ملاحظات حول التظاهرات العراقية الأخيرة

 

لا اعرف لم وجدت صعوبة غير اعتيادية في كتابة هذا المقال حتى انني قررت اكثر من مرة وانا اكتب سطوره ان اكف عن المضي فيه حتى نهايته ؛ في ظروف العراق الحالية يصعب على المرء ان يلتزم الموضوعية والحياد ، وان نجح في ذلك فمن يصدق ان ذلك كان من وحي ضمير الكاتب في وقت تكيفت فيه أسماعنا وعقولنا على عدم سماع او استيعاب مايقال الا من خلال صيغ ” طائفية ” ، ولعل هذا هو الانجاز الاكبر الذي حققه الاحتلال رغم الزعم انه فشل في تحقيق أهدافه جراء نقص الاستعداد وعدم التهيؤ كما يجب … كلا لقد حقق الاحتلال ما اراد وماجاء من اجله ، وهذه النزعة في تكييف الأسماع والأفهام هي ذروة الثمار التي قطفها الاحتلال وغاية المنتهى لاهدافه .. وعلى آية حال فقد قررت المضي قدماً لأكتب ما اكتب بوحي من الحقيقة كما أراها وبضمير مرتاح رغم ان إطلاق توقعات بشان التظاهرات الراهنة ومدى امكانية تحولها الى حالة انتفاضة او بوادر ثورة ضد أسس النظام القائم امر مبكّر بسبب تراكمات المرحلة السابقة وما سادها من تعبئة طائفية يستثمرها اطراف الفساد الى أقصى مداها وبكل اساليب السفالة السياسية التي عرفوا بها .

وفقاًلأجتهادي المتواضع فانه لابد من فهم الظاهرة ومحتواها قبل الولوج في تحليلها. ومآلاتها . لعل السؤال الاول الذي يفرض نفسه هو :.من هم المتظاهرون ، وماذا يمثلون ؟ ماهي المناطق التي شهدت هذه المظاهرات ، وماهي مطالبهم .. هل هي مطالب محددة الموضوع ام تخص إقليماً جغرافياً بعينه ؟! هل يمكن اعتبار هذه التظاهرات قوة تغيير في ظروف اصبحت ضاغطة على معاش الناس ومتطلباتهم الحياتية وهي حالة طاغية لدى الرأي العام العراقي ، وهل هذا التغيير المرجو شاملاً جذرياً ام يتمحور حول بعض القطاعات الخدمية مثل الكهرباء والماء ؟! ماهي شعاراتهم ؟! ، ولان فترة أسبوعين قد مضت تقريباً فلابد من الأخذ بالاعتبار ان ذلك قد يمثل دليلاً على عمق المعاناة وإلحاح المطالَب وحدة الموقف حد تقديم ضحايا في الأرواح من المتظاهرين !!

من خلال متابعة الاحداث فانه من الواضح ان التظاهرات الاولى قد انطلقت في البصرة في الأسبوع الاول من شهر تموز الحالي وكانت شعاراتها الاولى تدور حول قضايا الخدمات وخاصة الكهرباء والماء والبطالة والفساد ، ثم التحقت بها عدد من المحافظات وكانت النجف أشهرها بعد قيام المتظاهرين باقتحام المطار الذي تبلغ عوائده ثلاثماية مليون دولار سنوياً دون ان يلمس الناس شيئاً منها في اطار تحسين ظروفهم المعيشية . ثم شهدت العمارة والناصرية وعدد اخر من مدن الجنوب مظاهرات مماثلة وامتدت الحالة الى بغداد العاصمة بدءاً بمدينة الشعلة ثم امتدت حتى ساحة التحرير اعتبارات من يوم الجمعة العشرين من هذا الشهر .

اثر اندلاع موجات التظاهر في المحافظات الجنوبية وقيام المتظاهرين بمحاولات اقتحام مواقع شركات النفط قامت الحكومة بمواجهة التظاهرات بشدة ملحوظة وعنف مفرط لثنيهم عن ذلك ، وقد ادى الامر الى وقوع قتلى بين صفوف المتظاهرين فقامت الحكومة بعقد اجتماع لمجلس الامن الوطني وأسفر الاجتماع عن اجراءات اضافية لمواجهة التظاهرات ومن بينها قطع الانترنت عن العاصمة ؛ ويبدو ان قلق الحكومة الأكبر كان ينصب على منع امتداد التظاهرات من الامتداد الى العاصمة رغم ان ذلك قد حصل في نهاية المطاف .

في جهد إضافي لمحاولة احتواء الأزمة قام العبادي بزيارة البصرة والتقى ببعض الوجهاء وشيوخ العشائر كما امر بتخصيص حوالى ثلاثة مليارات دولار فضلاً عن آلاف الوظائف ، لكنه اكد عزم الحكومة على مواجهة التظاهرات التي وصفها البعض من اطراف السلطة بالداعشية والبعثية او ان قوات الامن التي جلبت لقمعها تتألف من ابناء الموصل والرمادي لاستثمار الروح الطائفية ، كما لايزال العبادي مصراً على ان التظاهرات ذات مطالب مشروعة وان مشكلتها هي العناصر المندسة ملمحاً الى اطراف في العملية السياسية . كل هذه الإجراءات لم تؤدِ لانهاء الأزمة وان ساهمت في تخفيف حدة التظاهرات لكنها لم تستطع ايقاف امتدادها الى أنحاء مختلفة من مناطق الجنوب وبغداد . قد نحتاج الكثير للالمام بكل تفاصيل ماحصل ولكن المهم ان نلاحظ :

١- ان المظاهرات لم ترفع آية شعارات سياسية واضحة واقتصرت على رفع شعارات ذات طابع مطلبي ولم تتجاوز في أقصى مارفعته من شعارات قضية ” اصلاح النظام ” وليس اسقاطه او تغييره ، واذا حصل ان أحداً قد رفع شعارات سياسية فان ذلك لم يشكل الطابع المطلبي السائد في عموم الظاهرة ، ويبدو ان هنالك بعض الشعارات المعادية للنفوذ الايراني والاحزاب الحاكمة وأحياناً للمرجعيات الدينية وخاصة الايرانية .

٢- هذه التظاهرات كانت اكثر عنفاً من سابقاتها التي شهدها العراق عام ٢٠١٥ وماسبقها ، وكان هذا العنف متبادلاً ؛ كان المتظاهرون اكثر عنفاً هذه المرة وظهر ذلك في قيامهم بمهاجمة مقرات الاحزاب وإحراقها اضافة الى مهاجمة منازل بعض الوجوه السياسية وإلحاق الضرر بها ، وفي المقابل فقد واجهت القوات الامنية والمليشيات هذه التظاهرات بعنف واضح وصل حد استخدام الرصاص الحي مما أوقع عدداً من القتلى فضلاً عن الاستخدام الواسع لقنابل الغاز وخراطيم المياه بشكل واسع وغير معهود من قبل مما أوصل عدد ضحايا هذه المواجهات بين ٣٠٠-٥٠٠ بينهم حوالى عشرين قتيلا . ربما تكون هذه الأرقام غير دقيقة ولكنها تعكس الصورة العامة وهي صورة اكثر عنفية من كل ماسبقها خلال السنوات الماضية .

في كل الأحوال يمكن القول ان التظاهرات التي يشهدها العراق في هذه المرحلة هي الاوسع والأعنف وربما الاكثر تنظيماً وتنسيقاً عما سبقها في الماضي القريب وهذا لايشكل تحولاً في الشكل بل اعتقد وفق تقديري المتواضع انها قد تكون بداية تحول نوعي في الأهداف ، وان كانت ماتزال حتى اللحظة محافظة على ذات المضمون وهو التظاهر لاسباب تتعلق بمطالب حياتية يومية وطرح شعار اصلاح النظام ، ولكنها لم ترتق بعد الى مستوى المطالبة بتغيير النظام ذاته .. هل ستتطور في هذا الاتجاه الى ماهو ابعد من اصلاح النظام وتلبية المطالَب الخدمية ؟ ربما يحدث ذلك ، بل اعتقد ان ذلك امر محتم ، وان كان ذلك سيشهد تأخيراً لاسباب تتعلق بالتعبئة الطائفية التي شهدتها السنوات الماضية خاصة وان بعض الفرقاء السياسيين بدؤوا ببث المخاوف في صفوف السكان في المحافظات التي تشهد التظاهر ومن خلال الأعيان وشيوخ العشائر بان حكم المذهب هو المستهدف وان اطرافاً اقليمية تتلاعب بالقضية .

هذا يضعنا امام قضية تصنيف الظاهرة ؛ المؤكد انها ليست ثورة وليست مقدمات ثورة بل ربما تكون انتفاضة او هبة تتحول الى انتفاضة تدريجياً بحكم ان طبيعة مطالبها ليست مما يمكن تلبيته على وجه عاجل خاصة قضية الخدمات مثل الكهرباء وماء الشرب الا باجراءات استثنائية جزئية وذات طبيعة مؤقتة مثل استيراد الكهرباء او تجهيز المياه بواسطة السيارات الحوضية ، ولكن الحكومة عاجزة من الناحية العملية عن توفير حلول دائمة مستقرة وكافية من اجل تلبية المطالَب لعدم توفر الموارد ؛ لقد نهب البلد الى الحد الذي وضعه تحت طائلة الديون الدولية واثقالها المعروفة من فوائد وخدمات ، كما ان الحكومة لاتمتلك الأهلية السياسية او الفنية لمعالجة أزمة بهذا الحجم ، لذلك من غير المتوقع ان تشهد الظاهرة تراجعاً الا تحت ضغط ” الملل او تراجع قساوة الطبيعة ” وفيما عدا ذلك فلاتوجد ادلة على نية الحكومة تلبية المطالَب الخاصة بالخدمات او البطالة وتحسين ظروف المعيشة بشكل جذري باستثناء تقديم حلول هي اقرب الى الرشوة الرخيصة . في نهاية المطاف فان هذه الحكومة وسابقاتها عجزت عن حفظ حال البلاد على الاقل عند مستواها الذي كانت عليه عام ٢٠٠٣ ، كما لم تستشعر القيادات الدينية المؤثرة ان هذه التظاهرات تشكل حتى اللحظة خطراً على وجود النظام لذلك أعربت من جهة عن نوع من التضامن مع المطالَب ولكنها حافظت على صمتها ازاء العنف الذي تمارسه الأجهزة الامنية والمليشيات .

ينبغي الاعتراف ببعض الحقائق وتشخيصها من اجل عدم الوقوع في سوء التقدير .

ان النظام الفاسد في بغداد والطيف السياسي المحيط به من مختلف الطوائف والأديان والعرقيات ليس معلقاً في الهواء وهو نظام لن يترك الساحة بالسهولة التي قد تراود البعض . هذا النظام يمتلك مايلزم من الأدوات ويحتفظ بقدر كبير من المبادرة في مواجهة الجماهير . لهذا النظام قواعده الشعبية ، ولكنه دخل في حالة طلاق بينه وبين القواعد الشعبية الاوسع، وعلى الأغلب ان هذا طلاق بائن لارجعة فيه وكلما امعنت السلطة القائمة في عمليات القمع فانها تدفع الجمهور الواسع بعيداً عنها الا اذا برز جديد غير متوقع على يد العبادي او غيره ، وهو امر مستعبد في المنظور من الأحوال لان هذا الرجل يفتقر للكاريزما او الجرأة اللازمة لرجل دولة في بلد معقد مثل العراق ، كما لاتسمح تعقيدات العملية السياسية ذاتها بمثل هذا الاحتمال .

المظاهرات ربما تكون مازالت حبيسة هواجس طائفية ورؤى تكتيكية غير واضحة او خاطئة ولاتتناسب مع واقع توازن القوى في البلاد مما أفقدها القدرة على تشكيل ضغط حقيقي حتى هذه اللحظة من شأنه اجبار الحكومة على اي امر، او انها غيرمدركة لمدى اهميتها وقيمتها ومدى القدرات الكامنة فيها ان وضعت لنفسها اهداف مختلفة ضمن اطار توجهاتها ، حتى دون مغادرة الطبيعة المطلبية ، مثل العمل على اعاقة عمليات تصدير النفط بالتظاهر في منصات التحميل وامام مقرات الشركات العاملة ومناطق عملياتها . النفط هو الكلمة السحرية التي بامكانها ان تشكل عامل ضغط على القوى الدولية الراعية للنظام او الساكنة عن الجرائم التي يرتكبها . العالم انتهازي يبحث عن مصالحه وما دام النظام يلبيها ويتحالف مع المافيات السياسية الدولية في الولايات المتحدة والدول الكبرى في اطار سياسات الفساد فانه لن يحرك ساكناً . ان المظاهرات بوضعها الحالي غير قادرة على زحزحة النظام او تهديد وجوده مع مايستخدمه وما أعده من قبل من اليات تضمن أمنه ، ولذلك سيظل العالم ساكناً وربما داعماً ومؤيداً ، لان شلة اللصوص التي نصبها في بغداد بعد ان جلبها على دباباته مازالت قادرة على تطمين مصالحه .

ارجو الا يقول لي احد ان هؤلاء ثمار انتخابات ديمقراطية وقد كان بوسع الشعب إزاحتهم لو اراد من خلال صناديق الانتخابات !! هذا كلام غير دقيق وقد ينطلي على قارئ او مستمع عادي ولكنه ليس كذلك بالنسبة لي او لاي دارس للعلوم السياسية .

في البداية يجب الاقرار ان الحكومة المنتظرة هي حكومة اقلية شعبية ، ووفقاً لاي حساب موضوعي فهي حكومة قواعد حزبية – طائفية لايتجاوز عدد من صوتوا لها ٢٠٪‏ من اجمالي كتلة من يحق لهم التصويت ، وقد كان العزوف الشعبي الواسع عن المشاركة في الانتخابات الماضية شهادة وفاة للنظام السياسي برمته ، فضلاً عن ذلك فان الحكومة الحالية هي حكومة ولاية منقضية تمليها ضرورات استمرار ادارة الحياة العامة او مايسمى حكومة تصريف اعمال وليست حكومة شرعية كاملة الصلاحيات ، وفي جميع الأحوال فان الانتخابات في ظل نظام محاصصة طائفية مغلق لن تنتج سوى نسخاً مكررة من ذات النظام .

من الناحية الاخرى فانه يجب تجريد قضية الانتخابات من قدسيتها الزائفة ؛ تاريخياً عرفت الانتخابات في فقه السياسة على انها اداة أنظمة النخب لاعادة انتاج نفسها . لم تكن الانتخابات لدى اباء الديمقراطية الحديثة المؤسسين مثل مونتسكيو في ( روح القوانين ) وجان جاك روسو في ( العقد الاجتماعي ) الا اداة بيد الأقليات النخبوية لتسلق السلم الى السلطة ؛ كانت تلك نبوءة عند اطلاقها في القرن الثامن عشر وقد كانت الانتخابات حينها الحلم الذي يراود فلاسفة الحداثة ، لكن عبقرية مونتسكيو وروسو تنبأت بما كان سيتحقق بعد اكثر من قرن من الزمن . لقد تحولت الانتخابات منذ منتصف القرن التاسع عشر الى اداة من ادوات تجديد أنظمة الأقليات التي تحترف السياسة بعد ان تراجعت الصحافة الحزبية لتخلي مكانها للإعلام التجاري ، لان الاحزاب ذاتها تحولت الى مشاريع نخبوية وضعت نفسها تحت تصرف القوى الرأسمالية الناهضة والمندفعة كالعصف في هيمنتها على حركة المجتمعات والتاريخ . لقد تحولت ادوات صناعة الرأي العام الى جزء من البنية الاجتماعية – السياسية لأنظمة النخب الرأسمالية الحاكمة ، وقد كان هذا الاعتبار في قلب النظريات التقدمية التي اعترضت على سيادة وهيمنة هذه النخب ونظرت الى المستقبل على انه عالم مابعد القواعد والاليات التي أنتجتها الثورتان الامريكية والفرنسية .

هذا الامر لم يكن بعيداً عن مهندسي العملية السياسية مابعد احتلال العراق ، وهم خبراء في هندسة وتحليل النظم الاجتماعية ، وكان من اولى أدواتهم تأسيس الطائفية السياسية بشكل لم يعهدها المجتمع العراقي في تاريخه الحديث . يعترف اكثر مفسري تاريخ العراق اصراراً على نظرية التمييز والصراعات الطائفية كعوامل حصرية في تفسير هذا التاريخ { واعني به المؤرخ الاسرائيلي إسحاق نقاش الذي يعد اليوم المرجع الاول في تاريخ الشيعة في العراق } ان النظام ” السني ” وفق وصفه والذي اقامه البريطانيون بعد الحرب العالمية الاولى في العراق كان نظاماً علمانياً ذو نزعة قومية عربية .. ويعترف فريق بحثي امريكي قام بفحص ودراسة وثائق ومحاضر اجتماعات القيادة السياسية العراقية البعثية ، التي صادرها المحتل الامريكي وأودعها في احدى الجامعات الامريكية ، ان تلك القيادة التي حكمت العراق لمدة خمسة وثلاثين عاماً سبقت الاحتلال كانت قيادة علمانية ذات توجهات قومية عربية ولم تكن لديها سياسات او مبادئ ذات طابع ديني .

بعيداً عن كل ذلك فنحن العراقيون نعرف من خلال مواقع عملنا ، وبعضها كان في الأجهزة الحساسة ، ان معايير الدين والطائفة كانت بعيدة كل البعد عن اجواء العمل والتقدم في مسلك الخدمة العامة . لقد جاء المحتل بوصفة طائفية مسمومة وكان السبيل الوحيد لجعلها مقبولة هو جعلها واقعاً معاشاً وذلك بهدف خلق مصالح حياتية يومية وفقاً لمعاييرها ، ومن هنا جاء استبعاد جميع الشخصيات العلمانية او الوطنية او القومية حتى تلك التي قدمت مع المحتل وتحت مظلته ان لم تتبنى مواقف طائفية ؛ جرى توزيع اول هيئة حكم وفق تلك المعايير ، وكانت اغرب المفارقات ان يقبل حزب مثل الحزب الشيوعي العراقي بدخول تلك العملية وفق الهوية الطائفية لأمينه العام الذي قبل عضوية مجلس الحكم الانتقالي بصفته ” شيعياً ” وليس بصفته ” شيوعياً ” ، وقام الاحتلال باحياء احزاب اندرست ولم تكن لها جذور شعبية حقيقية مثل الحزب الاسلامي الذي أسسه محسن عبدالحميد منشقاً عن حركة الاخوان المسلمين حين كان مقيماً في السعودية . لقد كانت حركة الاخوان المسلمين الام نفسها شيئاً من الماضي ولم تكن لديها في واقع الحال آية قواعد شعبية حقيقية منذ فشل محاولتها لاغتيال صدام حسين في اوائل السبعينات وهرب معظم قياداتها الى الخارج . اما الاحزاب الشيعية فقد كانت تعيش حالة من التشتت والانقسامات بعد ان تم اجتثاثها منذ قدوم حزب البعث الى السلطة وتراجع شعبيتها مع تنامي الروح الوطنية العراقية ، بشكل واضح اذهل حتى المراقبين الاسرائيليين ، اثر الانتصار على ايران وكسر شوكة ثورتها الاسلامية في اولى محطات تصديرها وأكثرها أهمية .

هكذا تم تصنيع العملية السياسية بعد الاحتلال وهي عملية أقيمت وفق تركيبة مصالح مصنّعة مستحدثة ولكنها كانت قابلة للبقاء بفعل ضغط الظروف الحياتية التي نجمت عن فترة الحصار التي عاشها العراق منذ اواخر عام ١٩٩٠ وحتى الاحتلال . لقد تم تكريس كل موارد الدولة من اجل ذلك وتم توزيع الرشاوى للناس بشكل وظائف بلغت حوالى خمسة ملايين وظيفة ، وتمت بذلك مبادلة الولاء الطائفي بلقمة العيش .. ان ارادت هذه التظاهرات ان تجد فرصة للنجاح فعليها ان تدرك ان سبب تعاسة القواعد الشعبية التي تتظاهر باسمها ، وان سبب تردي الخدمات والاحتياجات الحياتية والبطالة هي هذه السياسة الطائفية التي شرعت الفساد منذ خطواتها الاولى وان الفساد أنتج فشل الدولة على كل المستويات بما في ذلك تأمين الخدمات الاساسية والاٌمن والمستقبل الذي اثقل بمئات المليارات من الديون الخارجية التي اهدرت في دولاب الفساد والمحاصصة الطائفية لان هذه المحاصصة قد تحولت الى عملية اقتسام الغنائم وليس اقتسام المسؤوليات ، بعد ان تم استنفاذ الموارد في الموجة الاولى لتوزيع المغانم .

تحاول الحكومة الحالية من خلال أذرعها الإعلامية بث بعض المفاهيم المضللة من اجل تبرير استمرار سياسات المحاصصة الطائفية . ان ترديد شعارات مثل ” تجنب الصراع الشيعي – الشيعي ” او ” عدم التفريط بحكم الطائفة ” من اجل تثبيط همة المتظاهرين واثارة النعرات الطائفية بين صفوفهم امر ينبغي التنبه له والحذر من الوقوع في شراكه . لم يكن الشعب العراقي في صراع طائفي اصلاً ، فكيف يمكنه ان يدخل في صراع داخل الطائفة الواحدة . لقد عاش الشعب العراقي طوال تاريخه صراعاً مع الحكام الطغاة او او حكومات الاحتلال ، ولكن لم يعرف تاريخه صراعاً طائفياً . لقد حكم البويهيون بغداد وحكم الحمدانيون دولتهم الممتدة من الموصل الى الشام وترأس سعد جبر وفاضل الجمالي وسعدون حمادي وحمزة الزبيدي حكومات عراقية وطنية بعد الاستقلال وشغلت شخصيات شيعية وزارات سيادية وخدمية في حكومات العراق المعاصر دون ان يثير ذلك حفيظة احد على خلفيات طائفية . لقد اختلف الناس مع حكوماتهم ووزرائها على أسس اجتماعية وسياسية وطبقية ولكن لم يُذمّ او يُؤيد احد منهم على خلفية طائفية ؛ هذا ثوب ألبسونا اياه في غفلة منا ومن الزمن ولاينبغي للمتظاهرين ان يمحضوه اي اهتمام وان يعوا ان من اولى مهماتهم دحض هذه المفاهيم الطائفية لانها بالأساس هي علة بؤسهم وسبب خروجهم الى الشارع .

ان هذه التظاهرات امام مفترق طرق ! اما ان تتحول الى ثورة لها جميع مقومات الثورة واولها اعلان رفض النظام القائم من اساسه بدءاً من المبادئ التي أنشئ وفقاً لها الى الرموز والشخوص التي عاشت وعملت واتخمت جيوبها وحساباتها في ظله . هذه الثورة يمكن ان تكون ويجب ان تكون سلمية لان حدود قدرات النظام في القمع ليست مطلقة مهما بدت كبيرة ، وينبغي ان تعمل الثورة وفق مبدأ تحويل امتيازات المستفيدين من النظام الى اعباء ومخاوف ، بدءاً من الفرد المسلح باسم الدولة والذي يقف في مواجهة المتظاهرين الى اعلى راس في الدولة . ان العدالة والمسؤولية القانونية لم تعد احتكاراً للقضاء العراقي الفاسد بل ان الجرائم ضد الانسانية وفي مقدمتها العنف غير المبرر ضد المتظاهرين السلميين يمكن ان تكون موضع مقاضاة ومحاسبة قانونية امام القضاء في مختلف دول العالم وخاصة في اوروپا : ينبغي الا ينسى المتظاهرون ان معظم شخوص النظام هم من حملة الجنسيات الاوروپية والكندية والأمريكية وكلها تعتمد مبدأ الولاية القضائية العالمية ازاء الجرائم ضد الانسانية ، كما ان دولهم الاخرى التي يحملون جنسياتها تتحمل مايسمى بالمسؤولية الجنائية الدولية الناجمة عن جرائم يرتكبها افراد من مواطنيها خارج اقليمها ، فإن لم تقم هذه الدول بمحاسبتهم فانها ذاتها يمكن ان تكون موضع مساءلة قانونية وهو امر تتجنبه كل دول العالم المتحضرة .

الامر الثاني الذي يتوجب عمله هو استهداف العصب الحساس الذي من شانه ان يخرج الصامتين الدوليين من صمتهم ، واعني به تحديداً النفط . ينبغي للمظاهرات ان تتوجه نحو مقرات شركات النفط وميادين نشاطها ومحطات تحميل الصادرات النفطية وبشكل سلمي كامل لان مؤسسات ومنشآت النفط هي ملك الشعب العراقي في نهاية المطاف . ان للتظاهر بهذه الصيغة مبرراته ! .

لقد تواطأت شركات النفط العالمية ومنها الامريكية مع الحكومة الفاسدة ومع الشهرستاني البريطاني – الايراني الأصل ، وفي عهده أبرمت عقود الفساد التي اصبحت عبئاً على العراق دون مبرر .. اضافة لذلك فأن هنالك نكوصاً من جانب الشركات عن بعض التزاماتها تجاه المواطن العراقي والبصري بشكل خاص . لقد نكصت تلك الشركات عن التزامها بالاستعانة بالايدي العاملة المحلية فيما تقوم بتشغيل أيدي عاملة اجنبية وآسيوية مستوردة ..لقد كانت الصناعة النفطية قبل الاحتلال عراقية بالكامل بينما اصبحت اليوم معازل اجنبية محصنة فوق القانون والمساءلة بفضل الفساد الشهرستاني الذي لم يعد سراً حجم فساده !!

ان توجه التظاهرات نحو صناعة النفط قضية في منتهى الأهمية في هذه الظروف الاقليمية والدولية خاصة في ظل تطورات العلاقة بين الولايات المتحدة وايران وفنزويلا وهما منتجان ومصدران كبيران وليس بوسع الولايات المتحدة او المستهلكون الكبار للنفط المجازفة بتعرض توقف نفط العراق وهو المجهز الدولي الثاني للنفط في اطار منظمة اوپك . ان هذا ليس سياسة عشوائية او غير مدروسة وقد لجأت اليه الحكومة العراقية بقيادة المرحوم نوري السعيد عام ١٩٥٢ حين نشبت أزمة نجمت عن مبادرة حكومة مصدق الايرانية بتأميم النفط الايراني فام فرض حظر دولي على صادرت النفط الايرانية وقد قام المرحوم نوري السعيد بتهديد شركات النفط بايقاف عمليات انتاج وتصدير النفط العراقي مالم يتم تعديل شروط الامتيازات النفطية العراقية وتم بالفعل اعتماد مبدأ مناصفة الأرباح بدلاً من دفع بضعة سنتات عن كل برميل وهو امر وفر للعراق موارد مالية مكنته من إنجاز مشاريع تنموية نقلته من حال الى حال مختلف ؛ لم يصف احد نوري السعيد بعدم المسؤولية او المغامرة بل تم اعتباره رجلاً مسؤولا يبحث عن مصالح بلده ، وبإمكان التظاهرات العراقية إنجاز هدف اكثر تواضعاً وهو جلب نظر العالم المستفيد من نفط العراق الى ان تصدير هذا النفط لن يكون مضموناً في ظل حكومات الفساد وعلى حكومات العالم الراعية لهذه الحكومة وفي مقدمتها حكومة الولايات المتحدة ان تتدخل وتمارس ضغوطها من اجل فرض الإصلاحات المشروعة وهي تعرف قبل غيرها حجم الفساد وآثاره وماهي سبل الاصلاح .

ان طول فترة التظاهر ليس في مصلحة الأغراض التي خرجت من اجلها الجماهير الا اذا اخذت مجرى نوعي اخر من خلال التحول الى اعلان برنامج سياسي وطني ولو بالخطوط العامة . ذلك من شأنه ان يمهد الارضيّة المناسبة لتحرك مختلف نوعياً عن التظاهر على خلفية مطالب خدمية ومعايشة . ينبغي ان تغادر تنسيقات المظاهرات والقيادات الميدانية الى هذا الأفق الجديد مما يمنحها ارضية مناسبة لتوسيع قاعدتها الشعبية وازالة التحفظات التي قد تكون عالقة في اذهان ابناء مناطق العراق الاخرى وخاصة ابنا المحافظات التي توصف بالسنية . نعلم ماهي دوافع الصمت لحد الان ولكن اذا ماتطورت المظاهرات باتجاه نوعي مختلف فان الامر سيختلف وسيصبح قضية وطنية لايجوز السكوت ازاءها

المقال السابقمن يتجنب شعار تغيير النظام ؟ ولماذا ؟
المقال التالىملاحظات حول التظاهرات العراقية الأخيرة
فائز ناجي عبدالرحمن السعدون من مواليد بغداد / الأعظمية ١٩٤٦.. درس العلوم السياسية في جامعة بغداد وتخرج فيها عام ١٩٦٧.. انخرط للعمل في السلك الدبلوماسي العراقي منذ منتصف السبعينات وعمل في البعثات الدبلوماسية العراقية في جنيف والاكوادور وجمهورية مالي وطهران وبوخارست ... تخصص في الشؤون الإيرانية منذ عا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد