الديمقراطية والخصوصية الثقافية ( رؤية عربية )

 

إن التعريف الشائع لمصطلح الديمقراطية هو : ” حكم الشعب بالشعب وللشعب ” ، وهو مأخوذ من تجربة النظام السياسي التي كانت عليه بلاد اليونان قديمًا ، وبالأخص مدينة أثينا ، ولكنه بالنظر إلى طبيعة التجربة قديمًا فإنه يلاحظ أنها كانت مقتصرة على طبقة بعينها من أبناء المجتمع الأثني ، لها حق الكلام في الأمور السياسية والاجتماعية والاقتصادية ، أما غالبية أبناء الشعب ( الطبقات الفقيرة والمنبوذة والنساء ) فإنها كانت محرومة من المشاركة، أي كانت ديمقراطية انتقائية نخبوية .
وقد تطورت التجربة الديمقراطية بعدئذ ، مع تنامي طبقات المجتمع الفقيرة في أوروبا ، الثورات سواء كانت بيضاء أو دموية ، ومع تنازل الرأسماليين عن بعض أرباحهم لصالح تحسين ظروف العمل في المزارع والمصانع وتحسين مستوى المعيشة للعمال ، ومع ظهور أحزاب ونقابات قويت بمرور السنوات ، وباتت حارسة لحقوق الإنسان في المجتمعات الغربية ، الأمر الذي جعل مختلف شرائح الشعب تنال أشكالًا متعددة من المشاركة السياسية وتعددت بالتالي تطبيقات الديمقراطية كأشكال مختلفة ، فالتجربة الديمقراطية الغربية قدمت أشكالاً عدة للديمقراطية بين نظام رئاسي أو برلماني أو ملكية دستورية ، وهي تجارب قابلة للتطبيق والتغيير لكل دولة من دول العالم ، مع الحفاظ على جوهر المفهوم ألا وهو الحرية والمساواة ، فصار التعريف الديمقراطي الأدق هو : حكم الشعب بنخبة من الشعب لصالح الشعب ، حيث تتقدم النخبة من أبناء الوطن ، عبر طرق انتخاب سليمة نزيهة ، كي تختار من تراهم الأصلح من هؤلاء النخبة ، فالشعوب تعتني بمن يسعى لتحسين أحوالها المعيشية والعيش بحرية وكرامة وضمان حقوقها.
ولذا نجد أن أكثر التعريفات للديمقراطية ( من كونها ضمانة للحقوق ) تعريف ” لورد برايس ” والذي يقصر هذه الحقوق على ثلاثة : الحقوق المدنية أي تحرير شخص المواطن وممتلكاته من سيطرة الحكومة ، والحقوق السياسية أي تحرير المواطن من سيطرة الحكومة في الأمور التي لا يبدو بوضوح أنها تؤثر في صالح المجتمع كله تأثيرًا يحتّم تدخل الدولة ، والحقوق الدينية أي السماح بحرية التعبير عن الآراء الدينية وممارسة العبادة.
وبالتالي ، فإن آليات التغيير في المجتمعات الديمقراطية لا تعتمد على الثورات المسلحة ، أو جماعات العنف السياسي ، بل تكون وسائل التعبير السلمية وجمعيات المجتمع المدني والأحزاب السياسية ، في ضوء الدستور الذي يسمح عبر مواده وثوابته ، بإحداث هذا التغيير ، الأمر الذي يوفّر الدفق الفكري المناسب لمختلف الأفكار كي تعبّر عما تريد، وتصل إلى قطاعات الشعب المختلفة ، أو يصل أصحابها إلى مواقع التأثير وصنع القرار أو يشاركون السلطة التنفيذية، من خلال برامجهم الانتخابية .
وبالنظر إلى أن أهمية نشر الديمقراطية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية ، والتي تحمل تراثا كبيرا من الشريعة ومن منجزات الحضارة العربية الإسلامية ؛ فإن مفهوم الديمقراطية له خصوصية بعيدًا عن التكوين العلماني الذي اتصفت به الحضارة الغربية ؛ فالإسلام يحمل تجربة ضاربة في التاريخ لأشكال متعددة من الحرية لفئات الشعب المسلم ، فقد وجِدَت المشاركة السياسية في بدايات تكوين الدولة الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين ، بأشكال متعددة في الاختيار ، وبالرغم من تحوّل الخلافة إلى ملك عضود وراثي ، إلا أن فئات واسعة من أبناء المجتمع المسلم حظيت بأجواء من الحرية في أغلب فترات الخلافات الإسلامية المتعاقبة ، وهذا ما جعل المجتمع يموج بتيارات فكرية وسياسية وعلمية عديدة ، ويقدّم في نهاية الأمر تجربة متميزة للحضارة الإنسانية العالمية.
فالعرب والمسلمون المعاصرون حين يتبنون التجربة الديمقراطية الغربية ، يحملون أوجهًا فقهية شرعية ورصيدًا من تجارب التاريخ . والفقهاء السياسيون في الإسلام ، وفي مقدمتهم الماوردي والغزالي والطرطوشي وابن الحداد وابن عقيل وابن تيمية وابن خلدون وآخرون يؤكدون أن ” نظام الدنيا ” ينبغي أن يستند إلى مبدأين رئيسيين هما : السلطان القاهر والعدل الشامل ، فإذا استقر هذان المبدآن ، عمّ الخيرُ وانتشرت السعادة الدنيوية وعمر العالم . ويقصد بمبدأ العدل في السياسة : رفع الظلم عامة ، متجاوزًا المجال السياسي، ليعني التوسط في الأمور وعدم الخروج من حالة العدل إلى ما ليس من حالتي الزيادة والنقصان ، وبعبارة أخرى فإن العدل السياسي بمعنى حراسة الرعية بإقامة التناصف بينهم ، وتحقيق مصالحهم ، هو الأصل الذي يفضي إلى العمران الشامل ، فالعدل كمفهوم هو ضد الظلم بكافة أشكاله ، على مستوى الفرد أو مستوى الجماعة ، وهو يوازي مفهوم الحريات والمساواة وحقوق الإنسان في التنظيرات السياسية المعاصرة ، إلا أنه مؤطر بأسس الشريعة الإسلامية ، التي تحد من كل هوى أو جنوح يصيب الفرد أو المجموع تحت دعاوى الحرية ، كالشذوذ أو الإلحاد أو الإفساد في الذات والمجتمع . وكما يقول الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله ، شهداء بالقسط ، ولا يجرمنك شنئآن قوم على ألا تعدلوا ، اعدلوا هم أقرب للتقوى ، واتقوا الله ، إن الله خبير بما تعملون } (سورة الأنعام ، الآية 152 ) .
ولعل تعدد نماذج التجارب الديمقراطية ، وبالتالي غياب نموذج أوحد في الحكم الديمقراطي ؛ يمنح المجتمعات البشرية إمكانية المحافظة على مقوماته الأساسية من مؤسسات وثقافات وعادات وتقاليد وأعراف وتاريخ ، وفي الوقت نفسه إرساء آليات ديمقراطية تسمح بالتنوع في ظل الوحدة وتمنح لأكبر عدد ممكن من المواطنين حق تسيير الشؤون العامة وتحديد الاختيارات الكبرى ، وضمان حقوق الأقليات دون تهميش .

لا تعليقات

اترك رد