الانتفاضة العراقية: إدراك ألاعيب الطائفيين وردود الشعب الواعية

 

تستمر انتفاضة الشعب العراقي للأسبوع الثاني على التوالي. وقد قدم فيها تضحياته الجسام على مذبح الحرية الذي اصطنعه عنف السلطة الغاشمة المستبدة. لقد فاق شهداء الانتفاضة العشرات فيما المعتقلون والمختطفون بالمئات أما المصابون والجرحى فبالآلاف، من دون أن يرف لكثير من القوى الإقليمية والدولية جفن، دع عنك المسؤولين المحليين. ومع ذلك يجري التعتيم والتعمية على حقيقة الانتفاضة وحجمها. وقد شمل الصمت والتعتيم والطمس جريمة قطع الاتصالات وحجب الإنترنت ومواقع التواصل باختلافها.. والفضائيات وساسة كُثُر في أوروبا وغيرها يحجِّمون ويهمّشون صور الحقائق ومستوى غليان الشارع العراقي وكأنها سابقة متعمدة لمؤازرة حكومة الطائفية المافيوية..

إن التحدث عن الانتفاضة وكأنها مجرد تظاهرات عابرة لغاية محدودة ومحلية أمرٌ يُلاحظ في إهمال التقارير الميدانية التي تشير إلى أعمال القمع التي ارتُكبت فيها جرائم ضد الإنسانية ميدانياً علنيا ومن ذلك استخدام الرصاص الحي! فضلا عن الاعتقالات العشوائية سواء في ميدان التظاهر أم في مطاردة متعمدة للناشطين حتى في بيوتهم ومن دون أوامر قضائية بتلك الحال؛ عدا عن الاختطاف والتغييب الذي تمارسه الميليشيات وعناصر في السلطات الأمنية الرسمية..

أما داخل السجون فقد تم تثبيت الشواهد المادية الواضحة والدقيقة وبعضها سربتها نفس العناصر (القمعية) بقصد إرعاب المنتفضين وتتضمن حالات التوثيق مشاهد وحشية من ارتكاب جريمة التعذيب الهمجية بالمخالفة واتفاقية ضد التعذيب الدولية.. وقد تكاثرت حالات اكتشاف جثث مرمية بعد ما فضحته علامات التعذيب ومن ثم الاغتيال والتصفية مما يظهر على تلك الجثث..

لقد تحدث أغلب المنتفضين بشجاعة وجرأة عن طابع أوضاعهم المعاشية المعقدة من بطالة وفقر وانتفاء الخدمات إلا أنهم كانوا يعلنون أن القضية ما عادت قضية خدمات ومطالب مادية محدودة فالوضع برمته شهد تزويرا فادحا فاضحا في التعبير عن الصوت والإرادة الشعبية وخير شاهد مرة أخرى هو ما أسموه الانتخابات التي قاطعها الشعب بنسبة تجاوزت الـ80% بكثير وحتى من اشترك، رفض التصويت لأحزاب الطائفية ومع ذلك ما زالت السلطة تواصل لعبة العد والرز سيئة الصيت لحسم النسب بين المتحاصصين من أجنحة الطائفية والفساد..

إنَّ ثبات العراق على موقعه في مقدمة الدول الأخطر على الصحفيين وعشرات آلاف الضحايا من العقل العلمي للمجتمع من تكنوقراط ممن لم يستطع الفرار من التصفية فهو في المقابر والعالم الآخر؛ ولم تتكتم الميليشيات على تلك التصفيات بل أعلنتها بقوائم ونفذتها لمصلحة أجندات الصراع وخنادق الاحتراب وأخرى لمصالح خارجية…

اليوم نجابه فصلا آخر حيث يعلن زعماء الحرب الطائفية المافيوية اعترافاتهم بما ارتكبوا ويطلبون المسامحة وكأن دماء الضحايا ماء فالماء بات عزيزا شحيحا لا يحظى به المواطن وقد يستطيعون به أن يضحكوا على (البعض).. وعلى الرغم من الاعتراف بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية إلا أنه لا المدعي العام تحرك ولا الجهاز القضائي ولا أية سلطة بل الاعتراف يمرر لدواعي سياسية تضليلية ليقفزوا بوساطته إلى إعادة إنتاج وجودهم على رأس الهرم!

إن تلك الاعترافات من جهة وما يُطلق من تشويهات بالمقابل على المتظاهرين بانهم مندسون عملاء للأجنبي أو من أتباع البعث وجملة من الأضاليل التي اعتمدت منطق الخرافة كدأبهم حيث يُسقطون القدسية الدينية على خزعبلاتهم مع التفات الشعب اليوم إلى صوت المرجعية الذي اختفى مع تنامي التظاهرات وعندما يُسأل عن موقفه يجيب المرجع هذه قضايا لا يتدخل بها الكهنوت الديني بخلاف صوته العالي وإصداره الفتاوى بتكفير الناس وبزجهم باسم الدين في معارك التخندق الطائفي التي يُصدر لها فتاواه بالمجان مفصّلة على مقاس المطلوب من سياسيي الصدفة..

ولقد أدرك الشعب بوعي عميق تلك الألاعيب ولم يعد يصدق وعود حكام الطائفية المفسدين الكاذبة؛ فلطالما وعدوا وأخلفوا طوال 15 سنة عجافا ذاق فيها الأمرَّيْن. ومثل ذلك ما نراه بالترافق مع كل اعتراف لزعيم من زعماء الحرب الطائفية تفتح ميليشياته النار على الانتفاضة..! وهكذا رفض الشعب كل الوعود الجديدة وفضحها ورفض دخول المعممين إلى تظاهراته كما رفض وجود المعمم الذي خلع العمامة أيضا بادعاء ركوبه موجة المدنية وحصر قيادة الانتفاضة بأبناء الشعب الفقراء بعلمانية مواقفهم وديموقراطيتها وبحثها عن العدالة الاجتماعية بحق وليس زيفا..

وكان هذا الرد حاسما حازما قويا وواضحا جليا بلا تردد ولهذا السبب مازالت الانتفاضة مستمرة على الرغم من كل تلك الألاعيب وهذه المرة مع تأكيد أن الشعار ليس مطالبا مادية رخيصة مهما كبر حجمها بل أن المنتفضين يريدون ((استعادة الوطن المنهوب المأسور)) بتبني مطلب الشعب الرئيس متمثلا في استعادة السلطة ممن جيرها لمنافعه الخاصة.. وهو ما دعاهم لرفع شعار:

((الشعب يريد تغيير النظام)) بلا تردد ولا التباس حيث المطلوب اليوم، إنهاء شامل للطائفية والفساد وأقطابها وممثليها والمجيء بالبديل العلماني الديموقراطي الذي يمكن أن يقود مرحلة إعادة الروح وإطلاق مسيرة البناء بالتعاون مع المجتمع الدولي وبوجود التضامن الأممي…

إن المطلوب اليوم بعد أن أعلنت الجاليات العراقية في المهجر عبر مذكراتها وبيانات منظماتها الحقوقية والديموقراطية الحقائق الميدانية التي وردتها عبر عيون الشعب الراصدة لما فتك بفلذات أبنائه، مطلوب حراك يتجسد في (موقف دولي لا يجامل حكومة الطائفية المافيوية)، لا في استبدادها وفي اعتمادها إرهاب الدولة والقمع والبلطجة العنفية ولا في احتفاظها بموقع مميز للميليشيات فوق مؤسسات الدولة وفي إلحاقها القضاء والتشريع تابعا لأوامرها، فضلا عن تبعية السلطة التنفيذية لزعماء الحرب الطائفية وذلك الخطاب الدولي المنشود لا يمر عبر السلطة المزيفة المفتضح أمرها بل عبر الشخصيات الوطنية العراقية ومنظمات المجتمع المدني وقيادات الانتفاضة المستمرة اليوم..

فبخلاف ما يشاهده الشعب العراقي المبتلى من زيارات (بعض) مسؤولين أمميين للمراجع الدينية التي كانت ومازالت غطاءً لأحزاب التدين وأضاليلها، يتطلع المنتفضون لموقف جديد عميق التبصر سليم التوجه إلى حيث خدمة عراق جديد يتبنى مصالح أهله..

بينما سيبقى دعم سلطة الكهنوت الديني على حساب القيادات الوطنية الديموقراطية، مما يرسخ آليات الدولة الدينية وولاية الفقيه ويشجع عبث الميليشيات الزاعمة قدسيتها وهي كما يشهد العالم جرائمها مجرد مجموعات مسلحة خارجة على القانون وفوقه وقد تمادت بكل ما ترتكب يوميا..

إن الدعوة لمؤتمر وطني عاجل بإشراف المنظمة الدولية وبضمان مجلس الأمن لانتخاب حكومة إنقاذ وطني يجنب العراق الاتجاه نحو حرب أهلية يريدها المسلحون بكل خنادقهم، بعد أن وقف بوجههم الشعب ولكن القوى العلمانية البديلة واتجاه الديموقراطيين يبقى بحاجة لدعم ملموس للخروج بالبديل المنقذ إلى الحياة، البديل الذي يولد من رحم الانتفاضة وإرادة الشعب العراقي، بلا تدخلات إقليمية أو دولية كالتي حدثت بوقت سابق..

إن لدى الشعب العراقي عقلا علميا بحجم نوعي مميز وكبير ولكنه يجابه شراذم التقتيل والعنف بكل أشكاله ممن احتل حتى مؤسسات الدولة وهو ما يتطلب موقفا نوعيا مختلفا بالمقابل ذاك الذي نضعه بين أيادي المجتمع الدولي…

فهلا وعينا الدرس الذي أدركه الشعب العراقي بتجاريبه؟ وهلا أمسكنا باللحظة التاريخية قبل انفراط عقدها تحت الضربات القمعية الدموية الجارية؟ إنه نداء الشعب وانتفاضته لحسم الموقف بعد أن ارتعشت فرائص المتنفذين أمام غضبة الشعب ووعيه ورفعه شعار ((التغيير)) هذه المرة ورفض كل قشمريات الشعارات الترقيعية بمسمى الإصلاح ومقاصده المفضوحة ومن يتبناه…

والأيام الآتية سيعلو فيها الصوت أما انتصار الشعب أو إهمال الفرصة وعدم دعم انتفاضة أبنائه وتركه لاستئساد الوحوش الضارية بدمويتها أي لقوى ميليشياوية لا ترعوي عن سفك الدماء بلا قيد ولا ما يردعها..

فلنتضامن مع الشعب العراقي ومع ارتفاع نداءاته طلبا لأصوات أممية ودولية تساند توجهه إلى تغيير النظام بما ينهي الطائفية الكليبتوقراطية ويقيم دولة علمانية ديموقراطية يمكنها تحقيق العدالة الاجتماعية…

وذلكم هو ما ينتظرنا على أننا وشعبنا ندري أن مما أخّر التضامن الدولي وجود بعض أطراف (تنويرية) مازالت تقيم مع أجنحة الطائفية علاقات مضللة مخادعة وكانت وتبقى فخاً لها وللشعب؛ ما يقتضي أن يتحد الشعب وقواه وأن يخرج من عمليةٍ يبات مطلب الشعب تطهيرها وتغيير نظامها. فلينعزل النظام الذي خرب البلاد واستبد بحق العباد ولتتكاتف القوى الوطنية والأممية لتحقيق هذا التغيير..

فلا تتلكأ قوة أو شخصية عن إعلان القطيعة مع النظام، مرةً وإلى الأبد، كي يمكن كنسه نهائيا بلا تردد.. وما ذلك على الشعب بعصيّ..

أما اللعبة التي افتضحت من دجل خطاب الطائفيين المفسدين فبديلها عم ما تنشده انتفاضة الشعب بتغيير النظام وبناء البديل لتنطلق مسيرة استتباب السلام وخطى التقدم…

لا تعليقات

اترك رد