أيها العراقي اذهب إلى بيتك…هذه ليست ثورة


 

عندما نغلي الحليب في القدر، لا يحدث شيء لفترة و نظن لوهلة أنه لن يغلي، لكن فجأة يفور الحليب بسرعة ليطفح من القدر و يقع على النار و يحدث جلبة.

للأسف ثورات العراق تشبه كثيرا فورة الحليب، تندلع بشكل عفوي و تحدث جلبة و ضجة و لكن من دون هدف حقيقي. و تذهب الجهود سدى الريح و تطوى الاحداث في طي النسيان.

أنا اقول هذا بقلم حزين، فأحداث السخط و الاحتجاج و التظاهر التي تحدث في الشارع العراقي اليوم لا ترتقي إلى درجة “ثورة.”

لنذهب قليلا في التاريخ لنشاهد الثورة الفرنسية، و التي هي نموذج للثورة المثالية التي يمكن دراستها و تحليلها و الاستفادة منها. الثورة الفرنسية لا يمكن أن تعلل بأعمال العنف التي دارت رحاها و اخذت معها ارواح الكثيرين و لا يمكننا ايضا أن نحدد فترة زمنية محددة لتلك الثورة، و على هذا الأساس يكون من الغلط أن نظن بأننا اليوم في العراق نستطيع أن ننهض كشعب و وطن بمجرد أن ننزل إلى الشارع باحتجاجات و أعمال عنف ليوم او ايام معدودة.

فحتى و لو نصبنا مقصلة عراقية على غرار المقصلة الفرنسية، و جئنا بكل رموز الفساد من الطبقة الحاكمة السياسية و الدينية و قمنا بقطع رؤوسهم (حرفيا) واحدا تلو الآخر، فهذا لن يجلب التقدم و الازدهار للوطن و للشعب!

الثورة الفرنسية لم تندلع من الفراغ، فالثورة لم تندلع لأن الاحوال المعيشية للشعب الفرنسي كانت قاسية لوقت قصير، فالحياة كانت صعبة بشكل عام منذ العصور الوسطى، بل إن الثورة اندلعت جراء ظهور افكار جديدة لكيفية ادارة المجتمع، و لقد كان المفكرون التنويرين مثل جان جاكيز روسوه و فولتير و آخرين من المفكرين من ابتدأ الثورة الحقيقية قبل ان تندلع الثورة في الشارع بعقود. فعندما ثار الشعب، كان يثور على الحاكم (الملك و الطبقة الأرستقراطية و الكنيسة) ولكنه كان يعرف تماما ما هو الهدف. ثورة الشعب الفرنسي تتلخص برفض الشعب للاستمرار في عيش هذه الحياة بشكل بائس فقط لأن الطبقة الحاكمة لديها حق “إلهي” في العيش الرغيد، فالثورة الحقيقة تتمثل باستبدال فكرة “الحق الإلهي للملك” بفكرة “الحق الطبيعي لكل إنسان”.

إن المعنى الحقيقي للثورة هو التغير الجذري الذي يحدث بسبب تغير فكرة جوهرية، من ما يؤدي إلى تغير كامل من دون رجعة، و هنا نرى امثلة كثيرة مثل الثورة الصناعية أو ثورة المعلومات، فكل تلك الثورات أدت إلى تحول كامل في طريقة العيش من غير رجعة إلى الوراء، و لقد تمت تلك الثورات من دون نزاع عنيف يذكر. فالثورة ليست تصادم عنيف بين الشعب و الحاكم و إنما هي خطوة تحول جذري في الفكر و التصرف.

لنعد إلى العراق اليوم، ما هو دافع الشعب للاحتجاج؟ نعم إنها صعوبة الحياة، بطالة مستفحلة، انقطاع مستمر للكهرباء، ماء مالح، انعدام امن، رعاية صحية معدومة و و و…. اضافة إلى كل هذا فإن المواطن يرى إلى الأرض القفراء التي تعوم على بحر من النفط و لا يكف عن التفكير بكل الاموال التي ينهبها المسئولون الفاسدون. و لعل هذا ما يدفع المواطن للاحتجاج، فالمواطن يحتج لصعوبة الحياة و هو يحاجج المسؤولين و الحكومة بالثروة التي يأتي بها النفط. فلو كان العراق بلد فقير بالموارد النفطية، لم يكن له حجة قوية للخروج و التظاهر على الحكومة.

إن المبادئ الأساسية في المجتمع هي مبادئ واهية و غير ناضجة على الاطلاق، فالعراقي يريد أن يعيش حياة رغيدة من دون عناء، فمنى حياته هو أن ينزل في حسابه المصرفي راتب شهري من حصته في النفط، و يكون له جواز سفر قوي يستطيع أن يسافر به ليرى الدنيا، و يريد أن يركب سيارة بتكيف و يريد ان يسكن في بيت واسع. ذلك كله من دون أن يحتاج الى ان يعمل اي شيء، فهو يستنكف من اعمال كثيرة و ينتظر من يعطيه وضيفة وهمية و سهلة، يجلس فيها على مكتب مريح و فوقه تكيف مركزي و يأتيه الشاي حين يشاء. ببساطة العراقي يحلم بأن يعيش على غرار أقرانه من دول الخليج، حياة فارهة و فارغة في نفس الوقت!

و على هذا الأساس، فما يحدث في الشارع العراقي اليوم ما هو إلا فورة حليب، إنها “فورة” الجموع الغاضبة التي تطالب الحكومة الفاسدة بحياة رغيدة حتى و لو كانت فراغة. و الحكومة بدورها لا تتراجع عن كونها فاسدة. و لما كانت وسائل العنف متاحة بيد الحكومة، فهنا يقع ما لا يمكن تفاديه، الا و هو قمع المتظاهرين بكل قوة و عنف.

و لكن العنف لن يستمر لفترة طويلة، فالحكومة الفاسدة سوف تلجأ إلى الحلول السريعة و التي تتمثل بإقالة عدد من المسؤولين تماما كما نقلم أظافرنا المتسخة. و من بعدها سوف تستخدم حلول فورية لحل ازمة الكهرباء عن طريق استخدام محركات الديزل. و بعدها سوف ترش النقود هنا و هناك، و تمنح الوظائف الوهمية هنا و هناك، لتنتهي “الفورة” على وضع وهمي و هش، و هذا كل شيء.

نعم الشعب يعيش في الجحيم و الفاسدين يرتعون و يلعبون بثروات البلد، لكن المجني عليه و الجاني كلاهما يدوران في نفس الفلك، فالمواطن و المسؤول يفتقران إلى الوعي و الفكر الناهض، لذا فما يحدث هو تحصيل حاصل، فيا ايها العراقي ارجع الى بيتك فهذه

ليست ثورة، و كل ما سوف تحصل عليه هو الفتات الذي سوف ترميه لك الحكومة لكي تسكتك! و هذا طبعا لا يشمل تعويض ما قد هدر من ارواح و كرامة و زعزعة ثقة بين الشعب و الحكومة، ألم نكن يد واحدة منذ عام؟

اما بالنسبة للحكومة و المسؤولين، فهؤلاء لن اتكلم معهم، لأن الكلام مع الذي ينعدم عنده الضمير هو مضيعة للوقت. فهؤلاء الطفيليين لم يكن لهم يوما الحق او القدرة على حكم العراق، بل كل ما في الأمر أنهم باعوا أنفسهم الرخيصة و التافهة للأمريكان و للإيرانيين و لكل من له منفعة في أكل الذبيحة.

على كل حال، التغير الجذري الحقيقي لن يأتي هكذا، الوطن يحتاج إلى ثورة حقيقية، تبدأ في الفكر لتتطور بعدها إلى نتائج ملموسة على ارض الواقع .الثورة يجب أن يكون هدفها نقل المجتمع إلى نظام حكم واضح يعمل على تحريك المجتمع باتجاه الهدف الأسمى للمجتمع.

بالنسبة لي فالأمور واضحة، إني أرى الهدف الأسمى هو “نشر التنوير” بوسيلة حكم “الديموقراطية المباشرة”. لكن هذا رأي فحسب، فما هو رأيك انت؟

لا تعليقات

اترك رد