الحجاب البلاستيك


 
الصدى - الحجاب البلاستيك
للفنانة ميسون حبل

فتحت أمل الشباك الوحيد فى المطبخ والذى يقترب من السقف أكثر منه للأرض، في الوقت التي كانت عقارب الساعة تلاحق منتصف الليل، وعندما استراحت إلى توقف الحركة المزعجة فى البيت، وأثناء إمساكها بمقبض الشباك الذى فتحته بزاوية حادة قبل أن تعوقه الثلاجة طلت بنظرة خاطفة على الفضاء الخارجى المخنوق بالأعمدة الخرسانية للبيوت المجاورة، بينما تسللت أشعة نور خافتة من الشرفات والشبابيك والمناور تدارى غلظة المشهد وتمنحه قدراً من الرومانسية الزائفة.
جلست أمل على كرسى خشبى مقعده دائرى ثم نزعت برفق كيس بلاستيك كان يستخدم فى جمع القمامة عن كتلة طينية بلون جرانيت أسوان الوردى، ثم غاصت بأصابعها فى الكتلة الطينية لتمنحها نبضاً جديداً حرك أعضاءها وخطوطها وملامحها التى تجسدت على شكل بدن وتلاشت من على خصره ثنايا القماش ليظهر ممتلئاً، وذهبت لتضع كف يدها الشمال على كتلة أشبة بالتبة ثم راحت تداعب بأصابع اليد اليمنى قمم الطين الجبلية لتنزع رقائق بسيطة تكشف عن مفاتن جمال خصر امرأة بضة التصقت سيقانها كأنها جزع شجرة قوية لكن الباقى من الجسد الأعلى تكتل فى فرع واحد ضمت فيه الذراعين على الصدر بقوة، لإخفاء خبيئة.

تراجعت أمل للخلف بظهرها خطوتين فى الحيز الضيق للمكان قبل أن تصل إلى حافة “البوتاجاز” ليتداخل نصفها الأعلى مع فراغ حوض غسيل الأطباق والأوانى وهى تنظر إلى جبل الطين وقد ضاقت حدقة العين كأنها تصنع كادرا سينمائيا لعملها الليلي، سمعت صوت يا دنيا يا غرامى يا دمعي يا ابتسامي، بينما كانت عقارب الساعة تتجاوز منتصف الليل.

انتبهت أمل قليلاً وهى تقبض بيدها على رقبة قنينة على هيئة بخاخ بلاستيكى استبدل فيه السائل المنظف بالماء ليخرج منه دفقة رذاذ ماء تبلل الجسد وتحميه من الجفاف الذى أصابه فترة العمل وتحفظه القطرات الندية من التصلب قبل فترة عمل جديدة، وفى الوقت الذى حاولت فيه بعد يوم عمل طويل وضع غطاء على الجسد من الأعلى مستعينة بالكيس البلاستيك الأسود الذى يستخدم فى جمع القمامة، أطاح الهواء المتسلل من الشباك البحري بالكيس ليشوه الرأس ويصبح الجسد بدون ملامح على الكتفين.

شارك
المقال السابقدراما رمضان .. من يطرق الباب
المقال التالىحكايات جدتي
فنان تشكيلى مصري ، يكتب عن الفن، منذ منتصف الثمانينات، في الصحف والمجلات المصرية والعربية والأجنبية، مؤسس صفحة جاليري بجريدة روز اليوسف اليومية. وساهم في العمل العام من خلال، عمله كمدير فنى لقطاع الفنون التشكيلية. والمشرف العام المركز الثقافي بمتحف احمد شوقي (كرمة بن هانئ). المشرف العام علي ادارة ال....
المزيد عن الكاتب

3 تعليقات

  1. لم اكن اتصور ان القصة القصيرة .. تعبر بهذا الشكل عن عمل نحتي للفنان ميسون حبل ..
    تحياتي
    لمجهود الزملاء في الموقع
    وخاصة الرائعة خيرية المنصور

    • اشكر اهتمامكم ..
      العمل باسم معاناة ..من مادة الفوم بارتفاع40سم
      تنفيذ 2016 يجسد معاناة الحبيبة سورية
      شكرا للدكتورة خيرية المنصور وللفنان والناقد والصديق سيد هويدي.

  2. شكرا لاهتمامكم
    العمل باسم معاناة
    مصنوع من مادة الفوم
    بارتفاع 40سم
    تنفيذ 2016 يحكي وجع الحبيبة سورية
    شكرا للدكتورة خيرية المنصور وللصديق الفنان والناقد سيد هويدي.

اترك رد