” محمود باشا الفلكي ” أشهر علماء الفلك العرب في العصر الحديث …


 

أنبغ علماء الفلك والرياضيات العرب الذين ذاع صيتهم على المستوي العالمي في القرن التاسع عشر الميلادي من خلال أعماله العظيمة حيث كان أول عالم عصري خطط معالم الإسكندرية القديمة ونقب عن حفائرها وكشف عن آثارها وموقع سورها القديم وخالف علماء الحملة الفرنسية في بعض آرائهم، كما قام بإنشاء مدفع الظهر بالقلعة وغيرها من الأعمال الجليلة.
من أبرز ما ألفه أن وضع رسالة عن التقاويم العربية قبل الإسلام وهي رسالة فلكية تعد الأولى من نوعها في تحقيق تاريخ ميلاد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وكذلك موعد الهجرة النبوية، مستندا بالطرق الفلكية إلى تحديد تاريخ موت إبراهيم بن النبي صلى الله عليه وسلم بكسوف الشمس وقد حدد يوم كسوف الشمس باليوم والساعة ، كما أرفق برسالته دراسة مستفيضة في التقويم العربي قبل الإسلام ونشرت هذه البحوث الفلكية الثلاثة في سنة 1858م باللغة الفرنسية في المجلة الآسيوية التي كانت تصدرها أكاديمية العلوم البلجيكية ثم عربها أحمد زكي باشا بعنوان (نتائج الإفهام في تقويم العرب قبل الإسلام ).
محمود أحمد الملقب بمحمود حمدي الفلكي، ولد ببلدة الحصة بمديرية الغربية عام 1815م من أبوين فلاحين بأسرة بسيطة من صميم الشعب، نشأ في قريته وتلقى مبادئ القراءة والكتابة وعلوم الدين في كُتابها حتى بلغ التاسعة من عمره فالحقه شقيقه الأكبر الذي عنى بتربيته بمدرسة ابتدائية بالإسكندرية ثم بمدرسة الترسخانة (مدرسة البحرية) والتي انشئت في عهد محمد علي باشا وكان يديرها مهندس فرنسي خبير في بناء السفن وتخرج منها عام 1833م برتبة البلوك أمين وكان اخوه قد تخرج من نفس المدرسة وعين ضابطاً بالأسطول.
لم يتوقف طموح الفلكي بعد تخرجه بل انتقل إلى القاهرة عام 1834م وبسبب ميوله إلى الرياضيات والهندسة والفلك التحق بمدرسة المهندسخانة (الهندسة) واجتهد و ثابر فكان أول دفعته التي تخرجت عام 1839م.
كان الفلكي شغوفاً نحو علم الفلك فاخذ يدرس الطلاب هذا العلم الذي ادخل عندئذ في المهندسخانة لأول مرة، مستعينا بالمراجع الفرنسية التي وضعها كبار علماء الفلك بفرنسا وساعده في ذلك إتقانه للغة الفرنسية، كما تولى إدارة المرصد الفلكي الذي أُنشئ آنذاك، وظل الفلكي يقوم بتدريس الرياضيات والفلك ومديراً للمرصد بالمهندساخنة (1839م – 1850م) وتخرج على يديه تلاميذ انتفعت بمواهبهم هذه العلوم مثل علي باشا مبارك الذي أصبح وزيراً للمعارف، وعلي إبراهيم باشا الذي عين وزيراً للمعارف وحماد عبد العاطي باشا الذي عمل مستشاراً لمحكمة الاستئناف في أواخر حياته رغم عدم دراسته للحقوق وإسماعيل باشا الفلكي الذي تولى نظارة المهندسخانة وغيرهم.
واُبتعث الفلكي إلى فرنسا في 8 أكتوبر 1850م ضمن البعثة التي أرسلت لتعلم الفلك في مدينة باريس وكان عدد أعضاؤها ثلاثة أعضاء فبالإضافة إليه كان معه إسماعيل مصطفى الفلكي وحسين إبراهيم وعُهد إلى محمود الفلكي برئاسة البعثة حيث كان وقتها عمره 35 سنة.
اتخذ المرصد الفلكي بباريس مقراً له وزار المراصد والجامعات الكبيرة في المانيا وبلجيكا وبريطانيا وغيرها وتجول بين العواصم والمدن الأوروبية وأتم بحوث فلكية نشرتها له المجلات العلمية الاوروبية والتي لفتت اليه انظار العلماء الاوروبيين ومكث بفرنسا تسعة أعوام.
وبعد أن نال أعظم الشهادات العالمية في أوروبا عاد إلى مصر في 18 اغسطس سنة 1859م وكان ذلك في عهد سعيد باشا الذي كلفه برسم خريطة مفصلة للقطر المصري فوضع خريطة للوجه البحري فكانت خريطة غاية في الدقة والصحة طبعتها الحكومة على نفقتها ووضع خريطة أخرى للوجه القبلي وأخرى عن عروس البحر الأبيض المتوسط مدينة الإسكندرية.
وفي عام 1860م عهد إليه بالرحلة إلى مديرية دنقلة بالسودان لملاحظة كسوف الشمس الكلي في 18 يوليو من نفس السنة وكانت مدة الكسوف لا تزيد عادة على دقيقة واحدة فانتشرت بعثات الرصد في أماكن عديدة ، وسافر عن طريق النيل وأدى المهمة على أكمل وجه فعين زمن ابتداء الكسوف الجزئي وزمن ابتداء الكسوف الكلي وانتهائه، كما وضع رسالة عن هذا الكسوف قدمها إلى سعيد باشا وإلى أكاديمية العلوم بباريس فنالت استحسان العلماء واثنوا عليه وخلال إقامته في السودان حقق المواقع الفلكية على النيل.
كما عمل ناظراً لمدرسة المهندسخانة من يونيه سنة 1871م وحتى أغسطس من نفس السنة وتولى نظارة الرصدخانه ،كما مثل الحكومة المصرية في المؤتمر الجغرافي الدولي بباريس عام 1875م، وعين وكيلاً للجمعية الجغرافية الخديوية منذ أن أنشائها الخديوي إسماعيل باشا في عام 1875م بالقاهرة وكان إسماعيل باشا قد عين العالم الالماني جورج شفينفورت رئيساً لها وأصدر أمراً بمنح الجمعية إعانة سنوية قدرها 400 جنية واهدي إليها 2500 مجلد لمكتبتها بعد أن انزلها بقصر من قصوره، وكان الغرض منها دراسة العلوم الجغرافية والاهتمام بالأبحاث العلمية بالإضافة إلى استكشاف الأراضي الافريقية المجهولة مما يتيح فرص توسع التجارة المصرية وقد تولي الفلكي رئاسة الجمعية في أواخر حياته وبقي يتولاها حتى وفاته.
وفي عهد الخديوي توفيق باشا انتخب عضوا بالمعهد العلمي المصري ثم وكيلاً له عام 1880م، ومثل الحكومة المصرية في المؤتمر الجغرافي الدولي في فنيسيا عام 1881م وهو العام الذي مُنح فيه رتبة الباشوية وتولى وزارة الأشغال العمومية في وزارة إسماعيل راغب باشا، كما عين وكيلاً لوزارة المعارف في وزارة شريف باشا عام 1882م، ثم اختير ناظراً للمعارف العمومية في وزارة نوبار باشا الثانية في عام 1884م وحتى يوم وفاته.
ويروى أحمد سعيد الدمرداش في كتابه عن الفلكي أنه في يوم 18 يوليو 1885م توجه محمود الفلكي وزير المعارف إلى الجبانة وحث العمال على سرعة الانتهاء من استكمال القبر الذي كان قد رسمه لنفسه وبعد أن تأكد ما أنه أصبح جاهزاً عاد إلى مكتبه.
وفي اليوم التالي الموافق 19 يوليو 1885م توفي الفلكي فجأة وهو صحيحاً معافا في عهد الخديوي توفيق باشا بعد أن كان معاصراً ومشاركاً في بناء دولة مصر الحديثة في عهود كل من محمد علي وعباس الأول وسعيد وإسماعيل وتوفيق.
رحل بعد أن رفع راية البلاد في البحوث العلمية ومحافل العلم في بلجيكا وفرنسا وإنجلترا والمانيا و النمسا ، فكان خير من أنجبتهم مصر في القرن التاسع عشر الميلادي وقد قامت الجمعية الجغرافية الخديوية بتأبينه في اجتماعها يوم 8 يناير سنة 1886م والقى إسماعيل باشا الفلكي والاميرالاي محمد مختار محاضرة عن حياة وإنجازات الفقيد رحمه الله.
فكر قبل وفاته في إعداد قاعة عامة في بيته تخصص لمن يرغب في مطالعة ما يملكه من الكتب والمخطوطات والخرائط النفيسة ولم يسعفه الوقت وقد تحققت فكرته بعد وفاته حيث اهدت كريمته مكتبته الحافلة بالكتب والمخطوطات النفسية في مختلف العلوم إلى دار الكتب المصرية عام 1929م وكانت تضم 600 مجلد.

المقال السابقالصَبر الإستراتيجى
المقال التالىالمرأة هي وجه الحضارة … أهلا بكم الى مملكة المسوخ
الدكتور عمر الشريف عمر محمد عبد العزيز الشريف، كاتب وباحث مصري يمارس البحث التاريخي بصورة حرة. من مواليد مدينة طنطا عام 1989م. حاصل على بكالوريوس الصيدلة الإكلينيكية من جامعة المنيا عام 2011، وله مقالات عدة نُشر بعضها بوكالة عرب نيوز الإخبارية وأهرام الدلتا، كما صدر له كتاب "أعلام منسية من أرض الغر....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد