المؤسسة والانتهاك – ج5 … الدعم المؤسساتي للفن


 

إن الأشياء الجاهزة أو Ready made حسب تعبير مارسيل دوشان Marcel Duchamp (1987-1968)، تصبح أعمالا فنية مادام أن المؤسسة الفنية قبلتها، وهي “بذلك تؤكد على إزاحة المعايير وتلاشيها، ولم يعد يتوقف الاعتراف بالعمل الفني بناء على صفاته الخاصة بل على الوسط الفني الذي يقرر ما إذا كان عمل ما فنيا أم لا”. (مارك جيمنيز). حينما نتحدث عن الوسط الفني فإنما نقصد بداهة، الوسط الذي يملك السلطة والسيطرة والهيمنة بشتى أنواعها، الاقتصادية والسياسية والثقافية… أي ما أسماه محمد عابد الجابري “المركزية الأوروبية”، وبما أننا بصدد الحديث عن فن معاصر وافد علينا، فطبيعي أن تكون المؤسسة المتحكمة في أمور هذا الفن منتمية إلى تلك المركزية الأوروبية وليس لغيرها. ولا يخفى على أحد أن هذه المركزية هي التي تتحكم في كل شيء، في ثقافتنا وفكرنا وتعليمنا وفننا واقتصادنا. فهي إطارنا المرجعي الأساسي الذي نعتمده في تفكيرنا المعاصر. فالفنان لا يكون فنانا حقيقيا إلا بعدما يحصل على صك الاعتراف من الغرب. وهذا الغرب هو الذي يسير مؤسساتنا الفنية الرسمية في المغرب وفي العالم العربي عامة، فمتاحفنا من ورائها ثلة من الغربيين يتحكمون في الدمى التي تلعب على خشبة مسارحها، يستدعون الفنانين وينظمون المعارض ويسيرون العمليات التجارية والمضاربات والمزادات ويمنحون “البطاقات”. والنتيجة الحاصلة أننا نجد أنفسنا “أمام اختيار محصور: إما أن نتعامل مع واقعنا بالمفاهيم الغربية كما هي ونسقطها كقوالب جاهزة، وهذا أصبح الآن مرفوضا (لكنه هو السائد في ثقافتنا وفنوننا)، وإما أن نتعامل معه فقط بمفاهيم تراثية وهذا اجترار وتكرار، وإما أن نبدع عالما آخر من المفاهيم وهذا ما لم نصل إليه حتى الآن، تبقى الاستفادة من منجزات الفكر المعاصر ومحاولة تبيئها وتكييفها والسيطرة عليها بدل الوقوع تحت سيطرتها.”(1) (ما بين القوسين ليس للجابري)

يتحدث الجابري هنا عن المفكر العربي بصفة عامة، ومنه الفنان التشكيلي، الذي بدوره وجد نفسه أمام نفس الاختيار. فمن الفنانين من أسقط واقعه الفني في قوالب جاهزة أصبحت مرفوضة، لكنها سائدة ويلقى دعما مؤسساتيا كبيرا، ومنهم من تعامل مع الواقع الفني برؤية تراثية، ثنائية المرجع، كالحركة الحروفية واللوحة

المحملية وحاملي شعار الحداثة الفنية التي ظهرت في ستينيات القرن الماضي. فالكل تعامل مع هذا الواقع انطلاقا من التراث العربي/الإسلامي، والتراث الأمازيغي -بالمغرب العربي – كمضمون، والتراث الأوروبي (اللوحة التجريدية) كشكل، وهذا ما ترفضه الحداثة نفسها. فالفنان العربي الحداثوي بقي متشبثا بالماضي والتراث، بينما الحداثة الغربية ثارت على ماضيها الفني وعلى تراثها مشكلة قطيعة جذرية وشاملة مع الموروث التاريخي. وبأخذه تراثه (الخط والرموز والعلامات) كمرجع، نجده ضيق على المتلقي مساحة القراءة والتأويل ووجهه نحو قراءة معينة، صاغ هو مفاتيحها، وربط نفسه تاريخيا وحضاريا بألف بائها، ومن تم تكون اللوحة التجريدية “العربية” أقل تجريدية من اللوحة الغربية، التي باتت تيماتها تنبع من “العالم المستقل” للفن، عالم الألوان والأشكال الصافية، والفضاء المتناغم، الخاضع لذاتية الفنان وروحانيته، محققة نوعا من “التجريدية الصافية” حسب تعبير فاسيلي كاندنسكي (*).

بقيت الفئة الثالثة التي لم تفلح في تحقيق أهداف مشروعها إلى اليوم، لأنها لم تتوصل إلى إبداع ما يمكن إضافته إلى تاريخ الإنسانية الفني، والتوصل إلى منافسة الند المهيمن والمسيطر، ومن تم يمكننا الحديث عن وصول إبداعنا الفني إلى العالمية.

إن مخيالنا الاجتماعي والفكري والثقافي مرتبط بأوروبا “لأن زمنها الثقافي المعاصر يفرض علينا نفسه في كافة المجالات فيضايق بل يمزق فينا زمننا الثقافي الخاص بنا، زمننا الراكد الممتد”(2). وحينما نتحدث عن أوروبا إنما نقصد فرنسا التي تشدنا إليها روابط تاريخية، تفوق الزمان والمكان، (القرب الجغرافي والاستعمار والهجرة وغير ذلك). وحينما ينشط بعض الفنانين على أراضيها، يتكون لديهم اعتقاد مع أنفسهم، أنهم وصلوا إلى العالمية وأصبحوا فنانين عالميين ساهموا بالجديد. ويدعم اليوتوبيا التي تغشي أبصارهم أولئك “النقاد المأجورون” والصحافيون الذين يسعون وراء الاسترزاق على حساب أخلاق مهنتهم. والغريب أن المؤسسات الرسمية المحلية ترفع من شأن هذا النوع من الفنانين لسبب واحد أنه حصل على صك الاعتراف من جهات فرنسية، غالبا ما تكون أنشطتها محدودة إن لم تكن مجهولة بالمرة. وما يؤسف له أن الفنان التشكيلي لا يهمه إعجاب الجمهور المحلي به وتعليقاته ونقده بقدر ما يهمه أن يضيف لسيرته كونه نظم معرضا بباريس أو ليون أو لشبونة. وهذا يعني فقدان الثقة في النفس وفيما هو منكب عليه صباح مساء من عمل إبداعي. والحقيقة أن الفنان وحده لا يتحمل

مسؤولية الوضع المتمزق الشديد الاغتراب الذي يعيشه. فهذا الوضع مرده إلى غياب فحص نقدي على التراث والفكر الأوروبي معا، وإذا تم هذا النوع من الفحص فسيتحقق التحرر من الآخر ونصل إلى تحقيق مشروع الاستقلال التاريخي لذواتنا.

إن المؤسسة أصبح لها دور خطير في عمليات النشر والتلميع والاستهجان وتحديد ماهية العمل الفني، وبالتالي أصبحت تحدد من هو الفنان دون اعتبار أي معيار فني أو جمالي أو اعتماد أي تجربة جمالية كمرجع يثبت أصالة المنجز. وغالبا ما تسند المؤسسة مهمتها هذه إلى شخص تثق به، تحمله مسؤولية الاختيار. وهذا ما أصبح يطلق عليه “البطاقة البيضاء”، Carte blanche التي تخول لحاملها حرية التصرف، بحيث يمكنه استدعاء من شاء وعرض ما يشاء. وهنا يجب التأكيد على أن ذلك الشخص هو نفسه ما زال في حاجة إلى من يعترف بوجوده كفنان، إذ أن دوره كوسيط أو مستشار فني لم يصدر بناء على اختيار موضوعي، بل لكونه تربطه صلات مختلفة مع المسؤول الأول عن المؤسسة التي تكفلت به.

هذه الحال التي نعيشها تؤثر كثيرا على إشكالية الاعتراف، بحيث أن عددا كبيرا من الفنانين ، قدامى ومحدثين، تألقوا في سماء الفن ببلدانهم، مجاملة وليس اعترافا موضوعيا بمنجزاتهم. وهذا الوضع السلبي ينعكس على نشاطات المؤسسات الفنية الوطنية إذ هي بدورها أصبحت مطالبة بالإدلاء بصكوك الاعتراف التي حصلت عليها من طرف المؤسسات الفنية الأجنبية الراعية لها، وإلا سيكون نشاطها غير معتبر، ووجودها آفل للسقوط. وخير مثال على ما أقول العمود الكهربائي الذي تفرد المتحف وحده بعرضه وقبوله كأثر فني.

أتساءل: هل سيلقي العمود نفس الاعتراف المؤسساتي خارج المغرب؟

بالنسبة للشيء موضوع حديثنا، العمود الكهربائي، تبقى مؤسسة متحف الفن الحديث والمعاصر بالرباط هي الوحيدة التي تبنته معتبرة إياه عملا فنيا. ترى هل بإمكانها أن تتقاسم اختيارها هذا مع مؤسسات فنية أخرى، داخل المغرب أو خارجه؟ كيف ستكون ردود فعل القيمين على بينالات عالمية كالبندقية أو طوكيو أو دبي أو ساو باولو، إذا رشح المغرب هذا العمود لتمثيله والمشاركة به؟ بأي وسيلة سيتوصل القيمون على الثقافة والفن عندنا إلى إقناع الآخرين، الذين باتت بيدهم “لعبة الفن المعاصر”؟

في المغرب أصبحت لدينا مؤسسة رسمية تمنح تلك البطاقات البيضاء لمن تريد وتراه مؤهلا لها، ولكنها مؤسسة أحادية التصرف في اتخاذ القرار، في غياب أهل “عالم الفن”.

أين نحن من عالم الفن وأهله، في غياب كل أولئك الذين ذكرناهم آنفا؟ وهذا الغياب هو سبب الأزمة التي تتخبط فيها التجربة التشكيلية المغربية، ومن يعتقد أن هذه التجربة بخير وأنها تحقق تطورا وتقدما كبيرين فإنما يطلق أحكامه من خلال تقييم كمي وليس كيفي. فهو لا يتناول التجربة بنظرة موضوعية وبعين ناقدة، لدرجة أصبحنا نتقبل أي شيء يعرض أمام أعيننا ونعتبره فنا أصيلا ولو كان هذا الشيء قذارة.

هوامش:
* فاسيلي كاندينسكي) 1866 – 1944) من أشهر فناني القرن العشرين، اكتشافاته في مجال الفن التجريدي جعلته واحدا من أهم المبتكرين والمجددين في الفن الحديث. في كلتا الحالتين، كفنان وباحث نظري لعب دوراً محورياً ومهماً جدا في تطور الفن التجريدي. (ويكيبيديا)
1- مارك جيمنيز-الجمالية المعاصرة، الاتجاهات والرهانات، ترجمة وتقديم د. كمال منير، منشورات ضفاف بيروت، 2012
2- محمد عابد الجابري-التراث والحداثة، دراسات…ومناقشات، مركز دراسات الوحدة العربية، ط. الأولى، بيروت 1991.
3- نفس المصدر.

لا تعليقات

اترك رد