ضرورة الفن للحياة الأنسانية ج2

 

ألفن وسؤال الجاذبية:
إن أيسر السبل للوجود، هو الفن.”
يقول برتولد بريشت، الكاتب والمسرحي الألماني

– يسمح الفن للإنسان بالتواصل مع البشر بعده، يواجه ألفن مخاوف الإنسان من الفناء، ويسمح له بأن يترك بصمة أبدية بعده (مواقع التواصل الإجتماعي( .
تتغير وظيفة الفن وأسباب الإحتياج له بتغير العالم وقواعده وأشكال التفاعل فيه، إنه أبعد المنتجات الإنسانية عن الثبات والجمود، إن شكل الفن ووظيفته في مجتمع طبقي محتدم فيه الصراع، يختلف كثيراً عن شكله في مجتمع بدائي لم يصل بعد للطبقات. إن كل فن هو أبن عصره ونتاج تفاعله مع ظروف ومتغيرات لا حدود لها. مع ذلك، ومع كل التباينات والتناقضات بين المجتمعات المختلفة، فإن ثمة حقيقة ثابتة وجوهراً أساسياً خلف ألفن، تجعل إبن العصر الحديث يتفاعل مع نقوش للإنسان الحجري على جدران كهف قديم، أو يتأثر بمسرحية مضى على كتابتها مئات السنين.

إنها كلمات ذكرت في ملحمة منذ آلاف السنين مثل “ولدت لأحب لا لأبغض” ستظل تؤثر في الإنسان مادام إنساناً، وستظل توضح العناصر المشتركة بين البشر على تنوعهم واختلافهم، أو كما يرى – بريشت – فإن تطور الإنسانية ليس سوى نتاج إضافة تفصيل صغير إلى تفصيل صغير آخر.

لقد حاول كارل ماركس الإجابة عن سؤال جاذبية ألفن حتى بعد مرور مئات وآلاف السنين، كانت إجابته أن العصور القديمة ربما تعبر عن لحظة طفولة إجتماعية إنسانية ذات سحر خالد لن يعود، فكما أن هناك أطفال يسبقون عمرهم وأطفال يتأخرون عنه، فإن المنتج الجمالي لأولئك المجتمعات التي سبقت عصرها يظل فاتناً لأنه أتى في ظروف غير ناضجة؛ لكننا نشك اليوم في أن الملاحم الإغريقية تكتسب جاذبيتها من كون الإغريق أطفالًا سبقوا عصرهم، لقد كانوا يزدرون العمال، ويحتقرون المرأة.

كما أن آرائنا ونظرتنا للعالم تتطور وتختلف جذرياً يوماً بعد يوم، بشكل لا يسمح بتسمية مجتمع ما أنها تنتمي لعصر طفولتنا. لكن الشيء ألذي أضافه ماركس هنا هو قدرته على رؤية قدرة ألفن على تسجيل لحظة من لحظات الإنسانية، لتستمر في التأثير في فترات أبعد كثيراً، بشكل يحتفظ بسحر لا ينضب، يسمح ألفن للإنسان بالتواصل مع البشر بعده، يواجه ألفن مخاوف الإنسان من الفناء، ويسمح له بأن يترك بصمة أبدية بعده، يتحدى بها حياته القصيرة. إن تاريخ الإنسانية ليس مجرد طفرات وتحولات من فترة لأخرى، لكنه ناتج عن إتصال وإستمرار بين أجيال البشر وحضارتهم. يعتبر – بودلير – أن ألفن هو استخلاص الأبدي من الفاني والعابر، وأن الفنان هو من لا يستطيع تجاوز هذا العابر .

ألفن مازال يحتفظ بقدر من طبيعته الأصيلة وهي السحر، وهي التي لا يملك أن يكون فناً بغيرها.. يحتاج الإنسان للفن حتى يفهم العالم ويفهم نفسه، ويهون على نفسه القبح، بما يراه فيه من جمال.

لا يسمح ألفن للإنسان أن يتصل بمن بعده فقط، لكنه يسمح له بتواصل مع ذاته القديمة، ومحاولة فهم أعمق لها، وإن النفس البشرية تحتفظ داخلها بما يبدو، أنه أنتهى وعفا عليه الزمن، لكنه ينتظر لحظة مناسبة حتى يخرج على السطح جزء كامن ليترك أثراً في الحاضر قد يمتد لسنوات طويلة بعده.

يعتبر الكثير من المؤرخين أن أصول الفن ترجع للسحر، والأساطير الأولى، حيث كان أداة للإيحاء والخداع وإيهام البشر بأشياء تسمح بالسيطرة عليهم. لكن هذا الدور أخذ يتراجع ليفسح المجال لأدوار أخرى، تقوم بتنوير الناس والانقلاب على السحر نفسه، فلم يعد ممكناً أن يكون هذا الشكل البسيط إنعكاساً للمجتمع الإنساني بتشابك علاقاته وتناقضاته وتعقيداته.

لقد تطور ألفن حتى وصل إلى أن أصبح يسمح للجمهور بأن يكون جزءاً من العمل، أو ما يسميه – رولان بارت – بموت المؤلف، حسب المنهجية البنيوية. لكن ألفن بعد كل هذه التطورات مازال يحتفظ بقدر من طبيعته الأصيلة وهي السحر، وهي التي لا يملك أن يكون فناً بغيرها، يحتاج الإنسان للفن حتى يفهم العالم ويفهم نفسه، ويهون على نفسه القبح، بما يراه فيه من جمال وسحر .

دور الفنــــون فى تــرقيـــة الــمجتمع:
كما أن الفنون هى إفراز لثفاقة مجتمع ما … ، فإن ثقافة هذا المجتمع ، بصورة عكسيه، هى مرآة وناتج هذه الفنون …) ( محمد زاهر 2017 )، فالعلاقة التبادلية بين الفنون ، كقيمة ثقافيه تطرح على العامه، وبين عموم المجتمع، تجسيد حى متفاعل مع هذه القيم، ينبغي أن ترتقى دوماً إلى أعلى ولا تنحرف أبدأ.. ولو بقدر ضئيل إلى أسفل … ليس فقط على مستوى إعلاء قيمه الإحساس بالجمال ..، ولكن أيضاً على المستويات الأخرى كإعلاء قيم الأخلاق والفضيلة وقيمة العمل الجاد وقيمة العلم و قيمة الدفاع عن الوطن إلى آخر هذه القيم التى تمثل عصب نجاح و تطور أى مجتمع متحضر معاصر … لذلك فإن دور الفنان على كل مستويات ألفن : التشكيلى / الغناء / الدراما / الشعر يجب أن يرتقى ويكون دائماً ودوماً عنصراً إيجابياً مؤثراً يرتقى بهذه العلاقة التبادلية إلى أعلى ولا يهوى بها أبداً إلى أسفل … خصوصاً أن عموم الفنانين فى كافة مجالات الإبداع يشكلون صفوة المجتمع ويحظون بإعجاب خاص من عموم الناس، وإفتنان العوام بهم شئ ملحوظ، مما يوقع على كاهلهم فى الواقع مسؤلية أكبر وأعظم فى قيادة المجتمعات إلى التزكى الثقافى والترقى الحضارى على وجه العموم .

الفن والمجتمع:
( الفن: هو أحد الجنسين الكبيرين في العمل الفني بجانب الأدب ويعتمد على الصورة وتندرج تحته أنواع فن التصوير و النحت و العمارة و الموسيقى و الرقص و السينما). ( سامي جركس، ألفن والمجتمع بين الذوق والتذوق ) و الفن فرح و هو أسمى درجة من درجات الفرح التي يستطيع الإنسان ان يهبها لنفسه، و هو يخلص البشرية من حدودها و يعرض أسمى صور الإنسان و النماذج و القدوات. و هدف الفن النهائي هو التثقيف حيث يزال ضغط الحياة اليومية و ينطلق الأنفعال الجمالي كنشاط مستقل، و هدف ألفن، التوصل إلى الجمال وهو يهدئ من حزن حالتنا و يغير الحياة الواقعية، و الفن وسيط بين الحسية المباشرة و الفكر المثالي و هو تساؤل و خطاب موجه للمحبين له وهو نداء موجه للعقل و يدور حول إيقاظ الفرح في الإنسان وهو يتوسط البدائل المتطرفة في التاريخ و القانون والزمان و المكان، والفكر و العمل، والإنسان و الطبيعة وهو أداة لازمة لاتمام الاندماج بين الفرد و المجتمع، و أما فلسفة ألفن فهي محاولة لإظهار الأسس النظرية التي يقوم عليها العمل الفني ودراسة لمكوناته وعلاقة الشكل بالمحتوى وإن كانت تظهر في مستوى آخر وفي ظروف أكثر تعقيدا عما تبدو عليه في الطبيعة العضوية وغير العضوية، إلا أنها في جوهرها هي نفس القضية. ومضمون المجتمع هو إنتاج الحياة وإعادة إنتاجها، إبتداء من الحقيقة البسيطة القائلة بأن الكائنات البشرية ينبغي أن تأكل وتشرب وأن تسكن وتلبس، وانتهاء بذلك العدد الهائل من الآلات والمعدات والقوى الإنتاجية الحديثة. إنه التكيف لملائمة العالم الخارجي من أجل إشباع الإحتياجات المادية والروحية النامية للنوع البشري. وتتنوع الأشكال ألتي تتخذها هذه العملية، أشكال التنظيم الإجتماعي، والمؤسسات الإجتماعية، والقوانين، والآراء، والمعتقدات – تتنوع فيما بينها تنوعاً كبيراً، وهي تتلائم لفترة من الزمن مع حالة قوى الإنتاج، ثم تتناقض معها، فتصبح جامدة ومعوقة، ويكون لابد من تجديد إنتاجها ألفني.

إن قضية الشكل والمضمون الإجتماعي، منذ القدم ارتبط انتاج فكر الفنان وعواطفه الانسانية بما يحيطها من مخاطر الطبيعة والاعداء، وارتبط بالطقوس والسحر والمعتقدات لذلك (ليس ثمة حد فاصل بين اوجه النشاط الجدي التي نشأت عنها الصناعة، واوجه النشاط غير الجدي، التي تكون منها الفن، لان ملاحظة الواقع نفسها قد اظهرت بكل وضوح. ان الفن (عمل اجتماعي) (إبراهيم، زكريا، مشكلة ألبنية – 1976) والفنان نظر الى الفن نظرة جدية والفن ليس مجرد حرفة يرتزقون منها فحسب، فهو عمل يعتمد على التنظيم والتفكير والتصميم، والمجتمع نفسه يعتقد ان للفن وظيفة اجتماعية وبالرغم من ان الفنان قد انتج رسوماً وصوراً شخصية للامراء والاميرات، وتصميم النقوش على جدران المؤسسات والتماثيل التي تزدان بها قصور الملوك والامراء، الا ان الدعوات خاصة في العصر الحديث دعت الى اعتبار للفن حرفة ولابد للدولة من رعاية الفنان لكون الانتاج الفني يحقق ظاهرة اجتماعية مهمة.

والفن يستمد قوته من المجتمع الذي يرعاه ويشجعه. يقول سوريو (اننا لو قارنا الفن بالعمل الجدي الضروري، لراعنا ان ما نسميه بالنشاط الجدي انما هو على وجه التحديد ذلك العمل الذي تبدد (في العادة) دون ان يخلف ادنى اثر) ( إبراهيم، زكريا، مشكلة البنية، 1976) فالنشاطات التي يزاولها من جهود وحركات وكلمات وحتى بعض الحرف لم يبق منها غير الاثار الفنية من الاف السنين المتمثلة بالفخاريات والرسومات والتماثيل والحلي فالاثر الفني له خاصية المقاومة والبقاء لكونه ينفر من الاستهلاك، وغير نفعي، يستعمل في الحياة العادية. فالعمل الفني هو بمثابة (وثيقة) تسجل ظواهر وقيماً ومعتقدات يحرص المجتمع على الحفاظ عليها .

ولكن من جهة اخرى لا يعني ان الفن تقيده الشروط الاجتماعية طالما هو محترف يحقق ما يحتاجه المجتمع. لان الفن يولد عند الفنان نتيجة استجابة فردية منبعها الاحساس والذوق تظهر بتلقائية واشدها تعبيراً عن الحرية، فالفنان كائن مبدع يواجه المألوف بالمفاجئات الجديدة المبتكرة كي تحقق شخصيته المبدعة. فهنالك كثير من الفنانين رفض المجتمع انتاجهم في عصرهم وعاشوا في عزلة مثل (فانكو فاجنر دير التيونس، وشلي) وقت عرضهم للوحات، لكنها اصبحت فيما بعد ذات قيمة مهمة لدى المجتمع. ويرى الكثير من الباحثين ان الفن نشأ في احضان المعبد، لان المعبد هو الذي عمل على ظهور اقدم الفنون البشرية جميعاً متمثلة بفن العمارة، التي ظهرت الحاجة فيها الى تزيين جدران المعابد بالنقوش والتماثيل، مما دعا بعض الفنانين الى عمل تماثيل ملونة، فكان ذلك مدعاة لظهور فن التصوير الذي كان لا يستعمل الا لتزيين جدران المعابد. وعلى الرغم ان (آلان) يقسم الفنون الى نوعين:

– فنون فردية كالشعر والتصوير، وفنون اجتماعية (كالعمار والتمثيل المسرحي مثلاً) لكنه انتبه الى انه ليس ثمة فن فردي محض على الاطلاق .
فالفنان (روبنس) كان التصوير عنده يمثل عملية اجتماعية، ولديه معاونو الفنان يضطلعون بمهمة مزج الالوان ودهان بعض اجزاء قليلة الاهمية من اللوحة. فيقوم الاستاذ بوضع التصميم واللمسات الاخيرة.

وبعض المفكرين مثل (ستين) يعتقد بتطبيق المنهج الطبيعي للنقد الفني، فليس من حق الناقد ان يقدم لنا احكاماً شخصية او انطباعات ذاتية، بل يستند نقده الى علم طبيعي يحلل لنا العقلية البشرية في تطورها وصيرورتها، وتبعاً لذلك فان تحليل الاثر الفني وفهمه، او دراسة مجموعة من الفنانين، لابد ان نتعرف منها على الحالة العامة للروح الاجتماعية والاخلاقية السائدة، في تلك المرحلة. لذلك فالبعد الزماني عبر عن الطابع العام لاتجاه الفنون، وتبعاً لذلك اعتقد الفنان الحديث انه لم يعد كما كان في العهود السابقة سواء، عبداً يعمل في خدمة البلاط الملكي ( ماضي حسن، تنمية التذوق الفني 2005 )

وترتبط ضرورة ودور ألفن بتاريخ البدايات الأولى للفن، إن عمر ألفن يوشك أن يكون هو عمر الإنسان، فالفن صورة من صور العمل ، والعمل هو النشاط البشري (ماركس، رأس المال) وقد كتب هذا التعريف:عملية العمل. . هي نشاط هادف. .يرمي إلى جعل المواد الطبيعية ملائمة للاحتياجات البشرية. وهذه العملية هي الشرط العام الازم لتبادل المواد بين الإنسانية والطبيعة، وهي الشرط الدائم الذي تفرضه الطبيعة على الحياة الإنسانية، ولهذا فهي مستقلة عن أشكال الحياة الإجتماعية، أو بالأحرى هي مشتركة بين مختلف الأشكال الإجتماعية (في كتاب رأس المال)

من ذلك نستنتج بأن الإنسان لديه السلوك في التحكم بالأشياء ويجعلها ملك يده. .وتحويل الأشياء الطبيعية إلى أشياء تخدمه منفعة وجمالاً، إنه يحلم بالسيطرة على الطبيعة بوسائل سحرية، فالسحر في الخيال يقابل العمل في الواقع. والإنسان منذ مراحله الأولى ساحر، أي يضيف لها الأحلام والخيال الإبداعي

المقال السابقصباحك سكر
المقال التالىما بين العلمانية والاسلام
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد