رسم الشخصيات في السينما


 

تحكى القصة ـ عادة ـ عن بعض الأشخاص وأفعالهم، ويهتم بعض الناس “بالأشخاص” ـ أي السمات الشخصية الإنسانية – أكثر، بينما يهتم الآخرون “بأفعالهم” أكثر، أي بأحداثهم.
ويرضى بعض الروائيين عندما يقدمون وصفاً كاملاً لشخصية، في مئات قليلة من صفحات الرواية، ويهتم بُعض منتجي السينما فقط بالحدث، ويفضلون رسم الشخصية، على اعتبار أنها خاصة بعلم النفس. ومع ذلك فكل من العنصرين ضروري لقصة الفيلم السينمائي.
فالحدث وحده لا يوجد، فلابد من شخص يفعل، وهذا الشخص هو الإنسان : ومن ثم فلابّد أن نتعرف على الإنسان لكي نتتبع ونفهم الحدث. “ومن ناحية أخرى، ليس في الإمكان فهم الإنسان دون أن يفعل” فهو يعود إلى الحياة فقط من خلال حدث، حتى ولو كان التفكير المسبق لرسم الشخصية أو الحدث هو مسألة ذوق، فلابد للفيلم السينمائي ألاّ يهمل أو يتجاهل كلا منهما.
وفي الرواية قد يستخدم الكاتب سمات شخصيات الناس الذين يعرفهم، أو يخترع سمات شخصية جديدة . وهذه السمات الشخصية المخترعة، تكون عادة غير واقعية. ولمنع حدوث ذلك، يحتاج الكاتب إلى فهم عميق للطبيعة الإنسانية، فهو يحتاج إلى المعرفة السيكولوجية.
ومع أنّ سلوك الإنسان يبدو من الصعب التنبؤ به، فهو ليس طارئاًُ أبداً، وبناء الشخصية الإنسانية مزيج من عوامل عديدة، لذلك فهو نادراً ما يكون بسيطاً وواضحاً، ولكن على الرغم من تعقيداته، التي تجعله أحياناً غير منطقي، فهو مع ذلك مترابط. فالإنسان يفعل أو يستجيب تبعاً لأسباب معينة، وبطريقة خاصة، وليس هذه الأنماط دائماً واضحة، ولكونها عملية عقلية معقدة، فهي دائماً تكون مثيرة للدهشة
وقد أصبح رسم الشخصيات مهمة صعبة جداً، ويتطلب دراسة سمات الشخصية بكل جوانبها. كما يجب فَهَم الاختلاف بين رسم الشخصية والخواص الشخصية: فرسم الشخصية هو كل الحقائق حول إنسان، وتكوين الشخصية هي إحدى هذه الحقائق فقط، والسمات الشخصية هي العوامل الوحيدة، التي تتكون منها أية شخصية.
فلكي نفهم إنساناً، ينبغي أن نعرف حقائق كافية عنه، ولذلك فبعد أن يصبح رسم الشخصية كاملاً في ذهن السينمائي يجب أن يعرض حقائقها للمتفرج. فهناك حقائق محددة لرسم الشخصية ينبغي معرفتها من أجل دفعها من حالة الغموض، وقد نسميها الحقائق الإجبارية. وفي الواقع فإن معظم الشخصيات التي تبدو مفتقرة للحياة، يكون ضعفها نتيجة حذف حقيقة من الحقائق الإجبارية، أو غيرها .
وعلى الرغم من عجز الفيلم السينمائي عن وصف معالم الشخصية، فهو في إمكانه تقديم الأفعال عند العرض الدرامي لهذه الشخصية. ونتيجة لاتصال الشخصية والحدث بشكل متكامل، فإن المتفرج يستطيع أن يستنتج من الحدث، بُعد الشخصية التي يحددها.
وعند الحديث عن الحدث، فلا يجب قصر النفس على المعنى الضيق “لعمل شئ ما”، ذلك أن التفكير والإحساس أو الأحداث الناطقة، مساوية لأحداث أخرى، مثل السّرقة والشّجار أو النوم، وبهذا المعنى يصبح الحوار أكثر تعبيراً عن الشخصية، لأن الكلام بطريقة معينة يكشف عما يحبه، أو لا يحبه شخص ما.
وأكثر من ذلك، فلكي يُستنبط بُعد الشخصية التي حددها الحدث، فليس من الضروري رؤية الحدث أثناء حدوثه، فيكفي عرض نتيجة حدث ما، أو النية في حدوثه، بحيث يفتح ذلك مجالا متسعاً لإمكانات الكشف عن الشخصية. وكم من كاتب تجبره احتياجات القصة، على توزيع أحداثها ـ دون تخطيط ـ على شخصيات مختلفة، متجاهلاً حقيقة أن كل حدث يكشف عن جانب من الشخصية. ومن الأحداث المختلفة المنسوبة للشخص نفسه، يمكن أن نكتشف شخصية مستحيلة الوجود. ومع ذلك يمكن للكاتب الجيد أن يحقق لهذه الشخصية قدرة التعبير والإفصاح عن نفسها، من خلال الأحداث المختلفة.
ولأن رسم الشخصية يتكون من حقائق عديدة، فيجب على الكاتب أن يحدد كل حقيقة بطريقة تجعلها في وحدة كاملة، وعندما يختار بعضها، فإن البقية، التي عليه أن يخترعها، يجب أن تتناسب معها.
كما يؤخذ في الاعتبار التفاعل المشترك، بين رسم الشخصية والحدث. فالحدث يعرض الشخصية ولكن ما أن يتم بناؤها، فإنها تحدد كل الأحداث القادمة، فلا يستطيع الكاتب أن يخترع مقومات الشخصية وأحداث القصة كل على حدة، وإذا أضطر لعمل ذلك فقد يختار لبطله أكثر مقومات الشخصية تعاطفاً، دون أن يدرك أن الأحداث التي يؤديها البطل تجعله يبدو غير شريف، أو غبياً. بل خلاف ذلك، عندما يهتم الكاتب بالكشف عن جوانب معينه للشخصية، فعليه أن يبحث عن حبكة مناسبة. فإذا كان اهتمامه الأول هو سلسلة من الأحداث، فعليه أن يفكر جيداً في الجوانب الشخصية، بحيث تناسب الحدث، وإلاّ فقد يصبح الأمر مختلفاً عمّا كان يقصد.
ومن ناحية أخرى، يجب على الكاتب أن يختار الرسم الصحيح للشخصية، وبذلك يستغل بأفضل طريقة ممكنة المواقف التي يعدها. وما أن يجري اختيار الشخصيات الرئيسية، حتى تُحدد طبيعة القصة ككل.
ومن أهم القضايا، كيفية اختيار الطريقة التي تُبث بها كل المعلومات، التي تتعلق برسم الشخصيات المختلفة إلى المتفرج، بحيث يحتوى كل توصيف للشخصية، على حقائق يجب عرضها، ويستغرق هذا العرض وقتاً ومساحة. وهذا هو السبب في ميل كثير من المنتجين والكتاب إلى إهمال “الدراسات السيكولوجية”، مدعين أنها تعوق تقدم القصة، وتجعل الفيلم بطيئاً وساكناً، ومع ذلك فهناك طرق ووسائل يمكن عن طريقها الخروج من هذه الورطة.
وإذا كان لابد من عرض كل حقائق توصيف الشخصية، فإنها، في الواقع، سوف تُبطئ من حركة الفيلم. وبدلاً من ذلك يمكن توزيع هذا العرض على القصة بأكملها، بإضافة المعلومة حيث تكون مناسبة أو معقولة، ولذلك يُفضل الحديث عن “كمال توصيف الشخصية”، من خلال عملية متدرجة ومستمرة.
وهناك ميزة أخرى لاكتمال توصيف الشخصية، ذلك أن الإضافة المستمرة بالمعلومات المستمرة الجديدة عن شخص ما، تُمسك طول الوقت باهتمام المتفرج. ويمكن مقارنة ذلك بعمل الرسام، الذي يبدأ بتخطيط أولى للصورة، ثم إضافة مزيد ومزيد من التفاصيل، إلى أن يبدو الوجه أشبه بالحياة.
ولا يهم أن تكون الطريقة التي تُختار هي الأكثر إغراء لقصة معينة، بل المُهم أن يُرى من خلالها أن السمات الشخصية مكتملة إلى النهاية. وهذا يعنى أنه قد عُرضت كل العوامل، وللأسف فإن كثيراً من الأفلام تتوقف بعد عرض الحقائق الأولية، مثل الجنس والسن والوظيفة، وتكون النتيجة محزنة ويصبح الفيلم كئيباً ومسطحاً، وتضعف كل المواقف المهمة، تاركة كلاً من الحبكة والحدث مائعين، لأن المتفرج لا يهتم بالنمط، بل بالفرد.

لا تعليقات

اترك رد