المجد الحقيقي مثل الحب الحقيقي يرضى بالقليل

 

يهفو كل الناس من فجر الخليقة وحتى اليوم للوصول إلى المجد والخلود وقد دوّن التاريخ قصص أناس ارتبط اسمهم بالأسطورة في كثير من الأحيان أمثال جلجامش ومرورا بسيزيف وانتهاء بأصغر حالم للوصول إلى المجد في هذا القرن .
كثيرون يسعون ليل نهار لفرض أنفسهم على الخارطة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية وينسون الحقيقة التي تقول أن تحقيق الحلم وتأكيد الذات يحتاج الاستدامة وليس فقط جهد الوصول . يحتاج المجد أن تستمر في المحبة والعطاء . صحيح أن التنافس بين الناس هو الدافع خلف نشاطهم اليومي ولكن التنافس الحقيقي هو التنافس الخلاق المبدع الذي لا يعرض كينونة الآخرين للأذى . وربما كان حلم المجد الذي يرفرف في خيالات الناس هو سبب الجمال والتنوع وزهو الألوان في هذه الحياة وربما كان هذا هو مظهر من مظاهر الاختلاف والتنوع . للمجد قيوده الكثيرة وآلامه المشتركة بين هؤلاء الثلة من الناس الذين حصلوا على المجد الحقيقي . كثيرون يتمنون أن يصبحوا فيدور دوستوفسكي ويطلق اسمهم على الساحات العامة ولكنهم أنفسهم ” الحالمون ” أيستطيعون أن يتحملوا المعاناة التي عاناها دوستوفسكي في الوصول إلى مجده ؟ أيستطيع الحالمون أن يعيشوا حياة مدام كوري في المختبر أو حياة فيكتور هوغو في شوارع باريس أو حياة كريستوف كولومبس في عباب المحيط ؟
لو خيبتنا الحياة لو أن كل شيء نقوم به يذهب هباء منثورا ، علينا أن لا نيأس وأن نأخذ مثالا من حياة أناس عانوا الكثير ورغم ذلك تغلبوا على الصعاب ونجحوا في عملهم وحافظوا على مجدهم الكبير إلى آخر لحظات العمر مثل السير اسحاق نيوتن ولويس باستور وغاليلو ومدام كوري والبرت اينشتاين وتشارلز داروين وأوتو هاهن ونيكولا تسلا وجيمس كلارك ماكسويل وميشيل فراداي والكسندر فليمنغ وديمتري ميندلييف وسقراط وأرسطو وغيرهم .
والمجد لا يعني بأي حال من الأحول الشهرة التي يحصل عليها القادة السياسيون أو الفنانون أو رجال الإعلام أو القادة . المجد نسيج يمتد بعيدا خلف الشهرة ليصل إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير . المجد ليس الزعيق والصراخ وبريق اللحظة الذي قد يدوم لفترات قصيرة ، فنابليون بونابرت عند كشف الستار عن مناقبه ليس أكثر من قاتل مارق والفاتحون كلهم على نفس الطريق يقفزون بسرعة إلى واجهات الصحف والأخبار وينطفئون مع اختفاء نجمة الصباح . المجد الحقيقي هو أن تستطيع أن تمنح الحياة شيئا ، أن تزيح الألم و أن تزيل الليل و أثاره . علينا أن نفكر في ذلك الرعيل من المجهولين الذي قدموا للإنسانية كل ما عندهم وأفنوا حياتهم في خير الإنسان بغض النظر عن لونه وعرقه ومذهبه . علينا أن نفكر بمن اخترع النسيج ومن ابتكر أول دولاب ومن اخترع المطاط والطائرة والكهرباء وأجهزة الضخ وبودرة الإطفاء واللقاحات والمضادات الحيوية والهندسة وفنون البناء والتشييد والتدوير البيئي . الذي يمنح من قلبه وفكره هو الغني ، ليس الغني من يمتلك الثروات ويدير المشاريع والتعهدات .
ليس المجد أن تعشق النجوم وتثب إليها أو ترتدي قبعة الجنرال غورو أو طاقية موسوليني أو قفازات الجنرال كليبر ، المجد هو أن تمتلك القدرة على العطاء أن تمنح من قلبك وفكرك أيا كان موقعك على خارطة الحياة : الفلاح في الحقل أم البناء أم الزبال أم المهندس أم المعلم أم الطبيب أم صاحب المختبر . يجتمع المجد قطرة قطرة ليشكل تيارا قويا يحفظ اسم صاحبه للأبد . والإنسانية في مسيرتها بحاجة للجميع، للعالم العارف وللزبال المسكين . المشكلة عبر التاريخ هي أن الناس ينتبهون لسطح الماء ويتجاهلون التيارات التحت مائية القوية .
عند طاغور قصيدة جميلة يقول فيها :
أنا أكتفي يا حبيبة عمري بهذه الزهرة التي سقطت من شعرك…
فتجيب الحبيبة :
وأنا أعلم أيها السائل أنك تطلب كل ما عندي …
فيقول :
أنا أكتفي بالمنديل الذي يجاور قلبك …
وتجيب:
وأنا أعلم أيها السائل أنك تطلب كل ما عندي …
هي الحياة إذن….كل ما عندك وعندك قد يكون شيئا صغيرا بعين الآخرين لكنه معجزتنا أنا وأنت أفنينا حياتنا في الحصول عليها .
ألم أقل لكم أن المجد الحقيقي مثل الحب الحقيقي يرضى بالقليل ….؟

لا تعليقات

اترك رد