اميرة بفردة حذاء


 

عندما كنا بناتاً صغيراتٍ، كانت لدينا كل الثقة بأنْ نلعب و نركض ، لا نهتم بما نرتدي، حتى و إنْ خرجت للامام كروشنا فلا نخجل. كنا نتسابق بصوت ضرب البطن ، والتي تملك بطناً أضخمَ ، تصدر أصواتاً أعلى حين نضربها ونحن نعضُّ أطرافَ الثوب بألسنتنا ضاحكين.
كانت العرائس المصنوعة من القماش والصوف، والتي ترافقنا مع كل مغامرةٍ مجنونة خفية من اهالينا، لا تملك خصراً نحيلاً، سيقاناً متناسقةً، أو رموشاً طويلةً. هي أيضا ليس لديها شعر ناعم لامع اشقر اللون. كانت تلك المواصفات غير مهمة لجيلنا حيث لم تتلوث حواسنا بعد، و لم تتأثر بالإعلانات والحملات الدعائية التي تفرض خطوط الجمال علينا. ما كان مهماً لنا من تلك العرائس البيضاء القطنية هو أن تلبي احتياجاتنا الفطرية للعطاء من الحب عند كل أنثى وهي أن تكون أماً وتلعب ذلك الدور معها.

عندما أسأل أمي أن تخيّط لي لعبةً جديدةً ،ذلك بأن القديمة قد ترهل قماشها واصفر لونها من شدة حرارة الشمس او تلطخ ثوبها البسيط بسبب مرافقتها لي حين أأكل قطع السكر المجمد والتي لم أشعر بالأسى أو تأنيب الضمير حين ألتهمها . قطع السكر تلك، يبيعها رجل يرافق العربة بالحمار ليبدل أشياء البيت القديمة والتي لا حاجة لنا بها بقطعة سكر مصنوعة بأشكال الدببة، فالدببةالسمينة كانت رمز البراءة والطفولة والجمال. ومن شدة حبي لهذه الحلوى بعت كل أشياء بيتنا القديم حتى أمتلكها يومياً، حتى أن وصل بي الحال أن آخذ نعل جدتي التي تلبسها واحدة تلو الأخرى لآكل الحلوى تلك دون الإكتراث بالسعرات الحرارية التي تحتويها أو بجدتي التي تبقى تبحث عن نعلها دون جدوى.

جدتي التي كانت تصف بنات جيلها بأوصاف مغايرة تماما مع معايير جمال اليوم. فالعيون الواسعة ، والفم كالخاتم(وصف لصغر الشفاه) والأنف الذي يشبه القلم من شدة حدته ورفعه والجسم (المربرب) اي المملوء وغيرها من المواصفات التي تتفق عليها الكثير من الثقافات آنذاك. حيث أنها تختلف عند غيرها من ثقافات اخرى . ولكن يمكن لنا رؤيتها من خلال اللوحات العالمية الخالدة للنساء. أمّا اليوم، نجد معاييراً للجمال على عكس ذلك تماماً فالشفاه التي تشبه شفاه الممثلة الامريكية انجلينا جولي وعظمة الفك القوية وغيرها من المواصفات التي لا أود ذكرها لكثرتها هي محط الأنظار.

لم أكن أكترث لمعايير الجمال التي كانت تتمناها الكثيرات أن تقتنيها ، سوى قلم الحمرة (الاحمر) والكحل الأسود التي كانت تمتلكها والدتي، فعند امتلاكها سأكتمل بالجمال الذي أراه بوجهها كل مرة أراها. لكن للاسف معايير الموضة والجمال والرشاقة اليوم بمجتماعتنا قاسية وملحة جداً بحياة الفتيات، كما أنهُنّ يتعرضْنَ للتهكم من قبل المجتمع الذي يعشْنَ به. من المؤسف بأن البيئة المحيطة بهن تؤثر على الذوق العام مما يجعلهن أكثر عرضة للإحباط حين لا يصلن إلى المستوى المطلوب ويعكس ذلك على الحالة النفسية التي تزداد اضطراباً، مما يؤثر سلبياً عليها من حيث اللجوء لعادات سيئة تؤذي الجسد أحياناً كالأكلِ بشراهةٍ واللجوء لعقاقيرَ غير مرخصةٍ لإنزال الوزن أو التوقف عن الأكل تماماً الى حد الموت!. وذلك كله لإرضاء الذات عبر إرضاء الآخرين، فمن المعروف بأنك لو عشت بجسدٍ تعتبره قبيحاً فلا تشعر بالسعادة مطلقا.

إستلهمت مقالي هذا من قصة فلم حضرته مؤخراً يختصر قصة شابةٍ ترى نفسها قبيحة وسمينة ولاتملك من معطيات الجمال المطلوبة داخل مجتمعها، فكانت تعيسة إلى أبعد الحدود كما أن ثقتها بنفسها شبه معدومة و كانت تطلب من الرب بكل ما تملك من إيمان بأن تحل عليها معجزة لتغير هيأتها كي تصبح جميلة، لأنها عجزت بأن تفعل ذلك بنفسها حتى يتقبلها ويحبها الآخرون. و هنا قد أتى القدرُ بمعجزتهِ في حادثٍ بسيطٍ أصابَ رأسَها وغُمِيَ عليها، تصحو هذه الشابة أمام المرآة لترى نفسها نحيفةً وجميلةً جداً(رغم أن لا شيء قد تغير بمظهرها الخارجي) ولكن ما تغير هو رؤية عيناها لنفسها وذلك عزز الثقةَ بنفسها وزاد حبها لجسدها الذي يحمل روحها. وبهذا أصبحت نظرتها الراضية عن جسدها مرآة عكستها على كل من مرَ بحياتها ليراها أكثر جاذبيةً مما كانت عليه. كما أصبحَت إمرأةً قويةً ومحبوبةً عند الجميع. بهذا أصبحت بطلة الفلم جميلة لأنها وثقت بنفسها. كما يسلط الفلم الضوء على النظرة العنصرية ضد الشكل والمظهر والتي تُؤثر على الفرد بجوانبٍ عديدة بالحياة، فمثلا نجد أن الشخص الأكثر وسامةً وجمالاً يتقاضى مرتباً أعلى، و الطالب الأكثر جاذبية في الشكل ينال إهتمام مدرسيه أكثر من زملائه.

ما أود قوله أنني لا اعتقد بالمقولة التي تقول بأن الجمالَ جمال الأخلاق. فلا منازع أن الجمال الخارجي والداخلي يقفون على قدم المساواة ولكن يجب علينا أن نحب هذه الهدية الربانية (أجسادنا) ونرضى بها كما هي ونعتني بها، وأن الجمال الداخلي هو الذي يحوزُ على النصيب الأكبر من التقدير. وعندما تكتمل السلامة النفسية حينها نستطيع شد الرحال الى رحلة الجمال التي حددها لنا المجتمع والحملات الإعلانية لنحصرها بهوس بصندوق أفكارنا و نبحث عنها بكل الطرق سواءاً كانت بالحمية الغذائية أو بعمليات التجميل. ويبقى جمال الروح مخيفاً بالقوة التي يمنحها لحامله والتي تأثر بأيجابية عليه وعلى من حوله. وكما يقول العاشق لله والجمال جلال الدين الرومي: لعل الأشياء البسيطة هي أكثر الأشياء تميزاً ولكن ليست كل عين ترى.

يبقى الجمال في الغالب بلا مقياس واضح ودقيق، لأنه مسألة نسبية تختلف على تقديرها والحكم عليها أعينُ البشر حسب تجاربهم الذاتية بالحياة، ووعيهم للجمال. لهذا، لا يجب أنْ تُؤثر هذه الآراء على الحالة النفسية وأن لا أحد كامل بهذه الحياة، وأن من يرى الرشيقة جميلة يراها الآخر نحيفة ولا قرابة لها للجاذبية. فمن المؤسف أن نتعقد بأن الجمال هبة يولد بها الإنسان إذ أنها إحراز داخلي وخارجي. فبرأييَ الشخصي أنني أرى أنه لا وجودَ لشخص قبيح في هذه الدنيا فَلكل فرد صفةٌ أو شيء جميل ينفرد به عن غيره (وإنما الجمال في العيون التي ترى كل شيء جميل) كما قال الرومي.
وتبقى أُسطورة الأميرة سندريلا جميلة بأعين صغيراتنا حتى وإن بقيت بملابس متسخة وبالية وفردة حذاء واحدة تنتظر أميرها ليعيد لها الفردةَالأخرى.
فيا من تريدين الجمال الذي عند سواك تذكري أن لكل امرأة صفة تميزها عن غيرها. فالبعض منا قد تكون مذهلة، استثنائية، ساحرة، جذابة، ذكية وبعضهن قد تمر بحياة شخص ما ولا تتكرر. لهذا يجب أن تعلم كل انثى ان بها ما يميزها عن غيرها. فلها شخصها، تفكيرها، عمق احساسها، عطرها، لونها وقلبها وعيونها التي ترى بشكل مختلف عن غيرها. بأعتقادي أن ما نحتاجه ليس عقاقير إخفاء الشحوم و التجاعيد وانما الغوص بعمق الذات ومعرفة ما يميزنا عن غيرنا واضهاره للملاء والاشراق كل يوم بكل ما نمتلك من جمال.

لا تعليقات

اترك رد