الواقع المرير والتزييف الاعلامي


 

نحن أجيال اعتادت على مشاهدة التلفاز والسينما وبعد ذلك وفي حقبة التسعينات جاء الانترنيت لتشكيل أفكارنا واتجاهاتنا ومبادئنا وفلسفاتنا الحياتية لقد تعودنا على اجتراع الوهم حتى نداوي النقص ونهرب من الواقع ومن طبيعة عقل الإنسان أنه يميل أكثر إلى تلقي الخرافة والوهم وتصديق المجهول والأمر لا يتوقف عند مستوى تعليمي أو ثقافي أو اقتصادي معين فكما سكنت الخرافات المجتمعات القديمة نجدها أيضا تسكن المجتمعات المتطورة بل أن الانفتاح ساهم في نشر الوهم والخرافة بشكل أوسع وأسرع .

فالمتتبع لواقع الإعلام بشكل عام يجد أن الأعلام يحارب كل ما هو جاد ومفيد لصالح تنوع هائل في البرامج الترفيهية بالرغم من ارتفاع نسب المتعلمين حول العالم هذا التسطيح الفكري ساهم بشكل كبير في خداع الجمهور والترويج للوهم فدغدغة المشاعر الإنسانية في خدمة الأعلام الموجه يتضح جليا في صناعة الأخبار المفبركة والمبالغ فيها وترتيب الأولويات الخبرية .

إن العقلية العربية عامة والعراقية بشكل خاص أكثر من غيرها تقبلا للوهم والمبالغات لأنها تربت وترعرعت على خطب الحماسة وفلسفات وأساطير هوائية و أمجاد الماضي وانجازات الأجداد وعلى البحث عن المنقذ الذي ينتشلهم من الواقع المرير والحلول السحرية لأية مشكلة أو معضلة حتى وان كانت كسورا لا يمكن جبرها أن العقلية العربية لم تتجاوز مرحلة الواقع الحالي وما يتطلبه من عمل واجتهاد وتخطيط بعقلية تتوافق مع معطيات حقيقية فالمجتمعات التي تعيش على منجزات من التاريخ لا تصنع حضارة بل تعيد صياغة وترتيب أمجاد الأجداد في ثوب جديد فارغ من المحتوى .

فالسيكولوجية العربية المتأثرة بإيحاءات الإعلام وواقعه الحضاري تقبلت الأحداث بظواهرها الدراماتيكي المفبرك فمن المضحك والمبكي في آن واحد أن نرى الإعلاميين على صفحات الجرائد وخلف الميكرفونات وأمام شاشات الفضائيات يهولون ويفبركون الأحداث بعيدين كل البعد عن المهنية واحترام عقلية المشاهد والمتلقي فعلى سبيل المثال تلقف المثقفون، والإعلاميون العرب لحادثة رمي الحذاء على بوش الرئيس السابق للولايات المتحدة فقد كان من التهويل أن البعض عد الإنجاز المحقق (رمي الحذاء) بداية تداعي الولايات المتحدة … وانتصارا لحرية التعبير!! ومن أوجه استخفاف لعقول الجماهير تفسير أحد الإعلاميين لإحدى الظواهر الطبيعية (تكاثر قناديل البحر في دوله ما) على أنها مؤامرة من دوله أجنبية لضرب السياحة !! .

من أشهر أدوار الدعاية السياسية صناعة الوهم والترويج له عبر وسائل الأعلام والاتصال

وعلميا أثبتت الدراسات أن الإنسان يفقد القدرة على التفكير بعقلانية حينما يخضع إلى ضغوطات عاطفية وإنسانية شديدة ويتقبل بكل سهولة أي مبالغات أو أوهام لا يقبلها العقل دون أية مقاومة حتى وإن بدت غير منطقية .

إن محاولات تضليل عقول البشر هي أداة للقهر فما ينشره الأعلام من مواد وأفكار أراء ما هي ألا قوالب تم تشكيلها مسبقا للتأثير على عقول المتلقيين وتوجيههم إلى واقع جديد صنعه النخبة في المطبخ الإخباري والإعلامي و تجييش عدد من الوسائل الإعلامية والإعلاميين لبث أخبار معينة وفي توقيت واحد لكسب ثقة المتلقي و تعبئته ودغدغه مشاعره وتشكيل وجهات نظره اتجاه قضايا بعينها .

فما يقوم به الأعلام في الغرب والشرق ما هو ألا برمجة للعقول وتكريس ثقافة القطيع لبناء مواقف منسقة مع أجندات معينة أو مؤسسات بعينها ألا أن أطرف ما في أمر الأعلام العربي انه يصنع الوهم والتشتت بفقدانه للبوصلة ومواقفه المتغيرة بسرعة الضوء فمن المؤسف حقا أن يتم تناول الأحداث الاجتماعية والسياسية الجادة التي تمس شريحة كبيرة من مواطني مجتمعنا من منظور فلسفي قاصر أو ديني مشوه أو علمي مزيف أو مبني على مصادر مجهولة دون الأخذ في الاعتبار تبعات هذا الضخ

الإعلامي غير المتوازن على اتجاهات الجمهور ومواقفهم وكان لنا شواهد عديدة على التأثير السلبي للإعلام في الترويج عن الأفكار المتطرفة وتشجيع الشباب على أعمال العنف .

أن غياب الوعي والشفافية والإعلام المهني في المجتمعات العربية يزيد من مخاطر الأعلام الموجه بأجندات خارجية التي توظف كافة النظريات الإنسانية والنفسية والتقنية لتوجيه الرأي العام فكثير ما شاهدنا التفاعل الجمهوري مع القضايا العالمية علما أن اغلب تلك القضايا هي في أطار الحروب الإعلامية.

أننا في مأزق أن لم نتقن استخدام الأعلام ووسائل الإعلام الحديثة لمواجهة التضليل الإعلامي بالإعلام المحلي المضاد من خلال توعية الجمهور بالكشف عن أساليب التضليل الإعلامي ومن ثم تأسيس أعلام موحد من أجل إعادة اللحمة بين أبناء المجتمع والترويج الى كل من شأنه توحيد المجتمع وبناء أعلام نزيه ومتوازن.

أن الثقة العمياء في الأعلام هو ما يجب أن نواجهه وان نتعامل معه من منظور الوعي وعدم التسرع في أطلاق الأحكام والتفاعل مع المواقف لان تبني المواقف من دون تفكير يشكل خطورة على المستقبل وأحيانا يقطع طريق العودة ونحن اليوم أحوج إلى التفكير بشكل مستقل للإفلات من مصيدة القطيع الموجه من الإعلام الخارجي .

يجب علينا تغيير مقولة تشرشل ابان الحرب العالمية الثانية والمطبقة الى يومنا هذا وهي

أن الحقيقة ثمينة جدا إلى درجة أنه يجب حمايتها بموكب من الأكاذيب

المقال السابقماجد المهندس .. النجاة من أم المعارك والسقوط في عاصفة الحزم
المقال التالىصباحك سكر
انس قاسم علاوي . باحث فني وصحفي و مخرج تلفزيوني عراقي . حاصل على ماجستير وسائل اتصال جماهير ..الجامعة العراقية .. بكلوريوس فنون سمعية ومرئية جامعة بغداد كلية الفنون الجميلة.. دبلوم اخراج سينمائي معهد الفنون الجميلة بغداد.. دبلوم تقنيات مونتاج معهد مايكروسوفت للبرامج لبنان- بيروت. عضو نقابة الفنانيي....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد