أحزمة الفقراء ورقاب المسؤولين

 

ليس سراً أن الدافع الأساسي لكلّ حرب هو الإقتصاد، وأن الطرف الرئيسي في كلّ حرب إقتصادية حديثة ومعاصرة هو الولايات المتحدة وحلفائها، التي ما تركت ثروة تحت أرض بلد، أو فوقها إلا وعملت على الإستيلاء عليها، منذ أن حلّ “كولومبوس” وقتل الهنود الحمر، وتقلّص عددهم في أمريكا، من سبعين مليوناً، إلى ثلاثة ملايين ونصف فقط، طمعاً في أرضهم وتراب الذهب والفضة الذي يجمعونه من جريان الماء ومن المناجم، وكان كبير الأساقفة “لينيان ثيسنيروس” ينكر الإبادة، ويقول:

“إنهم يختبئون كي لا يدفعوا الجزية”!، وصولاً إلى منح شركة “بكتل” الأمريكية العقد الرئيسي لما يسمى بإعادة إعمار العراق، التي صرحت أنها لن تحرم شركات الدول التي عارضت الحرب، غير أن الأفضلية تبقى للدول المشاركة، هذا مثال بسيط على أن فكر أبناء مدرسة شيكاغو التي نظر لها فريدمان “العم ميلتون” وطبقها صقور المحافظين الجدد من رامسفيلد وجورج بوش وكوندا ليزا رايس وكولن باول.

منذ منتصف القرن العشرين وإلى اليوم، تدبّر الولايات المتحدة المكيدة لكلّ دولة تحاول الإفلات من فخ السوق الحرة، والثالوث المشؤوم المتمثل بخصخصة قطاعات الدولة وخدماتها، وتخفيض الإنفاق الحكومي، وفي المحصلة الخضوع لصندوق النقد الدولي والقرارات الأممية التي توقع أغنى البلدان في قبضة المخلب الأمريكي.

هكذا كان الامر مع التنموي الإيراني محمد مصدق عام 1953، إذ أطيح به بإنقلاب دبرته وكالة الإستخبارات الامريكية إنتقاماً لتأميمه شركة النفط الإيرانية، وإستبداله بالشاه الإستبدادي، وهكذا كان أيضاً في غواتيمالا عام 1954 عندما أطيح بالرئيس جاكوبو آربنز غوزمان بإنقلاب دبرته ذات الوكالة وبتحريض من “شركة الفاكهة المتحدة” “يونايتد فروت” لأن الرئيس غوزمان صادر بعضاً من أراضيها، فأطيح به وعاد إقطاعيو شركة الفاكهة لتسلم زمام الأمور.

لم يكن الحال عام (1965) يختلف كثيراً في أندونيسيا، عندما قلبت الوكالة النظام على الرئيس الأندونيسي سوكارنو الذي أغضب بسياسته البلدان الغنية، وقام بطرد صندوق النقد والبنك الدوليين اللذين اتهمهما بتشكيل غطاء لمصالح الشركات الغربية المتعددة الجنسيات، وإعادة توزيعه الثروة، فسلطوا عليه الجنرال سوهارنو الذي استولى على السلطة وخدم المشروع الإقتصادي الأمريكي هناك.

ولذات الأسباب الأمريكية أسقط سلفادور اللندي في التشيلي، واستبدل بالدكتاتور بينوشيه الذي يقول عنه الكاتب الأورغواياني (إدواردو غاليانو) أن بينوشيه هو منحة الإقتصادي الرأسمالي الأمريكي فريدمان ونظراياته!

إن ما قام به الأخير وأعني بينوشيه في التشيلي، كفيلٌ بأن يوضح لنا ما نسير إليه في العراق اليوم، فقد استقدم بينوشيه أكثر سياسات زعيم مدرسة شيكاغو الرأسمالية (العم ميلتون) كما يسمونه، وأكثرها تقدماً، فقد استبدل نظام المدارس الرسمية بمدارس القسائم النقدية الكافلة والمدارس الحكومية المستقلة، وبات نظام الرعاية الصحية لا يسري إلا في مقابل الدفع، كما تمت خصخصة الحضانات والمتنزهات والمقابر!، وأكثر من ذلك بعد، عمد إلى خصخصة نظام الضمان الإجتماعي.

إن سرداً مفصلاً بالدول التي ذكرناها تفتح وعينا على ما يجري في العراق، الخصخصة التي كانت أول الإصطلاحات التي رافقت الحرب، والتي ينظّر لها قليلٌ من المنتفعين ويعارضها جمعٌ غفيرٌ من أبناء الشعب الفقير.

في عراق اليوم يمكننا تلخص الواقع الإقتصادي بتسميته “إقتصاد الملاّك الخاصين” وهم ملاّك جدد، موكلون من قبل الدوائر الإقتصادية للأحزاب التي تتقاسم فتات شركة بكتل الكبرى، بمشاريع خاصة تدرّ أرباحاً سنوية ضخمة، هكذا تعود ملكية كل شركة من شركات الهواتف النقال في البلاد إلى حزب معين، يتصارعون في كلّ مؤتمر سنوي للحزب على كيفية توزيع الأرباح، ويتهمون بعضهم البعض، أو يتهمون زوجة أحد مسؤوليهم بالإنفراد بواردات الشركة المملوكة للحزب، كما حصل في مؤتمر أحد الأحزاب، تماماً كما هي “المولات” الفخمة التي انفجرت بها شوارع بغداد الضيقة فجأة، ما هي إلا مشاريع حزبية خاصة سريعة الربح.

إن المواطن العراقي البسيط يعرف، وإن جولة برفقة عراقيين طيلة نهار واحد في شوارع بغداد، تكفي لأن تراكم معلوماتنا عن هذه المشاريع ومالكيها بالأسماء والأحزاب، غير أن الاحزاب وزعمائها يظهرون بمظهر الجاهل الذي لا يعرف لماذا يحتجّ الفقراء ويخرجون إلى الشوارع غاضبين!

إن أولى لبنات الإصلاح في العراق ينبغي أن ترتكز على نبذ الخصخصة في بلد غني كالعراق يستطيع الإعتماد كما كان على القطاع العام في الخدمات الرئيسية كالكهرباء والماء والإسكان والرعاية الصحية، مقابل جبايات مناسبة يدفعها الناس للدولة.

أخيراً يروي القاصّ البصري الراحل محمود عبد الوهاب حكاية طريفة عن الشاعر حسين مردان، أن الأخير وبعد ثورة تموز 1958 الإشتراكية، بقي جالساً في المقهى المقابل لشركة “باتا” للأحذية، الشهيرة آنذاك، فأجاب لما سألوه عن جلوسه طويلاً هناك: أفكر بطريقة لتأميم أحذية باتا!

هذه الطرفة لا أستبعد أن يحولها المضطهدون والجياع والمقهورون في العراق إلى حقيقة واقعة في المستقبل حين يغضبون لكل ما سلب منهم بالحيلة والسرقة من مال الشعب العام، هكذا سيفعلون حين يطاردون أملاك المسؤولين وشركاتهم الضخمة التي لم يخضع غاصبوها حتى اليوم لسؤال: من أين لك هذا؟ ويلٌ يومئد لرقاب المسؤولين من أحزمة الفقراء التي أرهقهم شدّها على بطونهم.

لا تعليقات

اترك رد