علم الأخلاق وأنماط التفكير الإنساني

 

إن المعنى الضمني للعقلانية بالنسبة إلى علم الأخلاق هو أنه باعتبار أن حرية الاختيار هي الخاصية التي تفرق بين البشر وبين الحيوانات الأخرى إذا كان لدينا أي واجب لاحترام الناس بأي حال من الأحوال فإن هذا الاختيار هو ما يجب أن نحترمه .
تناول علم الأخلاق سلوك الإنسان وأفعاله الصادرة عنه بإرادته مباشرة أو بالواسطة ومقصدنا بالإرادة المباشرة التصرفات التي تصدر من الإنسان ويكون مسؤولا عنها كالغيبة والكذب والتكبر فإن هذه التصرفات يستطيع الإنسان أن يرتكبها ويستطيع كذلك أن يبتعد عنها . فهي من الأفعال الصادرة بإرادة مباشرة .
وأما الأفعال الصادرة عن الإنسان بالواسطة فهي كما لو قصر شخص ولم يتحفظ عن مجالسة بعض الأشخاص الذين لا يتحرزون عن الكذب والمعصية وارتكاب الأفعال المشينة ,فعدم التحفظ والتقصير أيضا من مواضيع علم الأخلاق .
وينقسم علم الأخلاق إلى فروع عديدة منها علم الأخلاق السياسي وعلم الأخلاق الاجتماعي وعلى الأخلاق الاقتصادي وعلم الأخلاق العلمي وغيرها كثير ولكل فرع من الفروع أدبياته الخاصة وعلومه الناظمة وقوانينه المرعية الإجراء .

لماذا ندرس علم الأخلاق :
يدرس الناس علم الأخلاق لأساب متعددة يمكن أن نذكر منها :
تعزيز السلوك العام والميل نحو البساطة والابتعاد عن التعقيد في مقاربة الموضوعات بما ينسجم والقواعد الأخلاقية . يتذكر الناس المقولة القديمة التي تقول:” لكل مشكلة معقدة ، هناك حل بسيط ومتقن .” يساعد علم الأخلاق في التعامل مع المسائل والقضايا المعقدة وتبسطها .
حل التضارب في المبادئ الأخلاقية والاحتكام إلى المنطق الأخلاقي وتحليل التناقض وتبسيط الأمر وتوضيح المزايا والرزايا .
التكيف مع التغير في المبادئ الأخلاقية البطيء والمؤكد فما كان مقبولا من الناحية الأخلاقية قبل عشرين عاما لم يعد يعامل بنفس الأهمية أو المنظور وهذا يفسر صراع الأجيال عبر التاريخ .
التوفيق بين المعايير الأخلاقية للمؤسسة التي تعمل بها وبين المعايير الأخلاقية التي تمتلكها أنت في الحياة الخاصة وبين المعايير الأخلاقية التي نعيشها في السوق والشارع . أنت شخص واحد لكن المعايير الأخلاقية التي تسكنك تختلف تبعا للحالة والظرف اليومي الذي تعيشه .
في الحياة المهنية هناك تصادم دائم بين القيم والمعايير الأخلاقية التي نحملها وبين القرار الذي يجب أن نتخذه أو نخضع له ولهذا السبب نقع في التناقض ومن هنا كان التفكير القانوني الذي يقول ليس كل ما هو أخلاقي قانوني . فقد يكون القانون غير أخلاقي وليس كل قانون بالضرورة أخلاقي والعكس. علينا في الحياة المهنية أن نميل إلى التكيف بين قيمنا الأساسية التي نؤمن بها وقيم المؤسسة التي نعمل بها ونفصل بين القيمتين .

الأخلاقيات الفلسفية والأحكام الدفاعية
الأخلاق في أصلها ونهجها الدراسي والعلمي فرع من فروع الفلسفة والفلسفة في المرتبة الأولى من قائمة اهتماماتها تدرس الخطاب وتستقريء الطرق التي نعبر بها عن الأشياء إن كانت صغيرة أو كبيرة وتساعدنا على فهم تجاربنا في الحياة والعثور على أجوبة للأسئلة الكبرى في حياتنا عبر تكريس فهم المبادئ الأخلاقية واستيعاب للسلوك البشري وكيف نواجه التحديات الكبرى في حياتنا . لهذا السبب علينا أن لا نطلق أحكاما دفاعية وأحكاما مسبقة إلا بعد تفهم المسألة التي نعيش فيها.

مصطلحات علم الأخلاق :
كثيرة هي المصطلحات في علم الأخلاق وربما كانت حوارات سقراط وأفلاطون الركيزة الأساسية التي اعتمد عليها علم الأخلاق في تنظيم فكره وشؤونه الداخلية ثم يأتي فريدريك نيتشه في القرن العشرين ليعطي علم الأخلاق بعدا جميلا في كتابه “أصل الأخلاق وفصلها ” وينير الدرب للفلاسفة اللاحقين في مقاربة القضايا الأخلاقية في الفلسفة والحياة .
ربما كانت أهم المصطلحات في علم الأخلاق هي ” الأخلاقيات morals ” و “علم الأخلاق ethics” و ” الفضيلة virtue ” و ” التقوى piety ” و ” العدالة justice” ونقيضاتها. وهنا سنمارس شيئا من التمحيص في البعد الأخلاقي ونربطه بالحياة من خلال مقاربة المصطلحات الأخلاقية بشفافية العابد الزاهد في هذه الحياة :
الأخلاقيات أو المبادئ الأخلاقية :
وهي مجموعة القواعد البديهية غير المكتوبة والواجبات التي تحكم سلوكنا كأشخاص تجاه أشخاص آخرين وتجاه المجتمع .
أمثلة على الأخلاقيات
لا تؤذ الناس ( دعوة للرفق والشفقة ) .
لا تتفوه بالأكاذيب ( دعوة للصدق والوفاء ) .
لا تأخذ أكثر من نصيبك المستحق ( دعوة للإنصاف ) .
وهي نفس المبادئ التي يجب على رياض الأطفال تكريسها لدى الأطفال في السنوات المبكرة من العمر .

القيم الأخلاقية :
وهي المواقف المرغوبة من قبل ولأجل الناس كل الناس وما نريد زيادته وتشجيعه ومن الغايات والأهداف الأخلاقية .
أمثلة على القيم
الصحة ( مقابل المرض )
الثروة ( مقابل الفقر )
السعادة ( مقابل البؤس )
الحرية والعدالة واحترام حقوق الإنسان ( مقابل الظلم والجهل وقمع الحريات )
الفضائل الأخلاقية :
وهي ظروف الناس المرغوبة لكل الناس ولكي يعمل المجتمع ويرقى بصورة جيدة.

أمثلة على الفضائل الأخلاقية
الحكمة ( مقابل الجهل والتهور )
الشجاعة ( مقابل الضعف وعدم الثقة بالنفس )
ضبط النفس ( مقابل الطمع والرشوة والانغماس في الملذات )
العدالة ( مقابل الأنانية والمحاباة والمراوغة )
علم الأخلاق
وهو دراسة الأخلاقيات والواجبات والقيم والفضائل وتفنيدها لإيجاد:
صلاتها وعلاقاتها النظرية مع بعضها ومع المجتمع
كيف تعمل من خلال الممارسة العملية
وهناك من يصف علم الأخلاق على أنه كامل حقل الأخلاقيات والقواعد والأصول الأخلاقية والواجبات والقيم والفضائل وكل ما يلزم لتوجيه السلوك البشري نحو الخير والحق والعدالة .
وما القواعد الأخلاقية ومدونات السلوك التي تقوم بها الشركات والمؤسسات إلا محاولة لتطبيق قواعدها الأخلاقية وأسلوب حياتها أثناء وجود العامل أو المستخدم في مكان العمل وهذا ما نسميه مدونة السلوك للأخلاق المهنية Code of conduct for Professional ethics .
المبادئ الأخلاقية :
وهي مخططات مفاهيم عامة جدا تلخص نطاقا من الأخلاقيات والفضائل والقيم التي يمكن أن تستمد من الأولويات الأخلاقية .

الالتزامات الأخلاقية وقواعد علم الأخلاق :
لا يميز الكثيرون بين ” المبادئ الأخلاقية ” و ” علم الأخلاق ” أو بين “الالتزامات الأخلاقية ” و ” الواجبات الأخلاقية ” أو بين ” الدستور الأخلاقي ” و”المدونة الأخلاقية ” أو بين ” الأخلاقيات ” و “علم الأخلاق ” . فالمبادئ الأخلاقية تحكم التصرفات وتأمرنا بإتباع الأصول والقواعد وتلفت انتباهنا إلى الالتزامات الأخلاقية التي تنظم سلوكنا وحياتنا وتأمرنا المبادئ الأخلاقية بألا نسرق أو نرتشي والمرء الذي يجد ما يغريه بالسرقة أو الرشوة ولا يسرق أو يرتشي أما الشخص الذي يستسلم للسرقة والرشوة فهو شخص عديم الأخلاق . علم الأخلاق فرع علمي أكاديمي تخصصي بأنماط التفكير بدلا من السلوك فهو يدرس ويحلل ويقارن ويتبع الارتباطات المنطقية بين المبادئ الأساسية والالتزامات الأخلاقية .
يمكننا أن نعيش حياة أخلاقية من دون المعرفة بعلم الأخلاق لكننا لا نستطيع مناقشة المبادئ الأخلاقية لحياتنا أو ندافع عنها أو نضعها في سياقها التاريخي من دون الأدوات الثقافية التي تمكن من ذلك وهنا يأتي دور علم الأخلاق لتزويدنا بذلك .
وتعد المبادئ الأخلاقية شرطا مسبقا للأخلاق في اتجاهين أساسيين :
المبادئ الأخلاقية تختزل تعاملاتنا مع بعضنا البعض وهي الموضوع الرئيسي لعلم الأخلاق
الالتزامات الأخلاقية هي القواعد والأصول التي يقوم عليها علم الأخلاق مثل المنطق والنزاهة .
وفي هذا السياق نجد القاعدة الذهبية المألوفة التي تقول إننا يجب أن نعامل الآخرين كما نود أن يعاملوننا تمثل بيانا دقيقا للالتزامات الأخلاقية . والوفاء بالالتزامات الأخلاقية يسبق الأخلاق .

مبادئ علم الأخلاق :
يتعلق علم الأخلاق في الأساس بالبشر . ولهذا السبب نسميه أحيانا علم الأخلاق البشري لأنه يركز على حقوق وواجبات البشر ومصالحهم , ويتمركز على الحياة الإنسانية من قيم الغذاء والمعاملة العادلة والسلام واحترام حقوق الإنسان والسمات الأساسية للطبيعة البشرية وينطلق علم الأخلاق من حقائق ثلاث وهي أن :
الناس متجسدون لهم أجساد ولهذه الأجساد رغبات وحاجات وخيارات ولها حاجات فيزيائية وروحية ويجب المحافظة على التوازن بين الحاجات الروحية والجسدية .
الناس اجتماعيون يحتاجون للحياة في مجموعات لهم حقوق وعليهم واجبات بعضهم يسعى لتحقيق الإنصاف والعدالة وبعضهم يسعى للحروب وإثارة المشكلات وتتعدد النظريات الفلسفية حول طبائع الناس وأنماط سلوكهم وميولهم وثقافاتهم .
الناس عقلانيون أي أنهم يمتلكون العقل رغم أن السواد الأعظم من الناس لا يستخدمه في اتجاه الخير لكنهم يمتلكون القدرة على تمييز مصالحهم وتحقيق نزواتهم واستيعاب المفاهيم المجردة واللغة والتفكير من حيث الأصناف والطبقات والقواعد ويميزون الماضي عن الحاضر والحاضر عن المستقبل . ويتساءل الكثير من العلماء والفلاسفة إن كان الإنسان يولد خيّرا أم شريرا وكيف يُعْمِلُ عقله في مسائل الطبيعة والكون المحيط والعلم والتكنولوجيا . والعقلانية هنا تعني امتلاك العقل وليس القدرة على التفكير من حيث متى ؟ وكيف؟ وأين ؟ .
وتختلف مبادئ علم الأخلاق بين فيلسوف وآخر وتتباين مقاربة القضايا الأخلاقية بين الأمم فالمقبول في الولايات المتحدة ليس مقبولا في الشرق الأوسط والإرهاب في نظر أوروبا والاحتلال الإسرائيلي هو مقاومة لدى الشعوب التي تعاني من الاحتلال .

الحالة الإنسانية
الناس العقلانيون هم من يمتلك الطبيعة العقلانية وليس التفكير العقلاني إذ أنه ليس كل من امتلك العقل يستطيع أن يميز بين الخير والشر أو أن يستخدمه بكامل طاقته أو أن يتجرد روحيا للاتحاد بالإله والمسألة العقلية مسألة نسبية بين الناس فمنهم من يولد صفحة بيضاء ومنهم من يمتلك ذكاء فكريا ومنهم من يمتلك ذكاء بصريا ومنهم من هو شرير بطبيعته ومنهم من هو خيّر بطبيعته ومنهم من تجري الخطايا في دمه مثل نسغ الشجر وتختلف الطبائع البشرية بعدد البشر . أما المتجسدون فيمتلكون قدرة غير محدودة ظاهريا على الأقل لتحمل المعاناة الجسدية والروحية ومنهم من يشعر بمعاناة غيره ومنهم من لا يشعر أما الحالة الإنسانية الثالثة فتقوم على أساس أن الناس اجتماعيون يحتاجون الاختلاط بالغير وممارسة الاحترام المتبادل فيما بينهم ومنهم من يمارس الاستغلال في أبشع صوره وتتباين مسألة رفاهية الإنسان من حالة اجتماعية إلى حالة أخرى فما تعتبره من ضروريات الحياة الأساسية يراه آخرون رفاهية مطلقة والعكس صحيح . ولهذا السبب نشأت القوانين والدساتير والبنية السياسية والقانونية في المجتمعات وتكرست وتأسست أركان الدولة على مر العصور . الحالة الإنسانية المثالية هي تلك التي تحقق الرفاهية والسعادة المطلقة وحقوق الإنسان وتحقيق العدالة الاجتماعية والثقافية والسياسية بين الناس وهذه الحالة لم تحدث حتى الآن في أي مجتمع من المجتمعات لأن طبائع البشر تميل نحو الأنانية والروح الفردية والأنا .
الأولويات الأساسية لعلم الأخلاق :
هذا التناقض والتضارب في طبائع البشر وأنماط سلوكهم جعل الإنسان مخلوقا معقدا بل شديد التعقيد يعلم لائحة القيم الإنسانية ويعمل ضدها في كثير من الأحيان . وفي غالب الأوقات يحث صراع بين القيم الأخلاقية والضرورات البشرية فتفوز الضرورات البشرية على حساب القيم الأخلاقية ويحدث الخلل في البنيان الاجتماعي والسياسي والاقتصادي .

ضرورات السلوك البشري :
إن مصطلحات علم الأخلاق كالمبادئ والضرورات والقيم تستعمل بصورة متبادلة ولهذا السبب كان هناك حاجة ملحة لفهم أنماط السلوك البشري وتحديد الضروريات التي يقوم عليها والطريقة التي تحقق التوازن بين الحاجات المادية والروحية للبشر. ومن هذا المنطلق كان هناك مجموعة من المبادئ العامة التي عمل عليها فلاسفة وعلماء السلوك البشري تقوم على أساس :
التركيز على رفاهية الإنسان والامتناع عن الأذى الروحي والجسدي وتحقيق الأمن والآمان وغياب الألم والجوع والمعاناة وتحقيق الاستمتاع والسرور وتخفيف المعاناة والعمل الخيري والإحسان والمحبة . وفي هذا السياق عملت الفلسفة على التركيز على مبادئ ( لا تلحق الأذى- امنع الأذى حيث أمكنك ذلك – أصلح الأذى حيث أمكن – افعل الخير ) وشجعت على تطوير هذه المفاهيم في المجتمعات واعتبرتها من أنماط السلوك الإيجابي .
التركيز على العدالة والعمل المنصف لأننا نعيش معا على كوكب واحد وعلينا الالتزام بقواعد المعاملة المتساوية والعدالة والتساوي أمام القانون في الحقوق والواجبات والثقة والجدارة والمساهمة في الخير العام والالتزام بالقانون وأعراف المهنة والتصرف بايجابية والاعتراف بالجدارة والتركيز على الكرامة وقول الحقيقة ومدح الاختلاف لأنه حالة ايجابية . للأسف لا تتحقق ضرورات السلوك البشري في الكثير من المجتمعات حتى في أكثر الدول ادعاء للديمقراطية والحرية .
فالمجتمعات التي تدعي الرقي والحرية والديمقراطية تمارس أبشع أنواع الكذب والرياء وتجارة السلاح وتمويل الإرهاب في أكثر من مكان من هذا العالم كما حدث في أسيا وأفريقيا والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وأوروبا وكما يحدث في بلدي سورية فالدول الأكثر رفاهية تعتمد في رفاهيتها على بيع الموت وصناعته في سورية تحقق الرفاه في مكان وتنشر الموت في مكان آخر .

لا تعليقات

اترك رد