أَسْئِلَةٌ لَا تُجِيبُ عَنْهَا الْأَلْسُنُ بَل الضَّمَائِرُ


 

ينجم سؤال ملحّ كلّ سنة والمناظرات الوطنيّة تبوح بأسرارها: لم تحتلّ مؤسّسات بعينها الصّدارة في نسبة النّاجحين ولا تبرح أخرى آخر الرّكب؟ لِمَ تقلّ نسبة النّاجحين بله الحاصلين على المعدّلات المرتفعة في هذه المناظرات؟ أيّ تفسير للنتائج الهزيلة الّتي يحصل عليها عدد من المتعلّمين في عدد من الموادّ وهم الّذين أنْهوا في دراستها مرحلة دراسيّة كاملة أو مرحلتين؟ لِمَ يخفق عدد من التّلاميذ في بعض الموادّ المميّزة للمسالك الدّراسيّة الّتي تخيّروها؟ لِمَ لا يتعلّم المتعلّمُ؟
وتبادر مؤسّسات وهيئات ومشتغلون بالشّأن التّربويّ إلى قراءة النّتائج وتحليلها وردّها إلى أسبابها المباشرة وغير المباشرة، القريبة والبعيدةـ. فيكون نظر في مدى توفّر أسباب النّجاح بنيةً تحتيّة للمؤسّسات التّربويّة، ووسائلَ ومواردَ تعليميّة، وإطارا كفؤا، ومسالك تعليميّة موافقة لرغبات التّلاميذ ومعارفهم وقدراتهم، ومدى نجاعةِ إدارة الزّمان المدرسيّ في مختلف صوره وأبعاده، وغنى الحياة المدرسيّة، وفي مدى اضطلاعِ الفاعلين التّربويّين بأدوارهم على النّحو المطلوب، وفي مدى انعقاد القيمة حول التّعليم رهانا وأفق حياة لدى أفراد المتعلّمين أو المجتمع في هذه المدينة أو تلك، وإلى البرامج والمقاربات… وغير ذلك ممّا يتّصل بالمنظومة التّربويّة في تضافر عناصرها واستدعاء بعضها بعضا ممّا له الأثر البيّن.
فإذا ما غادرنا المشترك الّذي يُظلّ جميع المؤسّسات التّربويّة أو عددا منها والّذي لم تمنع الهَناتُ-الّتي نسلّم جدلا بوجودها- فيه من تفوّق متفوّق وسَبْق سابق تبيّن أنّ معقد الأمر راجع إلى أداء الفاعل التّربويّ إطارا إداريّا وبيداغوجيّا وتربويّا، وراجع في هذا الأداء –في تقديرنا- إلى زوج لا قوام للفرْد منهما إلّا بالآخر وفي الآخر: تعليم- تقويم. وإنّه ليُسلمك النّظر في هذا إلى ذاك.
التّقويم مِلاكُ كلّ نظام تربويّ؛ فهو منه بمنزلة الرسيّ من الخباء والقطب من الرّحى. ألا ترى ما يَحتاج إليه من عقول وموارد، ومن مناهج وطرائق، ومن أدوات ووسائل في سياق التّنظيم والتّسيير، وفي سياق الإشراف والمتابعة، وفي سياق الإنجاز والممارسة… ذاك أنّ به تقاس نجاعة التّعليم والتّعلّم، وبه يكون الجزاء والإشهاد، وهو الّذي يُعلِمُ لنا الطّريق إلى ما نريدُ اقترابا أو ابتعادا، ويعرّفنا حظّنا ممّا أردنا، وبه قوام المؤسّسة، وبه يُخطّ تاريخ التّربية.
ثمّ ألا ترى أنّ للتّقويم لغةً معنيين: إزالة العوج وتقدير القيمة. جاء في اللّسان:” قَوّمَ الشّيء أَزال عِوَجَه، قَوَّمَ السِّلْعة واسْتَقامها قَدَّرها … والقِيمةُ واحدة القِيَم وأَصله الواو لأَنه يقوم مقام الشيء والقيمة ثمن الشّيء بالتَّقْوِيم”. وهل العوجُ إلّا الحَرْف عن القصد يُعْدَل به إلى السّمت بالتّهذيب فكلّما قام (1) قام (2). وكذا التّعليم جعْلُ المتعلّم يتعلّم بالدّرس. والدّرس رياضةُ الصّعب حتّى يُذلّل فهو قوّة الفعل معرفة وتجريبا وهو أثره المشهود الآن وغدا. وهو تهذيب المتعلّم وتأديبه وتنشئته حالا فحالا. وليس تحصيل المعارف ما يفيد المتعلّم وما يحقّق وظيفة المدرسة بل ” التّحصيل لمبدئها والسيطرة على نسق تجدّدها والقدرة على مواكبة تغيّرها” وذاك جماع المهارة أن تعالج الشّيء فتحسن عمله وأن تأتيَه من قبل وجهه. وكيف تُحسن عمله وكيف تأتيه من قِبل وجهه إذا لم تحتكم إلى شرائط الفعل ومعاييره؟ وذلك هو التّقويم. وإنّما وضعت البرامج التّعليميّة وألّفت الكتب المدرسيّة وكان الدّرس فيها وبها حتى تُبني المهارةُ وتُصقلَ القدرةُ يجلوهما التّقويم يُضبط أوانه، ويُحدّد توقيته، ويُنظّم تواتُره، وتُنتخب أدواتُه، وتُحدّد معاييرُه، وتُهيّأ ظروفُ إنجازه فيصير بذلك صادقا وثابتا ومميّزا وتلك شرائطه حتّى يصحّ فيعتمد. والتّقويم روح التّعلّم لا يكون إلّا به يبدأه ويسايره وينهيه فيكون تشخيص وتكوين وجزاء وإشهاد.
فقد ثبت إذن أنّ هذا الزّوجَ تعليم- تقويم متعاظلان متراكبان لا تصحّ البينونة بينهما.
ولمّا وضُح هذا الأمر وأسفر كان المبدأ أن يكون التّقويم من جنس التّعلّم وأن يكون التّعلّم فعلا يأتيه المتعلّم به يَمتحن حظّه من القدرة وهو ينشئ معارفه إنشاء جديدا أصيلا. وكذا احتفلت البرامج الرّسميّة بقدرات تُكتسب وبمهارات تُدعَم. وكان من نجاحات المدرسة التّونسيّة أن وضع إطار الإشراف البيداغوجيّ دليلا مرجعيّا في تقويم التّعلّمات بعد النّظر والفحص والتّجريب، وأطوارٍ من العمل الميدانيّ مع الإطار التّربويّ، دليلا ضُبطت فيه أنواعُ الاختبارات ومواصفاتُها لمختلف المستويات والمسالك الدّراسيّة وفي مختلف الموادّ، وبُنيت شبكات لتقويم هذه الاختبارات تضمّنت القدرات المستهدفة ومؤشّراتها ومجالات الأعداد المسندة(3).
وليست هذه القدرات المستهدفة ممّا تختصّ به هذه المادّة الدّراسيّة أو تلك وإنّما تنهض جميع الموادّ على اختلافها بالعمل على تنميتها وصقلها بالتّدريب والمران لأنّ مدارها العقل تشحذُهُ الآداب والعلوم والفنون مجتمعة، ويصقله التّفكّر والتّدبّر والمحاورة والمساءلة، وتبعثه أنشطة الفهم والتّفكيك والتّحليل والتّأليف والتّقويم.
وليست هذه القدرات بالمقصورة على السّنوات النّهائيّة وبالمحمولة على جهد أساتذتها وحدهم إنّما هي مُشتغَل مختلف المستويات التّعليميّة لكلٍّ نصيب منها يزيدُ حالا فحالا.
وكانت الغاية أن يَضْمُر البعد الذّاتيّ في تقويم الأعمال الأدبيّة خاصّة إلى حدّه الأدنى وأن تُبلغ فيه مرتبةٌ من العلميّة والموضوعيّة، وأن ينصفَ المتعلّم فيبلغ من الدّرجة قدر حذقه وتوفيقه.
وكان العَقْدُ التّربويّ أن يكون الدّرس رياضة وتجريبا لممكن من الفعل وإظهارا لآية من المهارة، وأن يُبصّر المتعلّمون بهذه الشّبكات يكون متنُها نسجَ الدّرس لُحمته وسَداه، ومَسْبَر الأداء والمُحتكَم إليه، وميزانا قسطا يقيسون به حظّهم من التّوفيق أو التّقصير في مقام التّدريب أو الإصلاح، ومعايير يعتمدها الأساتذة في عمليّات التّشخيص وعمليّات الدّعم والعلاج، ومراقي يأخذون بأيدي تلامذتهم يرتقونها سببا إلى النّجاح.
وكان التّقويم نظاما لا يقومُ حتّى يقومَ ما اتّصل به من عناصر، وحتّى تتظاهر الجهود والعزائم.
ولمّا كان التّقويم سؤالا، ولمّا كان السؤال وظيفة الإنسان في الوجود، حالا معرفيّة اكتشافا وبحثا وتدبّرا وتوقّفا، ولمّا كان لحظةَ اختبار كَأْدَاء تعالوا نتأمّلْ ممارساتِنا ونسألْ أداءَنا قبل أن نُسائلَ القوانين والتّشريعات، وقبل أن نشكو ضعفَ مستوى المتعلّمين وزهدَهم في الدّرس، وقبل أن نتظلّم ونحتجّ فذاك أدعى إلى أن تكون مساءلتُنا وشكاتُنا وتظلُّمُنا واحتجاجُنا أوقعَ وأنفذَ.
ونحن منصرفون إلى تدريس هذه المرحلة من مراحل التّعليم أو تلك، وإلى هذا المستوى التّعليمّيّ أو ذاك أنمدّ الجسّور بينها فنَعْلمَ البناءَ علام اعتماده؟ وكيف ارتفاعه؟ ونعطف الماضي على الحاضر ونُشرع الحاضر إلى المستقبل، وتتّسع الرّؤيا فيُتوخّى القصدُ؟ أم نراها جزرا مفصول بعضها عن بعض والفعلُ ابتداء لا ذاكرة له؟. كيف انتظام التّلاميذ في فصولهم؟ أنراهم عَدَدا أم عُدَدا؟ ومواقيت الدّرس كيف تتابعت وانتظمت؟ والزّمان كيف صُرّف شغلُه وفراغُه؟ والمؤسّسةُ هل مشروع تجتمع عليه قلوب رجالاتها؟
وهذا الزّوج: تعليم-تقويم هل اُسْتُجلي في الوثائق المرجعيّة؟ هل شُرحت وجوهُه وصُورُه، هل أجري في الممارسة فعُرّف مُجتناه بالتّجريب والتّمثيل وامتُحِن بالرّأي والنّظر؟ وهل تهيّأت للنّاظرين فيه على اختلاف حظِّهم من الصّناعة، وتفاوتِ عهدِهم بها، طال أم قصر، متونُ يعودون إليها ويحتكمون إليها؟
والخِبرة أهي عدّ السّنين أم مخضها وكسبها المنحوت؟
وشبكات التّقويم الّتي وُضعت هل ذُلّل مُصْطلَحُها ورُفع لَبسُها واستقرّت معانيها في الأفهام فوَحّدت طرائق الفعل والإنجاز؟ هل استوت حظوظ المتعلّمين كافّةً في التّدرّب عليها وفي تقويم أعمالِهم وحظِّهم من اكتساب القدرة في ضوئها؟
والدّرس هل كان في بناء المهارة وإكساب القدرة؟ هل أدرك فيه المتعلّم حاجتَه وسدّ افتقاره وامتلأ فيه بما يُحييه؟ أ كان كتابُه أقباسَه وتوقيعَه أم أمالي يقفوها سمعُه؟ هل كانت أخطاؤه دُربتَه على أن يكون، وسقطاتُه سبيله إلى المشية الواثقة؟ أ كان الدّرس سؤاله الطَّمُوح أم جوابه القانع؟ هل يُعدّه لموقف الامتحان؟
والامتحان قبل خوضه هل امتحنت موضوعاته: تَقيّدُها بمعايير بنائها، وموافقتها للمسائل المدرّسّة، ومناسبتُها لمستوى المتعلّمين، وإمكان إنجازها في الوقت المطلوب؟ وهل وضعت مقاييس إصلاحها فيعين ذلك على تجويدها وعلى إنصاف المتعلّم؟ أتقيس القدرةَ وتدعو إلى بناء المعارف وتوظيفها في سياقات جديدة أم تدعو إلى عرض المحفوظ؟ أأصيلة مخترعة هي فحظّ الممتحنين منها حظّهم من كدّ خاطرهم وصوب قريحتهم أم مبذولة يَهدي إليها البحث والتّنقيب، ومن الممتحَنين بحّاثةُ مَهْديّون، ونَسجٌ على مثال فطوبى لمن كان احتذى، ومكرورةٌ معادة ففيها غَناء عن العناء وإن تُفطِّن إليها ؟ وكذا الجور عن القصد.
والامتحان بعد وقوف المتعلّمين موقفه هل تُتدبّر نتائجُه؛ تراجع صِيغ فيه وأشكال قد تظلم المتعلّم جهدَه وتحجبُ فضلَه، يُعرف النّقصُ فيسدّ ويؤتى بذي الحاجة إلى الدّعم والعلاج فتُلبّى حاجته وله في حصص الدّرس وفي الزّمان المدرسيّ فُسح ومتّسع، وتُبنى مشاريع تعلّم على قدر الحاجة وعلى قدر الجهد والطّاقة؟.
وبعد. ألا يغني الدّرس الحضوريّ عن الدّرس الخصوصيّ، وتحارِب الامتحاناتُ الغشّ من داخلها، وتجد الموادّ الدّراسيّة أسباب تعاونها وتكاملها فتتنافذ وتتّصل، وتقوى الآصرة بين أفراد الأسرة التّربويّة متعاونين متشاركين، ويتعلّم المتعلّم فينجح ويتفوّق إذا صلحت حال هذا الزّوج: تعليم – تقويم وكان في بناء قدرات وكفايات ينتقل أثرها، وكان في المعرفة الوجيهة والعقل المفكّر المُسائل؟ …
أليست قوّة النُّظُم والقوانين والتّشريعات وَقْفا على قوّة الأداء؟ أليست قوّة الأداء رهنَ قوّة الضّمير؟
أسئلة أضْعافُها أسئلةٌ لا تجيب عنها الألسن بل الضّمائر.
اعتدل
تحدّدت قيمته.
انظر مثلا دليل تقييم التّعلّمات في اللّغة العربيّة للمدارس الإعداديّة والمعاهد. وزارة التّربية. الإدارة العامّة للبرامج والتّكوين المستمر. تونس. سبتمبر 2016

لا تعليقات

اترك رد