أزمة تظاهرات العراق

 

لا نكاد في العراق نخرج من أزمة حتى نجد أنفسنا في أزمة تشبه سابقتها أو تنحى إلى اتجاه آخر اشد تعقيدا وأكثر تأثيرا فمن أزمة سياسية إلى اقتصادية إلى اجتماعية إلى ما شاكل وكل مرة ولابد أن يكون لها ضحايا من أبناء هذا الشعب المسكين الذي قدر له أن لا يستقر بسبب ثروة أصبحت نقمة عليه بدل أن تكون نعمة كما هو الحال الطبيعي للدول الغنية فننصرف إلى بناء وطننا واستثمار خيراتنا لننعم بها نحن ومن بعدنا أبنائنا وتاريخ بلادنا يحكي عن معاناة وكوارث مؤلمة كان جيلنا وقودا لديمومة اشتعال فتنتها أو ضحيتها فمنا من قضى نحبه إلى رحمة الله بلا ذنب ومن عاش منا فهو ذو حظ عظيم ليبقى شاهدا يروي قصصها بألم أو ربما ننتظر دورنا في مصيرنا والحمد لله في كل الأحوال .

في وقت الشد والجذب الذي مر على شعبنا منذ آخر أزمة نتجت عن الانتخابات النيابية وما رافقها من عمليات تزوير كبيرة ولا زالت قائمة أثبتها صراع السياسيين على تقاسم المناصب وما دار في الشهر الأخير للدورة البرلمانية من سجال عقيم اشتركت فيه كل السلطات وأساليب التشبث بالكرسي وتحالفات الكتل السياسية وانفراطها وإعادة التحالفات وظهور تسميات ومصطلحات جديدة ومن ثم التخلي عن الشعارات الرنانة العابرة للطائفية والمتجاوزة للقومية وحكومة الأغلبية وإنتاج المعارضة في البرلمان أو حكومة الشراكة الوطنية التي كانت سائدة قبل الانتخابات انتهاءا بالعودة إلى نفس أسلوب الاصطفافات الطائفية نجد أنفسنا اليوم أمام أزمة ليست جديدة بل متجددة غاية في الخطورة على حاضر البلد ومستقبله لا يعلم نتائجها إلا الله والراسخون في التخطيط لها انطلقت شرارتها كما حصل في أكثر من مرة من محافظة البصرة منذ حوالي أكثر من أسبوع واتجهت إلى شمالها لتشمل كل جنوب ووسط العراق واتسعت وارتفع بضبابية وغموض سقف مطالبها واختلفت بين محافظة وأخرى ولا زالت صورتها قاتمة وغير واضحة المعالم عدا تصريحات بعض المتظاهرين في الفضائيات متفرقة وبشكل غير كافي لمعرفة من خطط للتظاهر ومن دعم وماذا يريد ولماذا انطلقت من المناطق ذات الأغلبية ( وعذرا للتسمية ) الشيعية التي تمثل الأغلبية الحكومية لها ولماذا في هذا الوقت وهل ستمتد إلى غرب البلاد أو شماله.

حقيقة من المعيب جدا إطلاق الاتهامات جزافا على هذه الجهة أو تلك ولكن البحث في المطالب والجهة المستفيدة قد يؤدي إلى اتجاه الأنظار إلى من يقف وراءها فمن خلال الفديوات التي انتشرت على وسائل الإعلام المحلية والعربية التي تغطي المنطقة ووسائل التواصل الاجتماعي فان اغلب من انخرط فيها هم في عمر الشباب والواضح أنهم دون سن العشرين وأكبرهم لا تتجاوز أعمارهم الخامسة والعشرين إلا بأفراد معدودين لذلك فأنهم جميعا نشئوا وترعرعوا في كنف حكومات ما بعد سقوط النظام عام 2003 أي أنهم نتاج تربيتها وما يصدر منهم هو نتيجة طبيعية لتغذيتهم بمفاهيم هذه الفترة ولا يلام أي احد غير الأحزاب التي اشتركت في الحكم طيلة الفترة المنصرمة لعجز أيدلوجياتها ومفاهيمها الفكرية عن النهوض بواجباتها تجاه شعبها وإقناعه بقدرتها على قيادته وتلبية مصالحه .

إن ما حصل هو انطلاق لتظاهرات شعبية عفوية كبيرة لا تهدف إلى الإساءة لأحد من الشخصيات أو لكيان معين أو لحزب معين بقدر ما هي كما تبدو توضيح لموقف عن حاجة الشعب للتعبير عن مطالب محددة لا تتجاوز الحق الطبيعي لأي شعب كفلها الدستور العراقي فأولا التظاهر هو حق والمطالبة بالخدمات الضرورية كالكهرباء وتوفير المياه الصالحة للاستخدام والصحة والتعليم وتوفير فرص العمل والسكن اللائق والأمن والأمان كلها حقوق طبيعية كفلها الدستور ولا يجب المطالبة بها لمشروعيتها وهي في صميم واجبات السلطة التنفيذية ولكن الانحراف بهذه التجمعات أو التظاهرات عن هذا المسار والاتجاه بها إلى تخريب ممتلكات مؤسسات الدولة أو الأشخاص هذا ما لا يقبله العقل والسلم المجتمعي وهذا ما يستحق الوقوف عنده كما يجب الوقوف عند وسائل معالجة الدولة بأجهزتها المعنية له فمن يخرج متظاهرا ويطالب بالإصلاح لا يمكن أن يخرب ويهدم ويحرق ولا يعتمد على احد وسط غليان ثورة الشباب وحماسهم وهذا بلا شك إذا كان مقصودا ربما يدلل على وجود أياد خفية اندست بطريقة أو أخرى بين المتظاهرين لغايات لا تبتعد عن إيجاد تبرر لأجهزة الدولة في ضرب المتظاهرين وتفتيت تظاهراتهم ولذلك فان على المتظاهرين عدم السماح لمن يحاول التخريب والإمساك به ومعرفة الجهة التي تقف خلفه وفضحها بقوة.

إن اخطر ما في هذه التظاهرات هو نقل الصراعات السياسية بين الأحزاب إلى الشارع واستثمار الجهد الشعبي العفوي والعمل على تصفية الحسابات من خلال إحراق مقرات الأحزاب فالمتظاهر يبحث عن حق ضائع والأحزاب السياسية تبحث عن حصتها في المناصب واثبات وجودها وقوتها وهذا ما يشعل فتيل نار فتنة لا يعلم حدود نهايتها إلا الله إذا ابتعد أصحاب القرار عن استحضار العقل والعمل به وقد تتطور لا سامح الله إلى قتال دموي يتبعه المطالبة بالثار لانتشار السلاح الواسع الذي يمتلكه الجميع خارج أجهزة الدولة المعنية به وما سيتبعه.

إن الواجب الوطني يفرض على الحكومة ومسئوليها وقادة الأحزاب السياسية إثبات قدرتهم في القيادة الناجحة للشعب وعلى استعادة ثقة الشعب التي تلاشت بهم لتهدئة الأوضاع ومنعها من التصعيد من خلال النزول إلى الشارع والالتقاء بالمتظاهرين بشكل مباشر ومعرفة مطالبهم وهي مشروعة وتغليب لغة العقل والتفاعل معهم ومناقشتهم في أساليب وإمكانية تحقيقها ضمن الدستور والابتعاد عن إطلاق التصريحات الاستفزازية والابتعاد عن استخدام العنف والابتعاد عن القمع والتعسف وتفويت الفرصة على المتربصين والمتصيدين بالماء العكر إلى جانب تفعيل الجهد ألاستخباري الدقيق والتحقق من صحة المعلومات الوارد لتجنب خلط الأوراق.

حفظ الله العراق وشعبه وجنبنا ويلات الحروب فكفانا ما أصابنا ولعنة الله على من يوقظ الفتنة

لا تعليقات

اترك رد