قيمة المنجز الإبداعي بغياب الموقف الأخلاقي


 

في عام 1981 شارك الكيان الصهيوني للمرة الأولى في معرض القاهرة الدولي للكتاب بعد تطبيع العلاقات بينه و بين نظام السادات . و هي المرة الأخيرة أيضاً لأن الجمهور المصري لم يكتف بمقاطعة المعرض بل تظاهر ضده و تمكن شاب مصري رغم الحراسة المشددة من تسلق سارية علم الكيان الصهيوني و إنزاله و إحراقه . هل هناك مقارنة يمكن أن نضعها بين كاتب مشهور يرافقه موكب من سيارات المعجبين ليزور الجناح ” الإسرائيلي ” في معرض الكتاب و بين طالب مغمور يسكن في عشوائية و يقطع الطريق الطويل إلى جامعته مشياً غير أن الأول سعى الى السلام مع عدو يحتل أرضه و الثاني تسلق سارية علم عدوه و أنزلها و أحرقها أمام أجهزة القمع ؟

العالم المصري أحمد زويل زار الكيان الصهيونى مرتين على الأقل كانت الأولى عندما دعي لتسلم جائزة ولف برايز ” الإسرائيلية “عام 1993 و الثانية الأكثر خزياً كانت لتقديم المساعدة لجيش الإحتلال الصهيوني في صناعة أسلحة ليزرية متطورة ! ماذا بقي من منجز زويل العلمي و أية قيمة لمنجزه و هو يصنع الصواريخ التي تقتل شعبه ؟

ما قيمة جائزة نوبل التي منحت لنجيب محفوظ و ما قيمة عمامة الشيخ محمود عاشور و ما قيمة المنتج الإبداعي لتوفيق الحكيم و أنيس منصور و لينين الرملى ، و أسماء كبيرة في عالم الفن و الأدب و العلم و هم يصطفون لجانب هذا الكيان الغاصب أو أنهم على الأقل توقفوا عن إدانته قبل أن يتوقف هو عن جرائمه ؟

ما قيمة إنجازات أنشتاين العلمية الكبيرة عندما قبل أن يكون واحداً من صناع القنبلة الذرية ، ندم أو تنصل فيما بعد عن دوره في صناعتها ؟ ما نصنع بنظرياته وقد ساهم بشكل ما بقتل 200000 أنسان منهم 66000 في الدقيقة الأولى لإلقاء القنبلة الذرية على مدينة هيروشيما ؟

ما الذي يجعل للإنسان وزنا يزنه به الناس و قيمة يقيمه بها الآخرون ؟ ما الذي يجعل العالِم ، البطل الرياضي ، الفنان الكبير كبيراً و القدير قديراً و الصغير صغيراً ، هل هو فقط منجزه الإبداعي الذي يقدمه للعالم في مجال عمله أم أن هناك ما يجعل لهذا المنجز قيمة ؟ ما قيمة المنجز الإبداعي بغياب الموقف الأخلاقي ؟

إذا كان ” الإنسان موقف ” كما يقال فإن موقفه من القضايا الإنسانية عامة و قضايا شعبه خاصة هو ما يعطيه هذا الوزن و هذه القيمة و هذا الحجم الذي يميزه عن غيره أكثر مما يميزه منجزه ، فإما أن يطبع أسمه في سجل الخالدين أو يمسح سجل إبداعه الذي قدمه للناس مهما كان حجمه .

في العراق و بعد 2003 هناك من أمثلة الصمت و المحاباة و العجز و الفشل الكثير و تنصل عن واجبه الكثير من الفنانين و الرياضيين و الإعلاميين و المشاهير الذين شبعوا من خير هذا البلد و عندما دعاهم نداء الواجب انكفأوا على ذاتهم و لاذوا بالصمت أو بالخوف أو بجنسيات أخرى و أوطان بديلة ، لكن ليس هذا كل شيء ، فللقصة وجه آخر ، في ملحمة تموز 2018 هناك من يريد أن يكون أول من يضع اسمه في سجل الخالدين

الموسيقار الكبير فاروق هلال قدم لنا ب 124 ثانية عملاً موسيقياً كبيراً هو مرثية لشهداء انتفاضة 21 تموز ، ملحمة من بيتين فقط من الشعر تمجد شهداء الانتفاضة و تصلح أن تكون السلام الجمهوري للوطن المنشود ، وطن يرثي فيه موسيقار من الأعظمية شهيداً من البصرة

و من جيل الرواد الى جيل الشباب . الممثلة الشابة آلاء حسين أرادت أن تقول شيئاً مختلفاً و أن تكسر حاجز الصمت بطريقتها عندما وجهت رسالة صوتية الى ((الامم المتحدة و منظمات حقوق الإنسان و جميع المنظمات غير الحكومية الإنسانية في جميع أنحاء العالم والى الرأي العام العالمي )) مطالبة بالتدخل من أجل الوقوف مع كرامة الشعب العراقي لتحقيق العدالة .

لن أتحدث عن رسالتها كثيراً ، هذه ترجمتها
(( باسم الانسانية و باسم شعب العراق البريء و الأعزل مرحبا جميعا هذا ليس بياناً للدعاية أو للحصول على الشهرة فأنا مسبقاً ممثلة معروفة في بلدي ، كامرأة قد تقف العادات أمام مشاركتي في المظاهرة في بلدي لكنها لن تفعل ذلك في وجه إنسانيتي و إيماني كفرد عراقي لذلك شعرت بأنه كان علي أن أفعل شيئاً عندما قررت أن أكتب هذه السطور . يطالب الشعب العراقي في بلدي الحبيب بالإغاثة و الدعم و يطلب التدخل الرجاء عدم الصمت ، لا تكتفوا بالنظر فقط الى مايحدث ، لا مزيد من الصمت ، من فضلكم ، أظهروا بعض الإحترام و الوقوف مع كرامة الشعب العراقي لتحقيق العدالة و من المهم جداً التصرف بجدية و التدخل بسرعة و اليوم نواجه دكتاتورية لقمع خطاب الحريات و قمع المتظاهرين غير المسلحين و الإعتقالات العشوائية و منع وسائل الإعلام و الضغط على الأحداث الجارية بقصد التعتيم على الرأي العام . يقدم لنا السياسيون خطابات و اعتذارات تشبه مسكن الألم الذي لا يعالج شيئاً يستخفون بمطالب الناس و الجميع يعرف أن ولاءهم للأحزاب التي ينتمون اليها ولا ولاء للوطن و لا للإنسانية ، يقولون كلمة حق يراد بها باطل في محاولة إذابة ثورة غضب مطالب الشعب العراقي كقطعة الثلج في الماء الساخن مرة بعد أخرى و سنة بعد أخرى . البنية التحتية للبلد غير مؤهلة و يعاني الشعب العراقي من أبسط الخدمات : نقص المياه و نقص الكهرباء و الإفتقار الى وسائل النقل و ارتفاع تكلفة السكن و المعيشة و تدني مستوى التعليم ، لا نظام لائق للرعاية الصحية ، لا رعاية خاصة بالمسنين و ذوي الإعاقة العقلية و الجسدية.. نقص حاد في فرص العمل ، إنتشار الفساد و الرشاوى و المحسوبية و الحروب و الأزمات الى ما لا نهاية و عدم إعطاء الكفاءات المنصب الصحيح و عدم تنفيذ القانون و السلطة القضائية اضافة الى تزوير الانتخابات و قد وصل الحال لقمع حرية الكلام و التعبير و التعتيم على الرأي العام من خلال ادعاء وجود عطل في منظومة الانترنت الا ان برامج فك الحظر اثبتت عكس ذلك و باختصار فإن الذين يعيشون على أراضي العراق لا يتمتعون بالكنوز الموجودة تحت أراضيهم . الهيكلية المبنية على أساس المحاصصة الطائفية و الأحزاب السياسية و الدينية كانت حجر الزاوية في انهيار العراق بعد 2003 و نحن نجني نتائج الفشل في 2018 . رسالتنا بسيطة و واضحة تماماً نحن نريد مساعدتكم لنا للتغيير و تدخلكم الجاد في معالجة القضايا العراقية ووقف قمع الأبرياء و العزل و السلام عليكم . إسمي آلاء حسين ممثلة عراقية لا تنتمي لأي حزب و لا أطمح في ذلك و هذا شرف لي . قد يتم القبض علي بعد هذا الخطاب من يدري .. شكرا لكم على العمل الشاق بارك الله فيكم جميعاً ))

آلاء لم تقم بعمل خارق . هي رسالة صوتية بالإنجليزية يستطيع أي فنان مشهور أو رياضي معروف أن يفعلها لكننا نراه خارقاً لكبر حجم الصمت الذي خيم على الجميع و لتفرد آلاء بهذا الخطاب الجميل و المعبر .

آلاء اعتذرت عن المشاركة في المظاهرات و دفعت بمبرراتها لكنها على الأقل فنانة صاحبة موقف وجدت أن كل منجز إبداعي تقدمه في مجال عملها لا يساوي شيئاً مهما كانت قيمته الفنية إن لم يقترن بموقف مطلوب في لحظة يحتاجها فيها الوطن فقدمت ما لم يقدمه آخرون يعيشون في دول أخرى بعيداً عن أيدي الدكتاتورية القمعية .

وجودالشخصيات المؤثرة مهم جدا في سوح التظاهر فإن لم يكن فرسالة كرسالة آلاء فإن لم يكن فتوقيع على بيان أو تصريح لصحيفة و ذلك أضعف الإيمان .

صوت الشخصيات المشهورة يصل إلى الملايين و يلفت انتباه الرأي العام في كل مكان ووجود هذه الشخصيات مع المتظاهرين يدعمهم و يرفع من رصيدهم و يعطي للتظاهرات بعدا أكبر

شكراً للفنان الرائد فاروق هلال و هو يذكّر الرواد بواجب يناديهم لا يحتمل التأخير
شكراً للفنانة الشابة آلاء حسين و هي تعبر عن إنسانيتها و إيمانها كفرد عراقي
فُتح سجل الخالدين . من التالي ؟

لا تعليقات

اترك رد