هل بالفعل تشن الصين حرب باردة هادئة ضد واشنطن ؟

 

هذا العنوان هو تحذير من الاستخبارات الأميركية ( سي آي إيه ) في 20/7/2018 خلال منتدى أسبن الأمني في كولورادو من أن الصين تشن حرب باردة هادئة ضد واشنطن ومصالحها، وأنها تريد أن تحل محل أميركا كقوة تقود العالم، ولكن هذه الحرب الباردة لا تشبه تلك الحرب الباردة التي شهدناها بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي لكنها حرب باردة حسب تعريف بكين.

تتهم واشنطن الحكومة الشيوعية الحالية والتي تعمل بمهارة وهدوء تحت قيادة شي جينبينغ على عدة جبهات من أجل تقويض الولايات المتحدة بطرق مختلفة تختلف عن الأنشطة الواضحة المعلن عنها التي تقوم بها روسيا.

كانت آسيا تمثل عام 1750 ثلاثة أخماس سكان العالم، وكانت تدير ثلاثة أخماس الناتج العالمي، وكانت الصين القوة العظمى، انخفضت هذه النسبة عام 1900 بعد الثورة الصناعية في أوربا وأمريكا إلى خمس الناتج العالمي، ويتوقع أن تعود آسيا في عام 2040 بقيادة الصين والهند إلى حصتها التاريخية، من حصة تتراوح ما بين 35 – 40 في المائة من إجمالي الناتج العالمي عام 2017، الصين بمفردها تمثل نحو 11 في المائة من إجمالي الناتج المحلي العالمي مرتفعة من 3.7 في المائة من إجمالي الناتج العالمي، بينما نسبة مساهمة إجمالي الناتج الأمريكي يمثل نحو 24.4 في المائة منخفضا من 30 في المائة في بداية القرن الجديد، ومن أكثر من نصف إجمالي الناتج العالمي بعد الحرب العالمية الثانية، وكان إنتاج الصين في عام 2000 تريليون دولار بينما ناتج الولايات المتحدة 10 تريليونات دولار، وكان ناتج الولايات المتحدة يمثل 61 في المائة من إجمالي مجموعة العشرين عام 2000 وهي تسيطر على نحو 90 في المائة من اقتصاد العالم انخفض مساهمة الولايات المتحدة إلى 42 في المائة من إجمالي ناتج المجموعة عام 2010.

منذ الأزمة المالية في عام 2008 هناك جدلا واسعا حول مستقبل القوة الأميركية على المدى الطويل، خصوصا وأن الولايات المتحدة اكتشفت أن تكاليف الحرب على الإرهاب بلغت 900 مليار دولار بجانب إنفاق 700 مليار دولار على الدفاع وهي تمثل 44 في المائة من الإنفاق الدولي على الدفاع، وقد كشفت تحقيقات قامت بها الواشنطن بوست في 2010 التي استمرت على مدى عامين على الكثير من عالم مواز تماما أمريكا السرية للغاية بوجود ما يقرب من 1271 منظمة حكومية و 1931 شركة خاصة تعمل على البرامج المتعلقة بمكافحة الإرهاب والأمن الداخلي والاستخبارات فيما يقرب من ألف موقع داخل الولايات المتحدة.

لذلك كانت قراءة السعودية للواقع الأمريكي نيتها في تخفيض تلك التكاليف الباهظة دقيقة، فأعلنت عن تكفلها بتشكيل الجيش الإسلامي لمحاربة الإرهاب، عندها استجابت لهذا التشكيل من أجل وقف النفقات على محاربة الإرهاب فبادرت الولايات المتحدة فورا إلى الإعلان عن مرحلة ما بعد داعش وهو ما يمثل ضربة قاضية لإيران التي كانت تلعب بتلك الورقة.

منذ تشكيل التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب أصبح للسعودية مكانة بارزة عالميا ومن الضروري أن تحل محل إيران التي شاركت الولايات المتحدة في صنع الإرهاب واستخدامه ورقة لتحقيق مصالحهما، ما يهم الولايات المتحدة أن تلك المرحلة الباهظة التكاليف انتهت، وبذلك ستحل السعودية كدولة محورية مهمة في محاربة الإرهاب ليس فقط في المنطقة بل وفي العالم وخصوصا داخل الولايات المتحدة وداخل أوربا، خصوصا وأن تشكيل التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب تزامن مع اتخاذ السعودية قرار في مواجهة التشدد الديني داخل السعودية ومنع تصديره إلى الخارج.

ما جعل الولايات المتحدة تنسحب من الاتفاق النووي الإيراني الذي وقعته مع الدول الغربية والذي اتخذته ذريعة لممارسة الإرهاب عبر وكلائها ومليشياتها في المنطقة العربية، مما جعل الولايات المتحدة تتجه نحو فرض عقوبات خانقة على إيران كي تتوقف عن تصدير الإرهاب وتعديل سلوكها بما يتوافق مع الاستراتيجية الأميركية الجديدة لتخفيض الإنفاق على الإرهاب.

كانت الأزمة المالية عام 2008 هي الأشد منذ أزمة عام 1929 لكن الأخيرة هددت النظام العالمي، وأثبتت أن هناك اقتصادات أسيوية ناهضة فاضطرت الدول الثماني إلى تفعيل قمة مجموعة العشرين التي تأسست عام 1999.

أصبحت الصين اليوم الشريك التجاري الأكبر للقارة الأفريقية وافتتحت أولى قواعدها العسكرية في القارة عام 2017 في جيبوتي بمنطقة القرن الأفريقي التي دشنت في يوليو 2018 منطقة تجارة حرة مدعومة من الصين يقال إنها الأكبر في أفريقيا.

تفوقت الصين على الولايات المتحدة في مبيعات الأسلحة للقارة الأفريقية، ما جعلها تستضيف الصين أول منتدى صيني – أفريقي دفاعي، بجانب أن الصين تتوسع عسكريا وأنشأت مواقع عسكرية على جزر في بحر الصين الجنوبي.

لذلك يقوم الرئيس الصيني بزيارة إلى أفريقيا استهلها بالسنغال تليها راوندي قبيل الاشتراك في قمة مجموعة البريكس للاقتصادات الناشئة في جنوب أفريقيا التي بدأت في 25/ 7/ 2018 وستستكمل الصين اندفاعها نحو القارة السمراء وستنظم مؤتمر التعاون الصيني الأفريقي في سبتمبر 2018 الذي سيجمع تحت مظلته رؤساء عشرات الدول، التي تسلط الضوء على مبادرة طريق الحرير الجديد، الهادفة إلى ربط بكين بأفريقيا وأوربا وأجزاء أخرى من آسيا عبر شبكة من الموانئ وسكك الحديد ومصانع الطاقة، والمناطق الاقتصادية.

بدأت أمريكا تحذر الدول الأفريقية من الديون الصينية فمثلا ارتفع الدين العام في دول شبه الصحراء الأفريقية الوسطى ارتفع من 34 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2013 إلى ما يقدر ب53 في المائة في عام 2017، حتى أن نائب المدير المساعد لمركز شرق آسيا التابع للاستخبارات المركزية في منتدى آسبن مايكل كولينز أوضح بأنه يرى ما يحدث يشبه حالة إقليم القرم ولكن في الشرق، في إشارة إلى ضم روسيا شبه جزيرة القرم التابعة لأوكرانيا، رغم أن الولايات المتحدة تحتاج إلى مساعدة الصين في إنهاء المواجهة النووية مع كوريا الشمالية.

لكن كريستوفر راي مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي في 18/7/2018 أوضح إلى أن مكتب التحقيقات الفيدرالي أجرى تحقيقات عن تجسس اقتصادي في الولايات المتحدة الخمسين واتضح تورط الصين بالأمر، وأن حجم تورطها ونطاقه وأهميته أمر لا يمكن التقليل من شانه.

لذلك تشتبك الصين والولايات المتحدة في أحدث نزاعاتهما التجارية، بات معظم الاقتصاديين يسلمون بتحقق السيادة الاقتصادية العالمية للصين على المدى الطويل، فسكان الصين أربعة أضعاف سكان الولايات المتحدة، لكن اقتصاد الولايات ضعف اقتصاد الصين، ما يعني أن نصيب الفرد في الصين 1/8 نصيب الفرد في الولايات المتحدة، خصوصا وأن ال100 سنة المقبلة هناك تساؤل عن من يتولى زمام الإنتاج هل هم عمال الصين كما كان في الفترة الماضية من أجل تحقيق الرفاهية في الغرب بأن تصبح الروبورتات والذكاء الاصطناعي المحرك القوي للإنتاج الذي يمكن أن يتحول إلى عبء وعائق بالنسبة للصين أكثر منه ميزة في التصنيع الذي تمتعت به الصين خلال العقود الماضية، لأن السبق في مجال التكنولوجيا سيكون أكثر أهمية، وهو ما ينقض نظرية أو تنبؤ من احتمالية تبوء الصين مكانة الولايات المتحدة بصفتها القوة المهيمنة في العالم.

فإذا كان هناك قلق في الغرب من مستقبل العمل، لكن الصين ستعاني مشكلة أكبر وقلق أكبر أي أن النموذج الصيني سيعاني مشكلة أكبر من النموذج الأمريكي إلى جانب أن الصين ستعاني مشكلة إضافية في كيفية مد امتيازها كقوة تصديرية عظمى على عصر الآلات، خصوصا في ظل هجوم الآلة على وظائف قطاع الخدمات وهو القطاع حتى الآن الذي لديه قابلية في توفير وظائف جديدة على عكس القطاعات الأخرى مثل القطاع الصناعي الذي حلت الآلة منذ فترة طويلة محل اليد العاملة، فهناك الأطباء الروبوت، والمستشارون الماليون الروبوت، والمحامون الذين لا يمثلون سوى قمة الجليد في هذا الهجوم على اليد العاملة.

لذلك نلاحظ أن الصين تود أن تسابق الزمن ومن أجل أن تتجاوز تلك العقبة اتجهت نحو التركيز على الهيمنة الجيوسياسية والإسراع في تنفيذ مبادرة طريق الحرير الذي يعبر القارات القديمة إلى أفريقيا وأوربا وآسيا للتغلب على هذه المشكلة التي تعاني منها الصين وهو ما يقلق الولايات المتحدة في أن الصين بدأت تسابق الولايات المتحدة عبر الهيمنة الجيوسياسية الجغرافية.

هناك جانب مهم وهو أن الصين سبق وأن أثبتت للغرب خلال العقود الماضية بأنها اتبعت نهجها الخاص الذي يعتمد الأنظمة المركزية وأثبتت أنها قادرة على دفع التنمية إلى آفاق أبعد وبوتيرة أسرع، ولن تترك الصين عصر الآلة المقبل أن يغير قواعد اللعبة في معركة الصراع على الهيمنة بعدما احتاطت بالهيمنة الجيوسياسية الجغرافية.

المقال السابق” شكال البهلول ” !!
المقال التالىمسامير آب
د عبد الحفيظ عبد الرحيم محبوب أستاذ الجغرافيا السياسية والاقتصادية العمل الحالي : قسم الجغرافيا بكلية العلوم الاجتماعية بجامعة أم القرى بمكة الخبرات العلمية : - رئيس قسم العلوم الاجتماعية من 1413-1419 بمكة المكرمة - رئيس قسم العلوم الاجتماعية من 1420- 1427 - رئيس لجنة اختيار مكة ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد