يا أيها المنتصب قامة يا وجيه .. عبد الغني


 

هكذا كتب الفنان يوسف العاني حينما فاته تشييع صديقه الفنان وجيه عبد الغني .القامة التي لم تنثني ,ولم تميل الى جانب لحساب جانب اخر ,المميّز ,الملتزم ,المرح المثقف الواعي الفنان ممثلا ومخرجا وتشكيليا وموسيقيا ,لطيف الى درجة ان العين لاتترك متابعته وهو يتحرك بثقة على المسرح أو امام الكاميرا .ابتسامته مميزة ان كان الموقف حزين أو مفرح ,فهو يستقبل جميع المواقف بأبتسامة وبتعابير مختلفة, يصحبها تعاملا ذكيا من العينين والفم والانف, والساقين حينما تتقدم الواحدة عن الاخرى, واليدين حينما تحمل احدهما سيكارة, والثانية قد ترتمي داخل الجيب الذي استوطن تلك اليد بكل محبة واحترام لأنها اليد التي تختبأ لدلالة درامية وتعبير ينتمي الى الذهن والجمال , لم يكن يفعلها هروبا ابدا ,ولا استراحة, ولا موت,

بل هي حياة اليد حينما تكون جزءا من حياة وفعل, وحياة فعل مهم . ميلان الرأس الى الامام كأنه يتخلى عن الجسد ويزيد من تركيز العقل على قيمة تستحق ان يزداد التركيز عليها وكأنها حركة (زووم ان ) تقتنص الفعل لتسحبه الى نفسها وتحلّله وتمنحه من روحها معادلات وافعال حياتية تستحق لأنها العارفة والواعية والمنصفة التي تقتنص اللحظة وتمنحها تحليلا وتقييما وضوءا ,

أو رفضا حينما يصل ذلك الرأس الوجيهي الى قناعة مفادها ان الرفض هو الخطاب الذي يناسب مثل هذا الفعل المتمثل أما بفكرة ,أوبلمحة ,أو بحوار ,أو بكتلة لحمية تقول الكذب وتدّعي صدقا غائب .هو ليس ممثل فقط حينما يقف نجما ايا كان حجم أو مساحة الشخصية التي يمثّلها, بل هو مصورا ومخرجا يجبر صانع العمل ان يهتم به اهتماما خاصا وهذا مالم يحصل عليه في مختلف الاعمال التي مثّلها رغم انه يحمل ملامح نجم, منها الوسامة والقامة المنتصبة وقوّة الشخصية وسرعة البديهة والصوت المعبّر الجميل والحضور الطاغي والتعامل مع اية شخصية بثقافة وخصوصية تجعله يسحب الشخصية الى منطقته دون ان يقع في محاذير الابتذال والغياب الذهني المصحوب بالحضور الجسدي .تعلّم من تعليمه للأخرين بأن التنقل بثقة على المسرح ,

وأحترام المشاهد من خلال انعاش ذاكرته التي قد يعتقلها الذهن احيانا اثناء عملية التلقي, فيعمل للمتفرج بما يشبه عملية العصف الذهي حينما يدخله في جو العرض المسرحي من خلال دعابات مدروسة وحركات واعية, وانتقالات اقدامه في المساحات الفارغة التي منحها له المخرج أو اعادة صياغاتها بفعل وجيهي في عمليات التمارين ,أو الاضافات التي يرسمها التشكيلي البارع ,أو من خلال مساهماته الدائمة في بناء السينوغرافيا للعرض المسرحي الذي يساهم فيه ممثلا ومساهما فعليا وذهنيا في البناء التشكيلي لذلك العرض .

وجيه ايها الممتلأ نياشين من اخمس قدمه حتى اعلى رأسه ,وجيه أيها الذي لم يشيب على المسرح ولا أمام الكاميرا ,أيها الممثل الذي يخلق لنفسه لقطة كبيرة لا تحتاج الى ماكياج أو ديكور أو لون ,ولا الى ..سوى الكاميرا أو العين المتلهفة لما سيقول وكيف,أو يرسم ,أو ماذا ستصنع يديه وعينيه من ايحاءات ,وكيف ستحتضن يده حنكه وتعتصره كأنه مصدر للطاقة الجمالية التي يفوح عطرها روعة وانت تراقب هذا الوجيه .

عشرات السنين مضت على مسرحية (الدبخانة ) اخراج اسعد عبد الرزاق وتمثيل وجيه عبد الغني وما زال وجيه الممثل النجم فاعلا كأنه يمثّل الان .اساليب تمثيلية كثيرة اشتغلت على المسرح ,وانتماءات كثيرة لمدارس تمثيلية ووجيه ماثل امامنا للان كأنه قد استوعب ماسبقه وما لحقه من اساليب ادائية وانتماءات نشخّصها احيانا وكأنها محاكات لطريقة ستانسلافسكي,

ذلك حينما تجده في منتهى التركيز والشد داخل الشخصية وخارجها ,فهو يرى كل ماحوله ويستمكن مساحات ال(الستيج) بكامله ,ويتحسس الضوء, ويعلم قيمة المنطقة الذهبية وميزانسينه ذهبي دائما ,يعي ماحوله كجزء من بنية العرض .واحيانا تجده بريختا بامتياز حينما يمنح نفسه حرية قد يمنعها البعض, ولا يحبّذها البعض الاخر ,لكنه يفرضها فرضا على المشاهد والباحث والمتابع من خلال عملية الجذب التي يتمكن منها وجيه, ويضعها امامه كهدف لحظوي أو قبلي مدروس ومحسوس ومبحوث علمي لايقبل الشك ,اذ يتلاعب بالعرض علميا بدون ان يسيء لقيمة العرض أو لفكرته والغاية من حضور القيمة الدرامية لذلك العرض . العرض ملكه والفكرة ملكه والقيمة الفنية ملكه لكي يطرح القيمة الجمالية الناتجة من كل ماسبق للمتلقي بكل اشكاله فيضع له حساب ويمنح الواعي جرعا فنية واعية,

ويمنح الاخرين جرعا فنية تناسب فكرهم وطموحهم المعرفي بطريقه وايحاءات وتفاصيل أدائية اخرى ذكية كي يصنع من المتلقي متلقيا فاعلا ذكيا مساهما, ومتفاعلا ودودا ومتعاطفا وايجابيا مع النص والعرض والجانب المرئي العاكس لجميع المعالجات النصية المكتوبة والمرئية (العرض ). كان يقف في فيلم (الجابي ) اخراج المرحوم جعفر علي , كمفوض شرطة , أمام الفنان خليل الرفاعي والفنان كامل القيسي ويستقرا الصدق من عدمه , مفوض شرطة شامخ يقرأ ويستخلص الكذب والصدق ,بدقائق قليلة استطاع أن يسرق الاضواء والعيون والكاميرا بقامته وشكله الادائي المميز الذي يجعل المتلقي يظن ويقتنع بأن من يراه امامه هو بطل الفيلم الذي يبنى عليه الفعل الرئيس, وهو حامل مفتاح الحل .ولد الفنان وجيه عبد الغني في 1 اكتوبر عام 1933 ,وهو ابن لأول كاتب عدل في العراق ,

أكمل دراسته الابتدائية في مدرسة (اللاتين) الابتدائية (منطقة عكد النصارى ) ,اكمل المتوسطة والابتدائية في الاعدادية الشرقية للبنين ,دخل معهد الفنون الجميلة وتخرّج فأصبح مدرّسا في المعهد نفسه ,ثم عيّن مدرّسا في معهد المعلمين مشرفا على فرقة المعهد للتمثيل ,وكانت باكورة مسيرته المسرحية في معهد المعلمين اخراجه لمسرحية (الخبز المسموم ).مثل في عدة مسرحيات حينما كان طالبا في معهد الفنون الجميلة بشخصيات رئيسية اذ قام بتجسيد شخصية قيس في مسرحية (قيس وليلى ),وشخصية شهريار في مسرحية (الف ليلة وليلة ) ,وأدوار اخرى .

عمل سكرتيرا لفرقة 14 تموز المسرحية التي كان يرأسها الفنان المرحوم أسعد عبد الرزاق ومثّل ادوار كبيرة في اغلب مسرحياتها مثل مسرحية (الدبخانه,جزّه وخروف ,اللي يعوف الحرامي ,ياخذه مفتاح الفال ,خان بطران ,كملت السبحة) .ومثل في التلفزيون سهرات ومسلسلات كثيرة منها (تحت موس الحلاق ,نادية ,امنيات صغيرة , رجال الظل ,الف ليلة وليلة ,خيط البريسم ,ومضانيات ,مع الخالدين ,غاوي مشاكل ) .وفي السينما مثل ادوار مهمة في أفلام (الجابي ,جسر الاحرار ,ميّة بالمية ,الوداع الاخير,بابل حبيبتي ) وغيرها . ونظرا لخفّة دم الفنان وجيه عبد الغني فانه عمل مقدما للبرامج المنوعة ومنها البرنامج المهم (زوايا الكاميرا ). وجيه الممثل التشكيلي يعزف على الة الكمان .كل هذا لم ينتهي حينما توفي الفنان وجيه عبد الغني في 26\1\1998 ..يرحم الله فناننا الخالد وجيه عبد الغني.

لا تعليقات

اترك رد