مسامير آب


 

بانقضاء شهر الثورات و الإنقلابات و التظاهرات شهر تموز الذي يجفف الماء في الكوز و يقطع الكهرباء من الفيوز ندخل شهراً جديداً من شهور الله هو شهر آب اللهاب الذي يحرق المسمار في الباب بتعبير أهلنا و ما أكثر المسامير التي أذابها هذا الشهر ، لعل أشهرها مسمار يوم الثامن من آب 1988 الذي دقه العراقيون في نعش الحرب فطاب للكثيرين منا تسميته بيوم ( ثمانية ثمانية ثمانية و ثمانين ) مترنمين بموسيقى تكراره و كأن القدر أراد أن يعزف مارشاً عسكرياً على هذا الإيقاع الجميل الذي أعاد الزوج لزوجته و الأب لأولاده و الإبن لأبويه و الشهيد لربه . و كان العراق يأمل أن يكون هذا اليوم بداية لعصر تضامن عربي جديد بعد إيقاف مشروع أيران بخروجها خاسرة من الحرب لكن دوام الحال من المحال فكيف يُسمح لنا أن ننهض من الحرب لنعيد بناء أنفسنا ؟ لم يرق الأمر للبعض من شيوخ النفط فبدأ اللعب بالنار و من يمتلك النفط عليه أن يحذر من اللعب بالنار لأن إطفاءها لن يكون هيناً ، تخفيض الكويت و الإمارات أسعار النفط من خلال إغراق السوق العالمية بها و الحفر المائل لسرقة الحقول العراقية من قبل الجانب الكويتي عام 1990 بقصد استفزاز العراق و غيرها من الممارسات اعتبرها العراق الخارج لتوه منهكاً من حرب الثماني سنوات شكلاً من أشكال الحرب ضده في وقت كان ينتظر رد الجميل فالمشروع التوسعي الإيراني كان يمكن ينفذ منذ 1979 ضد جيرانه العرب لولا تضحيات العراقيين ، الآن وقد أصبح العراق في جيب الجُبّة الإيرانية بدأنا نسمع أصداء هذا المشروع حتى داخل البرلمان الكويتي بعد أن نجح الأيرانيون بنشره في البحرين و اليمن و غيرها و لن تنجو منه الكويت لاحقاً بغياب عراق قوي .

بعد أن استُنفذت كل المساعي الدبلوماسية لإيقاف الحرب الإقتصادية ضد العراق كان لابد من مسمار جديد ففي مثل هذه الايام من عام 1990 دخلت القوات العراقية الكويت يوم الثاني من آب اللهاب . موضوع اللعب بالنار فوق آبار النفط تكرر عام 2003 ولسنا هنا في معرض النظر إلى الماضي بقدر رغبتنا بأن تستوعب دول المنطقة جميعاً دروسه كي لا تتكرر الأخطاء مستقبلاً فهل سنفعل ؟

اليوم و بعد 28 سنة على مسمار 2 آب و 15 عاماً على الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 تستجيب المملكة العربية السعودية لطلب الولايات المتحدة الأمريكية برفع إنتاج النفط من أجل تعويض النقص الحاصل في الإنتاج الإيراني نتيجة الحصار الأمريكي فهل يصب ذلك حقا في مصلحة العرب ، بمعنى آخر هل يمكن الركون للولايات المتحدة و اعتبارها حليفا استراتيجيا في مواجهة أيران إن كانت تريد مواجهتها حقاً ؟

الكأس الذي سقته الكويت و الإمارات للعراق وأدى لدخول الجيش العراقي الكويت و انتهاء العرب الى ما انتهوا اليه اليوم هو الكأس الذي تشرب منه ايران اليوم . لا يخفى طبعا : إذا صحت التوقعات بتغيير نظام ايران ( الإسلامي ) بآخر ( إسلامي أيضا ) ألا يمكن أن تخترع الدوائر الأمريكية سبباً لحصار المملكة و تطلب من النظام الجديد الذي استقدمته ألى أيران اغراق السوق بالنفط لاستبدال النظام السعودي ( الإسلامي ) بآخر ( إسلامي ايضا ) مثلما فعلت مع غيرها ؟

النداء الذي لا تريد دول المنطقة سماعه أن مصالح دول المنطقة تقتضي حلولاً إقليمية لا تتدخل فيها ألولايات المتحدة فما حك جلدك مثل ظفرك ، نظرة سريعة لسلسلة المآسي التي تمر بها شعوب المنطقة تدل على أن الولايات المتحدة يمكن أن تكون حليفاً ستراتيجياً لمصالحها فقط ، لا للعرب و لا لأيران و لا لغيرهم ، إيران ساعدت الولايات المتحدة على احتلال العراق على أمل تطوير مشروعها التوسعي إنطلاقاً من العراق لكن جائزتها في العراق بل ومشروعها برمته بات على كف عفريت فما الذي يجعلنا نظن أن الولايات المتحدة تنظر إلى العرب بعين مختلفة عن العين التي تنظر بها لإيران ؟

في كل الأحداث التي شهدتها المنطقة في العقود الماضية كانت دول المنطقة تتسابق لكسب ود الفالكون الأمريكي المحلق في سماواتنا و هو ينقض على جيرانها و النتيجة أنها تكون الهدف التالي لهجماته .

إيران ، بدل التهديد و الوعيد عليها التخلي عن مشروعها التوسعي في المنطقة و التصالح مع شعبها و مع جيرانها العرب إذ لم يعد لها أمل في استمراره و عليها إثبات ذلك لجيرانها العرب ، لكن هذا لن يحدث على الأرجح

و دول الخليج العربي عليها أن لا تنقاد إلى آخر المديات خلف الجنون الأمريكي و هذا أيضاً لن يحدث على الأرجح .
آب على الأبواب . أبعدوا ترامب وسيكاره المشتعل عن حقولنا و إلا فإن المسمار القادم سيكون ( خازوقاً دق بأسفلنا .. من شرم الشيخ إلى سعسع )

لا تعليقات

اترك رد