محمد فتاح و الإرتقاء بموجودات مشهده البصري


 

تجربة الفنان التشكيلي العراقي الكردي محمد فتاح (1965 ) تجربة ثرية تنفتح على بلورة تساؤلات تجيد الإستقراء بعمق لغتها ، تجربة فذة فيها من المؤثرات ما تشكل منهلاً منها يستلهم تدفقاته الإبداعية ، و فيها من التمايز ما يخط رؤاه ، تجربة فيها يجتمع المختلف و المتفق كصورة للتآلف الطبيعي بين الأشياء بما فيها المرتبطة عاطفياً و جمالياً بذوق يكسوها المختلف حاملاً مشعلة التغييرات في زمن آسن .

 

محمد فتاح ينتقل من التعبير إلى التجريد إلى الطبيعة يروي بها سيرته التي هي بالتالي سيرة بلاد تبوح بوجعها و تعبها ، تبوح بحبها و حيويتها ، تبوح بقريحة شخوصها الذين فقدوا ملامحهم و أسماءهم ، و سقطت منهم نضجهم و هم في مقتبل العمر ، فبدرجات متفاوتة من التركيز و بتطلعات مبهمة في كل مفصل من مفاصل عمله يسعى محمد فتاح إلى التغلغل الأكثر عمقاً في العوالم الإنسانية ، فيقدم صياغات هي الأخرى تقف عند التغيرات الملزمة لتجلياته و ما يخص جوانب مناصرته لأنماط كثيرة من الوجوه المقتبسة من المكان بطاقتها التعبيرية الكثيفة ، صياغات تمتلك قيمتها الذاتية الخاصة ، حيث المحاكاة بين خيوطها الكثيرة و تشعباتها بوصفها كاشف جمالي في مساره الخاضع لرهافاته الحسية و يعز عليه إستخداماته اللونية في معرض تلاوته ما تيسر له من موسيقاها ، صياغات تمتلك قيمتها أيضاً في إستعادة متلق إليها بعد مبارحته لها بقليل ، فتتملك الرغبة التي لا تقاوم محمد فتاح و هو يشد الآخر إلى محور العمل دون أن يحجب عنه أي شيء ، فيتحمس هذا الآخر ليجازف بوقته و هو يباغت العمق و مداه حتى يحصد و إن بعين واحدة تأملاته الجمالية و التي تتسع بقيمها دون أن تجتنب أي إرتباك و أي تناقض .

هو دائماً يسبر أعماق الحياة بتآملات ثاقبة تتحول إلى حركات ضاجة في أعماله قد تكون هي أكسير الحياة ذاتها في إطار الإحتفاء به ، في إطار البحث المرجو الحالم بذاته ، ليختزل الكثير من المحاور و الفرص المتاحة لرؤاه ، ربطاً بفضاءاته الأخرى البعيدة عن الترهل و القريبة من الإتجاهات المفتوحة و التي قد يساعده في صنع خطابه الفني الجديد .
يتقصد محمد فتاح أن يكون البعد الثالث / العمق هو المرتل لمعالم منحاه في تمايزها و تناسقها ، في تداخلها و تناسبها ، أو في تفسير أوصاف نصه للتعبير عن تعدد موضوعاته بتعدد تجلياته أولاً ثم تعدد تجسداته ثانياً بوصفه إتجاه في التسامي بخلق الجمال و مقاماته و كإشارة إلى تداخل دوائره بمجرداته من باب تسعير وهج ألوانه مع بقاء الإبتهال لأفق الوجود كمفهوم لمشاهدة اللوحة بما يعاش .

يمكننا القول بأن التنوع الذي يشتغل عليه محمد فتاح هو تنوع به يستضيء جهاته التسعة ، و يتدرج به دون أن ينتهي إلى أنوار ، بل إلى تتابع النور و فروعه ، و هذا ما يدفعه على الأقل إلى الإستفادة من موجبات الضوء و مراتبه و تصعيدها وصولاً للمنبع حيث للنور عوالم تزكو بالرؤية أقواس صعود و هبوط لتلتقي في بواطنها كشوفات الضوء الكامن في رعشة الخلق ، فالطموح الذي يسعى إليه محمد فتاح على مدار الضوء هو إستيقاظ أحلامه النائمة و التي قد تتلخص بإعادة إنتاج مشهده الجمالي ضمن قيمه المعرفية التي تتبدى في توازنه الإنساني ، فهو مسؤول بشكل أو بآخر عن قيادة عمليته الإبداعية بمفاهيمها و رموزها نحو الإرتقاء بموجودات مشهده البصري مع الإحاطة بالعالم الإفتراضي الذي يسير إليه .

لا تعليقات

اترك رد