قبس من نور


 

ها هي في وسط الزحام تطارد الضجر .و هاهي في أزقة الوحدة تلتمس نورا قد يقذفه القدر في الصدر
هاهي على غير عادتها تخطو خطوة نحو أمواج البحر تحدق في قوة الطبيعة الساحقة تلاطفها في صمت غير معهود غير بالية بالكثرة المميتة ولا بالوحدة المقيتة تتقاذفها الأمواج…
وهاهي في صراعها تحول أسهم الموج الموجهة إليها إلى أبنية مرصوصة فتصيرها قصورا ليس لها ما يماثلها مع ما تصنعه يد البشر …إنها قصور بلا أبواب ..بلا جدران … ولا أسيجة …قصور قد شيدت على شاكلة أبنية لا خارطة لها ولا جغرافية تحددهاّ.. أبنية تقاوم المتحرك من الرمال…
أية أبنية هذه التي تجملها نوافذ تطل على رحاب عالم الذات وشبابيك تنفتح على معايير جديدة تحركها ديناميكية لا تشيدها بنية العقل القاتلةبل ينسجهاحس ويحركها خيال ينثر على الثرى انغاما و ألحانا…
هنا يتهاوى منطق العقل الحسابي و أقيسة المعقول و اللامعقول والمحدد ات والالزامات القاهرة..يتهاوى القيد و تتقوض العوائق التي تحول دون تحقق الذات في إمبراطورية الحرية…
لا مفر من الانزياح ومن الانسحاب من رحاب الزمان و المكان و من اليابسة . …لا بد لهذه الذات إلا أن ننشأ أكوانا جديدة تعزف فيها أوتارا و ترتل النغم ترتيلا لتبحر في هذا الكل الذي يحتويها، هذا الكل الذي لا يتجزأ الذي يقاوم التشتت والحجب.
في كلية هذا الوجود الرحب ينبجس قبس من نور يقاوم العتمة والسكون ويرسم على وجه البحر صورة لكائن يغتسل من ذاته ويتطهر بعطره .
أي رسم هذا الذي تنسجه الذات للوجود ؟؟ و أي خيال هذا الذي يبدع أكوانا تقاوم الأزمنة و الأمكنة ؟؟
أي خيال هذا الذي يشيد قصور الماء في عمق البحار فتتجلى على صفحته في هيبة و وقار؟
إنه خيال قد أنعتق من الاسر ومن المكبلات …من الضيق الذي لا يعرف الطريق الى برزخ الذات …
فهل لهذه الذات أن تصرخ ملأ صدرها…هل لها أن تقبل نور القمر وأن تصلي في محرابها وأن تناجي الليل وأن تتطهر بماء الطيب ؟؟
هل لها أن ترتوي بعد عطش و نحيب ؟وهل لها أن تسكن الى هدوئها بعد تعب السنين؟
بائس هو الانسان وشقي …إنه دائم الخروج من ذاته نحو التحقق دون أن يتحقق …في صراع لا ينتهي… يتقاذفه المجهول. تماما كما تتفاذفه الامواج هنا و هناك…إما حياة ..أو موت …
لاوجود لمنطقة وسطى بين الحياة والموت …بين الوجود واللاوجود .. بين الحقيقة والوهم .. بين الحب و الكراهية…
علي الانسان اذن أن يقرر إما أن يكون… أو أن لا يكون….
أما أن يحي بمنطق العقل الحسابي أو أن يطرق أبواب الحلم ليتنفس عطر الصباح و ينشد الأمل.
هناك بعيدا… بعيدا… في عمق الوجود ينساب بريق ..إنه قبس من نور ..نور قد قذف في الصدر…لا مفر إذن من الهروب …لا خيار الا أن نختار..فما الذي سترتضيه لنفسك يا إنسان؟؟؟

المقال السابقأنه الاحتباس الحراري
المقال التالىالمفرزةُ
مليكة الجبابلي من تونس حائزة على شهادة الاستاذية في الفلسفة من كلية الآداب والعلوم الانسانية بتونس.متحصلة على شهادة الماجستير في الفلسفة بصدد إنجاز مذكرة البحث.اعمل استاذة بالمعاهد الثانوية بتونس....
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. نص يقترب من الخاطرة والاعتراف , يؤشر ثقافة الكاتب بوضوح ويلامس الضفة الاكاديمية بتفوق الثقافة على الموهبة…
    نص يشبه الاعتراف للتخلص من الذنوب في حضرة القاريء قبل الوقوع في شَرَك الخطيئة لا بعدها
    نص يرتكز على البوح المستور بادوات صانع ماهر على حرفة الاعتراف ..
    نص كلما تقترب من فكرته تزداد حيرة في المخفي منه

اترك رد