القسّام النظامي


 

اعتُبِرَ قرارُ الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة عام 1956 مراجعة قوانين الأحوال الشخصية سيما مايتصل بموضوع الإرث واقتراحه توزيعه بين الذكر والانثى بالتساوي بمثابة ثورة اصلاحية مبكرة في العالم العربي والاسلامي رغم التحذيرات والدعاوى المضادة لهذا القرار ، وهو ما أعيد البناء عليه العام الماضي من قبل الرئيس التونسي الحالي باجي قايد السبسي في دعوته إلى المساواة في قضايا الإرث وزواج المسلمة بغير المسلم ومنع تعدد الزوجات في القانون وتعقيدات كثيرة تصطدم حتماً بالمؤسسة الدينية .

هذه النزعة التحديثية التي جازفت بها تونس من أيام بورقيبة ، وذاع صيتها كثيرا ، فوجئتُ وأنا اطلع متأخرا على خطوة لافتة سابقة لها اتخذها رئيس وزراء العراق الأسبق نوري السعيد عام 1948 للالتفاف على قانون التوريث الديني الذي ينص على ان للذكر مثل حظ الانثيين وينظم بمايعرف بالقسام الشرعي، فعمل على سن قانون مرادف للقسام الشرعي حينذاك سمي “القسام النظامي” ، حيث تتمثل الفروق بين القسّامين على النحو التالي :

1-ان القسام الشرعي يصدر من محكمة الاحوال الشخصية لمحكمة محل المتوفي الدائمي, في حين أنّ القسّام النظامي يَصدر من محكمة البداءة التابعة لمحل اقامة المتوفي الدائمي أيضا.

2-الحصص في القسام الشرعي للذكر مثل حظ الانثيين, في حين أن الحصص في القسام النظامي تكون متساوية اي للذكر مثل حظ الانثى.

وتفصيلات اخرى ابرزها الاشارة في القسام لشرعي الى عبارة “تصح المسألة الارثية” أما القسام النظامي تذكر فية عبارة “تصح المسألة الإنتقالية” وتفصيلات لاحقة .

وفي لقاء جمعني مع الشيخ الوجيه الحاج موسى الخير الله نقل لي خلاله ماسمعه مباشرة من السياسي الراحل عبد الرحمن البزاز حين كان قاضيا بداية الخمسينات إشارته الى الفكرة التي كانت وراء اتخاذ نوري السعيد هذا القرار الجريء ، وهي محاولة الحد من تضخم الملكية الذي يمثله ميراث الأبناء لاسيما في الأراضي ، لأنّ مساواة الملكية مع المرأة التي ستنقل العائلة الى زوج وأبناء آخرين هو بحد ذاته تفكيك لنفوذ الإقطاع على الأراضي ، دون أنْ يلحظ أحد ذلك في المنظور العام . وبالطبع خضعت هذه القصة مثل أية محاولات أخرى الى جدل ومعارضات وخلافات عشائرية شديدة الا أنها في النهاية ثُبِّتت في القانون بهذا الاسم .

إشارتي الى هذا الأمر لها أكثر من مغزى بالتاكيد ،لكنّ الجدير بالذكر منها هو كم من مشاكل متشعبة دفينة غير منظورة في الحياة والمجتمع ينبغي للدولة المسؤولة والادارة الصحيحة ان تنتبه لها وتعالجها ؟، وكم من المهملات اليوم ازاء عمل المؤسسات الحكومية التي تداخل في عملها وخطابها الحق والباطل بالقانوني وغير القانوني ، والصح والخطأ بالحلال والحرام ، ولم يعد المواطن يفهم من نتائج ذلك الصخب شيئاً.؟

المقال السابقضرورة ألفن للحياة الانسانية – ج1
المقال التالىمستقبل الإقليم : تكامل أم تناحر ؟
عبد الحميد الصائح شاعر وصحفي وناشط في مجال حقوق الانسان .مواليد الناصرية جنوب العراق - يقيم في بريطانيا.. اصدر عددا من الكتب في الشعر والمسرح وله كتابات في النقد والصحافة كما قدم برامج سياسية وتلفزيونية تعنى بالشان العراقي . درس المسرح في كلية الفنون بجامعة بغداد والاعلام في الجامعة الامريكية ال....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد