واستعينوا بالصبر والصلاة


 

كتب المنجمون كثيرا عن التظاهرات في العراق، بين مادح وقادح وضاحك ومتالم، فرح وحزين ومؤيد وممانع، حتى تحولت تلك التظاهرات الى مايشبه قصص الف ليلة وليلة كتب بعضها في السر وبعضها في العلن، وصلت الينا منقوصة مرة، ومضافا اليها مرة اخرى، وتحول البعض فيها الى ابطال مغامرين وفي بعضها الاخر مجانين مسحورين ملعونين، وطنيين حد التضحية بالغالي والنفيس، ومندسين لايبغون سوى الخراب والدمار وتشويه وتضليل وتزييف الحقائق والوقائع..
تظاهرت الجموع ضد ارتفاع درجات الحرارة تارة (وهذا امر بيد الله وحده) ، وضد الاحزاب تارة اخرى، وبين هذه وتلك كانت التظاهرات احتجاجا ضد انقطاع التيار الكهربائي وضد البطالة وسوء الخدمات وتدخل ايران في شؤننا الداخلية وعدم توفر الماء الصالح للشرب وسوء الخدمات عامة، ولم تخرج مظاهرة واحدة ضد الاحتلال الاميركي وهدر الكرامة وسلب الوطن والثروات، وكل مايمس الاحتلال وما له بصلة او يؤسس لوجوده العنكبوتي القبيح، ذلك ان تلك الحقائق ماعادت قريبة منا ولاتمس وجودنا الذي فقد ابجدياته الاولى في الحرية والكرامة والعدالة والسيادة وسيادة القانون..
تصفنا بعض الصحف والفضائيات الاجنبية بالمسخرة، وبعض كتابنا يحلو له ان يصف شعبا باكمله انه شعب مسخرة ايضا، بعض الفضائيات التي تعتمد مراقبا يعيش في لندن او برلين او باريس لها عذرها اذ ان من يعيش هناك لايمكنه ان يفهم :كيف يمكن لشعب في هذا العصر يملك كل هذه الثروات ويعيش بهذه الصورة الماسوية الكارثية؟..
وليس من حقنا ان ندينه اذ انها صورة عجيبة فعلا!! فانسانيا لايمكن القبول بها والاشد لايمكن السكوت عنها..
هذ الشعب الذي يحتج ضد انقطاع الكهرباء نسي ان عائدات ثرواته التي زادت خلال خمسة عشر عاما عن الف مليار دولار سرقت منه اثناء صلواته وصيامه وزياراته المتكررة لمراقد الاولياء واهل البيت..
ونسي ايضا ان الذين سرقوه هم انفسهم الذين مازال يحتكم اليهم ويرسل لهم توسلاته ومطالباته راجيا منهم ان يستجيبوا لها بكل اريحية ومحبة..
ولكن كل الهازئين والفرحين، وكل الحزاني والمتالمين، وكل المؤيدين والممانعين لم يستوعبوا الصورة بشكلها الصحيح، وبالوانها المتكاملة، فلم ينظر اي منهم الى ان شعب العراق اليوم شعب مغلوب على امره، حاله حال شعب فلسطين الذي مضى على احتلال ارضه وسلب حقوقه اكثر من ستين عاما ولم ينل رغم كل جهاداته ونضالاته وتضحياته شيئا من حقوق مقرورة وارض مسلوبة وكرامة مهدورة ، ولا اعتقد ان احدا منا او من اولئك الضاحكين يمكنه ان يقلل من قوة اطفال الحجارة ومن صمودهم وتضحياتهم ولعل قضية الشابة الفلسطينية عهد التميمي مازالت شاهدا حيا عن حكاية البطولة والنضال والكفاح الانساني العادل..
ومع اننا جميعا نؤمن ان الحقوق لا تطلب وانما تؤخذ بالقوة، ونؤمن ان نيل المطالب ليس بالتمنى بل تؤخذ غلابا، الا اننا نعرف أيضا ان كل ما يمكننا فعله هو الصراخ والصراخ وبذل الدماء والدماء، بعدما اجتمعت علينا كل قوى الظلام والردة والعمالة والخسة واللصوصية والعهر ، واصبح حالنا حال أيل جريح بين ذئاب مفترسة..
العراق اليوم فلسطين ثانية، واذا كانت اسرائيل قد احتلت فلسطين فان من احتل العراق دول ودول، واذا كانت اميركا تدعم اسرائيل في السر والعلن فهي ايضا تدعم زبانية الحكم في العراق في السر والعلن، ومن ذا الذي يمكنه ان ينفي حقيقة ان اسرائيل كذلك هي واحدة من الدول التي تحتل العراق اليوم، فكل التقارير والمعلومات عن هذا الجانب تؤكد ان الصهاينة يجوبون ارض العراق بحرية تامة وتحت مسميات عديدة ومتغيرة، اما ايران فهي ليست سوى وجها اخر قبيح وصريح لكل قوى الغدر والخيانة والعهر والعمالة التي تاخذ العراق يمينا وشمالا كيفما تشاء ووقتما تشاء، بعد ان كسرت سيادته واستباحت ارضه وسماءه..
صراخنا اليوم احتجاجا وامتعاضا ليس سوى موجة غضب ستنتهي قريبا بحجة او اخرى، بمؤامرة او باخرى، بلطمية واخرى، بعد ان نخسر بعضا من دماء شبابنا، وهي كل مانملك اليوم، وسيعلن لاحقا انهم بعثيون مندسون دواعش كما هو شان ابطال فلسطين الذي ينتهي امرهم بتهمة الارهاب لاغير.. ومثلما سعى العرب والايرانيون والغرب وكل اجهزة التخابر والمؤامرات كي يتقاتل الفلسطينيون فيما بينهم، متفرقين بين حمساوي وفتحاوي فان كل تلك القوى لن تألوا جهدا كي تدفعنا، ان طالت احتجاجاتنا، كي نتقاتل بيننا بعناوين ومسميات لاحصر لها..
الذي يراقب مجريات التظاهرات سيرى ان:
لافرق ابدا بين عراقي يرمي قنينة الماء على قوى السلطة والميليشيات، وبين طفل فلسطيني يرمي الحجارة على قوى الاحتلال..
ولافرق ابدا بين ميليشياوي يطلق الرصاص الحي على المتظاهرين في بغداد والبصرة والنجف والسماوة والديوانية والناصرية وبابل وميسان، وبين صهيوني يرمي الفلسطينيين بذات العتاد..
ومثلما ارتبط مصير فلسطين بيد قوى كبرى وعبر قرارات دولية، فان مصير العراق اليوم لن يقرره حكامه او شعبه، فقد ارتهن امره كاملا بارادات اخرى دولية واقليمية واممية..
طريقنا في العراق سيكون طويلا جدا، شائكا ومعقدا ، لاتأملوا كثيرا وسريعا بما يجري، فزبانية المنطقة الخضراء بعدما افسدوا، وبعدما نشروا الفرقة والجهل والخرافة والدجل والتجهيل بين صفوف الشعب، لهم ادواتهم وعدتهم وعتادهم ، مع ان قرارنا وقرارهم، وفرارنا وفرارهم، مرتهن بارادة اقوى منا ومنهم.. الصورة من بعيد معتمة، ومن قريب واضحة بينة، والظاهر فيها غير الباطن..
ومثلما نصح العرب الفلسطينيين بالصبر والصلاة، سينصح العراقيون بعضهم بعضا بالاستعانة بالصبر والصلاة وزيارة المراقد والشكوى لله وحده، فقد تعلمنا منذ الصغر: ان الشكوى لغير الله مذلة..

لا تعليقات

اترك رد