الاماكن الفنية التي تخرج الطلبة وسألني سؤال غريب جدا وينم عن عدم فهمه وجهله لآليات السينما فقال لي :
– ايهما احسن نستعمل في السينما الاوبتكل او المكنتك …؟؟؟
استغربت لسؤاله وسألته
– يعني ماذا تقصد بأحسن ؟؟؟
– لكي نقلل الكلفة مو المكنتك ارخص من الاوبتكل ؟؟
– اقولك انت عرفتني بنفسك انك تدرس سينما في الكلية .. كيف تسألني سؤال غبي مثل هذا ؟؟ لانك يجب ان تستعمل الاثنين ولا يمكن الاستغناء عن احدهما … لان شريط المكنتك تنقل عليه الصوت من ربع انج الى شريط 35 ملم والذي هو يسمى مكنتك لكي يركب المونتير الصوت من حوار ومؤثرات وموسيقى في المونتاج على جهاز المفيولا للفيلم …. وبعد انتهاء كل عمليات المونتاج وتتحول جميع الخطوط اي الحوار والموثرات والموسيقى مهما كان عددها الى خط واحد في عملية المكساج .. يتحول هذا الشريط الى شريط ضوئي الذي هو الاوبتكل ويذهب هذا الصوت الى المعمل يحمض ويركب على النكتف وتطبع نسخة الفيلم بوزتف وتراه حينما تمسك اي فيلم سينمائي تجده اسفل الصورة الذي هو هذا الصوت … وقتها كنت عصبية عليه كيف تدرس طلبة وانت لا تعرف اختصاص المكنتك والاوبتكل … يا اخي اقرأ بدلا من اعطاءك معلومات مغلوطة للطلبة حرام عليك .

دخلت الى الاستديو وجدت شاهين جالس قرب سهير البابلي وهو يشرح طبيعة المشاهد التي تؤديها في دور الام … كان شاهين يقول لها اريدك تؤدي الام المغلوبة على امرها … الام الذي سحق المجتمع من فترة العشرينات الى الان مكاسبها وتتزوج في سن من 13 – 16 سنة بدلا من ان تعيش حياة طفولتها وشبابها .. فشاهين يريد من سهير البابلي ان تكون ساحرة ومؤثرة في اداء دورها كأم تؤثر وتأسر المشاهد .. يريدها ان تظهر قدراتها الابداعية في استمالة المشاهد وان تخضع شخصيتها من اجل سبر اغوار جوانب الشخصية … عليها ان تؤكد على حساسية الشخصية واستعلاءها الامومي الذي يقدسه المجتمع .

لا تعليقات

اترك رد