ثمة لحظة في زمن ما


 

في هذا اليوم الشتائي ثمة دفء ما ، ثمة نور هاديء تشرق اطلالته التي غمرتني انا الطفل الذي تسلق بخطواته عتبة المنزل بدرجاته الثلاث العالية لادلف عبر باب خشبية مرتفعة ومزينة بنقوش ابواب بغداد الخمسينات من القرن المنصرم ، متشبثا بكف ( ربما كان كــــــف ابي ) ، الزمن مضى ، وظل يمضي ، وبقي هذا البناء منتصباُ بشموخ يأبى الاعتراف بالسنين لأن التجديد والادامة استمرت تحنو عليه دوماً .

المنزل هاديء جداً، والغرف التي عجت قبل ايام بالمعزين باتت لا تضم سوى ورثة الدار يستقبلون من قد تأخر عن العزاء . اليوم مع هذا الصباح ثمة سكون يبعث على الارتيـــــــاح .اجول ببصري اتفحص الاثاث الذي ناله الترتيب والانسجام مع بقية مقتنيات الغرفة بجدرانها البيضاء المزدانة بلوحات وقطع الفنية تسبح بذات النور الذي بادرني ساعة تخطّي العتبات انتقل بينها بنظراتي وكفي لا زالت متمسكة بذات الكف. اسمع اصوات اخوات واخوة المتوفية يتحدثون مع صاحب الكف قبل ان نجلس فيما انا لا زلت غارقاُ بعالمي المتأمل ابحث بين آثار المتوفية وما تركته بصمتها على الجدرانمن فنون .

– هذا المنزل قد سجله والدي باسمها قبل ان يوارى الثرى فهي الوحيدة بين ذريته من بقيت دون زواج.

قال رجلاً من الذين استقبلونا يرتدي بدلة سوداء.

هي من رافقته في معاناة مرضه الاخير والطويل حتى سبقها الى عالم آخر تاركاً اياها وسط حيطان تردد صدى السكون . السكون غادرنا فثمة ضوضاء تنبعث من اخوتها الوارثين وهم يتحدثون مع الذي اتمسك بكفه ونحن نجلس على اريكة خضراء نقابل المتحدث ببدلته السوداء . هنالك رجل آخر يجلس جنبه وآخر على الكنبة الاخرى يشارك الحديث بين حين وحين ، ثمة امرأة بعطر مميز تتشح بالسواد ايضاً قدمت من ضجيج نساء و قدمت لنا فنجان قهوة وباتت تسألني عنما احب ان اشرب فقطٌعت شرودي فيما انزويت انا احاول ان اخفي رأسي باستيحاء في خاصرة مصطحبي ( ربما كان ابي ) فيما بقيت كفي متشبثة بكفه وهو لا يحاول التخلص منها . قدمت لي بعدها مشروباً ما ، لا اذكر ان كنت شربته ام لا لإني بقيت أبحث عن غموض الموت على الجدران ، سراب تحكيه لي الالوان ، بيوت تحلق الى الآفاق الى السماء ،وعيون تبحث في اكداس من ورق وسطور ومحبرة خلف قضبان .. ثمة حمام محلق

وخيول و ثلوج ، دائما هناك ثلوج ، وجهان متقابلان بوجوم ، يغيب بصري بين اللوحات ، اريد المزيد من اللوحات ، من الحكايات التي تخفيها سطور اللون والضوء والمساحات الصماء.

سمعته يقول ، الشخص ذو البدلة السوداء الذي يقبلنا في جلسته:

– ان مرسمها في الخلف حيث اضافت غرفة بالبناء الجاهز قبل سنوات والحقتها بالبيت ، من يومها ظلت ترسم هناك ، تقضي صباحها فيه واحياناُ تعود اليه مع المساء .

خطفني الكف الذي رافقني ( ربما كان كف ابي ) فانسحبت معه في فرح غامر حيث قطعنا غرفة العزاء الى المرسم الخلفي عبر ممرٍ يزدان باعمال فنية اخرى .. خيول تحمل امرأة الى سحاب اشبه بالثلوج ، اجبرتني تلك اللوحة ان احدق بها مطولاً ملتفتاً نحوها فيما تسحبني الكف .تذوب نظراتي الى لوحات اٌخر ، اقرأ عوالمها لكن الكف سحبتني بسرعة الى المرسم لتقتطع مني تأملات الألوان والاشكال الى حيث ألوان وأشكال أكثر . ثمة خزين من لوحات مصطفة ومتكئة على بعضها غير تلك المعلقة على الجدران . اخرجت رأسي الى الممر الذي قطعناه احاول ان اتشبث بما فاتني بعد ان نلت كنز المرسم فيما هم يتحدثون بجلبة لا اٌعبرها.

رائحة الزيت تملأ المكان ، انه عطري الذي اتوق . عطري الذي اتوق ليس عطر المـــــرأة المميز التي ضيًفتنا . وجدت ملاذي هنا ، ثمة الوان مزجت على الباليت واخرى بقيت نقية . ثمة عصارات ألوان مصطــــفة في علبها وأخرى مبعثرة . هكذا وجدت المرســـــــــم مشغلاً يدب بالحياة .

– وجدناها هنا راقدة وقد فارقت الحياة ، كانت ترسم تلك اللوحة .

اشار بسبابته حيث لوحة ترتكن مسند الرسم ( ثمة طيورحزينة تصطف على غصن سرو مشبع بالجليد ) اللوحة تقودني الى الشتاء ارتجف معها . مررت اتأملها بعيني طفل السنوات السبع . هنا يقبع ملاكي ، هنا تقبع برآءتي ، هنا احلامي وهنا كانت تجد ملاذها والهروب بافكارها من السنين . لكن هنا ايضاً وجدها الموت ..فأقتنصها .

– (( لم يفتقدها احد طيلة ايام ثلاث )) . قال الرجل ذو البدلة السوداء .
أين كان الوارثين ؟؟؟!! .
الدفء والضوء يزداد اشراقاً .ضوءٌ يبهر، ضوء يتجلى ، ضوء يحكي سطور ، وسطور تحكي قصة اسمع صداها من البعيد ، ضوءٌ يتجلى ويبهر ،ضوءٌ أشد اشراقاً مما في العتبة وغرفة العزاء . هنا مصدر النور الذي حلق بي بعيداً الى زمن بعيد . زمن كنت فيه ابن السابعة وهي كانت كذلك ، الكف بالكف تلك الطفلة تخرج معي .. نتخطى العتبة الثلاثية المرتفعة درجاتها ونحن نغادر البوابة الخشبية يتردد صريرها مع صوت امها خلفنا :- احذروا السيارات وانتم تقطعون الشارع ، ولا تقتربوا من النهر .

نركض معا ً الكف بالكف تسبقنا ضحكاتنا .نرحل مسرعين نقطع الشارع الى حيث الحدائق الممتدة بجوار دجلة نلعب هناك ، نرتمي على الثيل المخملي ، نضخك ، نحلم ليس ثمة نهاية لحكايتنا ولا أمر يكدّر ضحكاتنا . تقول لي :-

(( سأصبح رسامةً حين أكبر)) .
قالت لي ذلك حيث انبثق حلمها تلك اللحظة فيما طاف نور وسط طيور محلقة غادرت الجنان تقطع السماء الى ارض بعيدة وزمن آخر .. لكني انا ، ابن السابعة بقيت ذلك الطفل الذي يأبى ان يغادر حلمه الجميل في تلك الجنان وصداها يردد ((سأصبح رسامة حين اكبر)) .

لم اغادر ذلك العمر ابدأً . فانا اليوم صغيراً في مرسمها اتشبث بالشموس والثلوج والوجوه المتقابلة وقضبان سجون . البيوت تغادر حيث السماء ، ثمة امال محبطة و غادرت امالٍ كبار. بعض من وجوم وبعض من دموع لكن هنالك ايضاً بعض من حنين . لسان لم ينطق بل فرشاة ابتلت بالعبرات وهي تسأل عن معنى الوجود .

جفلت من نومي وانا اتحرر من ثقل ما انتهى به حلمي لأسند راسي بين كفي بعد ان وعيت للمكان الذي ارقد فيه . كان الوقت فجراً و ثمة نور بسيط بات ينبثق عبر الستارة الشفافة . حاولت النهوض ابحث عن قنينة ماء قريبة ارتشفت بعضها و عدت بحنين الى الالوان التي رسمت حلمي فأضاءت شاشة الكومبيوتر المجاور للسرير . كان الخبر ذاته الذي قراته عبر الانترنيت ليلة الامس يرتسم على الشاشة … خبر وفاتها . وقفت عند النافذة ساحباً الستارة لأطل على منظر في غربتي ، ثمة طيور حزينة تصطف على غصن سرو مشبع بالجليد.

لا تعليقات

اترك رد