ضرورة ألفن للحياة الانسانية – ج1

 

تأخذ ضرورة وأهمية ألفن عند الإنسان ضمن مجريات متعددة في الوجود والحياة، منذ النشيء . .حيث إقترن ألفن مع حاجاته المنفعية لأستثمار الموارد في الأرض الزراعية والصناعية، وكذلك للدفاع عن مخاطر العدوان، ألتي تحتاج إلى أدوات تصبح وسيلة للعطاء والإنتاج، بدءاً من الأدوات البسيطة، كالحجر، الذي تم تحوير بنيته الشكلية إلى وسائل للأمساك بها دفاعاً عن حياته من الوحوش المفترسة، وكذلك الصراعات البشرية، أي ذات الفصيلة، إن إستخدام وتصنيع تلك الأدوات الإستثمارية والدفاعية تحتاج إلى فعل ذهني يحور بنية هيئتها الشكلية والتصميمية لكي تسهل عملية الإستخدام لها، وفي الوقت ذاته تقترن مع تلك التبدلات الشكلية للمواد الأولية هيئة تصميمية، تعكس بنيتها الجمالية المستساغة في التذوق، وكذلك تقترن عملية الإبتكار والصناعة مع بنيتها التكوينية الجمالية، إذاً أهمية وضرورة ألفن إقترنت مع بداية وجود الإنسان، وتشغيل مهامه الفكرية في المهارة النفعية، والتذوق الجمالي الفني.

يعتبر الرسام الهولندي ماندريان أن الفن يمكن أن يختفي، لأنه بالأساس يعبر عن إنعدام التوازن في الحياة. لكن السؤال هنا ليس إذا كان الإنسان سيصل يوماً لهذا الإتزان بينه وبين العالم، إنما هل ألفن مجرد بديل للتوازن في الحياة؟

الفن ربما يعبر عن علاقة أشد تعقيداً بين الإنسان والعالم، علاقة يصعب كثيراً تلخيصها في جملة واحدة.

يشبع ألفن مجموعة واسعة من إحتياجات الإنسان، وتسمح دراسة بدايات ألفن ونشأته بتحديد الوظيفة التي لعبها منذ بداية التاريخ، لكن هل يمكن أعتبار هذه الوظيفة ثابتة لا تتغير؟ ألا يتبدل دور الفن ووظائفه مع كل التغيرات والتحولات التي تطرأ على شكل المجتمع البشري؟

يسعى الإنسان إلى عالم أكثر طوباوية، وجمالًا، وأقرب للمنطق والعقل، بهذا يمكن أعتبار الفن تعبيراً عن رغبة الإنسان الهائلة في الثورة على الحياة المحدودة التي تسمح له بخوضها مرة واحدة.

قبل البدء بالخوض في مجال ضرورة وأهمية ألفن في حياة الإنسان، لابد من التطرق وتوضيح مفهوم ألفن في مجالات مفاهيمه المتعددة وإيجاز تنويهي ..

مفهوم الفن فلسفياً:
ألفن هو عبارة عن تفاعلٍ إنسانيّ يهدف إلى خلق أو إنتاج قيمةٍ جماليّة، أو هو إبداع آثارٍ فنيّة بهدف الوصول إلى تحقيقٍ مثاليّ للجمال، وبقي مفهوم ألفن ضمن المجتمع الحرفيّ يقترن لفترةٍ طويلة بالنشاط المنتج والصنعة؛ حيث كان الفنان يعتبر كالحرفيّ أو الصانع، وذلك بسبب إبداع كليهما ضمن نشاط إنتاجهما، ولم يتمّ تمييز الفن كنوعٍ من النشاط الإبداعيّ الخالص بعيداً عن الممارسات الحرفيّة أو التقنية إلا عند بدايات القرن الثامن عشر للميلاد، أي بعد تشكّل (الإستيطيقا)، والتي هي عبارة عن مبحثٍ فلسفيّ يُعنى بدراسة ألفن وإبداعاته.

يعتبر ألفن النِتاج الإبداعي الإنساني حيث يعد لوناً من ألوان الثقافة الإنسانية، وتعبير عن التعبيرات الذاتية وليس تعبيراً عن حاجة الإنسان لمتطلّبات حياته، حيث يشكل فيه المواد لتُعبّر عن فكره أو يُترجم أحاسيسه أو ما يراه من صور وأشكال يُجَسدها في أعماله، رغم أنّ بعض العلماء يعتبرونه ضرورة حياتية للإنسان كالماء والطعام.

هناك ما يسمّى بالفنون المادية كالرسم، والنحت، والعمارة، والتصميم الداخلي، والتصوير، والزخرفة، وصنع الفخار، والنسيج، والطبخ، والفنون غير المادية التي نجدها في الموسيقى، والرقص، والدراما، والكتابة للقصص والروايات.

تستخدم كلمة فن وفي الوقت الحالي لتدلّ على أعمال إبداعية تخضع للحاسة العامة كفن الرقص، أو الموسيقى، أو الغناء، أو الكتابة، أو التأليف، والتلحين، وهذا تعبير عن الموهبة الإبداعية في العديد من المهارات والبشر، بدأوا في ممارسة الفنون منذ 30 ألف سنة، وكان الرسم يتكون من أشكال الحيوانات وعلامات تجريدية رمزية فوق جدران الكهوف، وتعتبر هذه الأعمال من فن العصر الباليوثي، ومنذ آلاف السنين كان البشر يتحلّون بالزينة والمجوهرات والأصباغ.

كان هويّة الإنسان في معظم المجتمعات القديمة الكبرى تعرف من خلال الأشكال الفنية التعبيرية التي تدلّ عليه، كما في نماذج ملابسه وطرزها وزخرفة الجسم وتزيينه وعادات الرقص، أو من الاحتفالية، أو الرمزية الجماعية الإشاراتية التي كانت تتمثّل في التوتم (مادة) الذي يدلّ على قبيلته أو عشيرته، وكان التوتم يزخرف بالنقش ليروي قصة أسلافه أو تاريخهم، وفي المجتمعات الصغيرة كانت الفنون تعبر عن حياتها أو ثقافتها.

كانت الإحتفال والرقص يعبّر عن سير أجدادهم وأساطيرهم حول الخلق أو مواعظ ودروس تثقيفية، وكثير من الشعوب كانت تتّخذ من ألفن وسيلة لنيل العون من العالم الروحاني في حياتهم، وفي المجتمعات الكبرى كان الحكام بستأجرون الفنانيين للقيام بأعمال تخدم بنائهم السياسي، كما كان في بلاد الإنكا حيث كانت الطبقة الراقية تقبل على الملابس والمجوهرات والمشغولات المعدنية الخاصة بزينتهم إبّان القرنين 15م. و16 م، لتدلّ على وضعهم الإجتماعي، بينما كانت الطبقة الدنيا تلبس الملابس الخشنة والرثة، وحالياً نجد أنّ الفنون تتبع في المجتمعات الكبرى لغرض تجاري، أو سياسي، أو ديني، أو تجاري، وتخضع للحماية الفكرية.

مما تقدم، نستنتج بأن ألفن هو لون من ألوان الثقافة الإنسانية حيث إنّ الفن هو نتاج بعض الإبداع الذي يكون مصدره الإنسان، كما أنّ الفن يعتبر أداة تعبيرية لدى الإنسان بالأمور الذاتية الخاصة به، ولا يكون تعبيراً عن بعض متطلبات الإنسان في حياته الاعتيادية، كما أنّ معظم الأشخاص يقيمون ألفن على أنّه ضروري جداً في الحياة، مثل: ضرورة الماء، والطعام للإنسان أي أنّها مهمّة جداً لحياة الإنسان، كما أنّ هناك عدة انواع للفنون فمنها ما يطلق عليه بالفنون المادية ومنها ما يطلق عليها الفنون غير المادية، فالفنون المادية هي الفنون التي تكون، مثل النحت بالإضافة إلى الزخرفة وصنع الفخار .. إلخ، أمّا الفنون غير المادية هي مثل الموسيقى والرقص وغيرها.

الدلالة الفلسفيّة لمفهوم الفنّ:
إقترن مفهوم ألفن على مستوى الدلالة الفلسفيّة بالمعنى الصناعيّ العام الذي يعني الإنتاج، أي بمعنى الإنتاج المتقن لقيمٍ وموضوعات استعماليّة ضمن قواعد معينة، ومن هنا فإنّ الفنّ يطابق المهارة القابلة للتعلّم والتعليم، إضافةً لهذا فقد إرتبط الفنّ بالمعاني الجماليّة التي تعني صناعةً إنتاجيّة لعددٍ من موضوعاتٍ وقيم جماليّة خالصة، وهي غير موجهة للإستخدام والربح المادي، بل وجدت لتنمية الإحساس الجماليّ والمتعة.

فالفنّ هو عبارة عن فاعليّة إنسانيّة شأنه شأن الفعليّات الأخرى؛ حيث إنّه عمل إنسانٍ حرٌ وواعٍ، وهو يتطلّب الموهبة والمهارة، ويتميّز بأنّه عملٌ ممتع غير قابل للتعلّم، أي بمعنى أنه لا يُمكن إتقانه من مجرّد معرفة قواعده، وهو ذو غايةٍ وجدانيّة وجماليّة.

أوضح (إيمانويل كانت) أنّ الفنّ هو نتاج إرادةٍ عاقلة وحرّة، وهو عبارة عن عملٍ حرّ يمتاز عن العلم بأنّه غير خاضع لأيّ قواعد منهجيّة وقوانين ومبادئ، فالفنّ يخرج عن المألوف والمعتاد، وهو أيضاً عبارة عن نشاطٍ حرّ لا ينتظر من وراء إنجازه المكسب أو الربح؛ حيث إنّ ألفن لا يعتبر وسيلة، بل هو غايةٌ في حدِّ ذاته.

ذكر (مارتن هايدكر ) أصل العمل الفنيّ في محاضرته، وأكّد على طابع الشيء في الآثار الفنيّة، وقد أكّد صحّة كلامه في ما يلمس في الفن المعماري من حضورٍ للحجر، أو الرخامِ، أو الخشب في المنحوتات الفنيّة، بينما يحضر اللون في اللوحات المرسومة، ويأتي جمال الصوت في الأثر اللغوي، أمّا الرنين فإنّه يتضح في الأثر الموسيقي، وعلى الرغم من هذا فإنّ حضور الشيء في المنتج الفنيّ ليس هو ما يمنحه طابعاً إبداعيّاً فنيّاً، بل هو ما يحمله هذا الأثر الفنّي من رموزٍ ودلالات واستحضارٍ للشيء الغائب المراد تجسيده؛ حيث إنّ هذا البعد الرمزيّ أو التمثيلي هو ما يضفي على أيّ عملٍ مادي طابعاً فنيّاً.

الدلالة اللغويّة لمفهوم الفنّ :
عرّف ابن منظور الفن لغويّاً في معجم لسان العرب، على أنّه اسم لفعل فنّ، أو فننّ الشيء أي أتقنه وجعلهُ مثيراً للإعجاب، ويقال (رجلٌ مفن) أي أنه يأتي بالعجائب، ويقال أيضاً فنَّ أو تفنن الرجل بالكلام، أي زيّنه وأتقنه بمحسناتٍ لفظيّة، فالفن بالدلالة اللغويّةِ العربيّة هو جمالٌ وإتقان، وهو يحمل المعنى ذاته في اللغات الأجنبيّة.

إستمرارية ضرورة ألفن :
بما إن فروع ألفن ومنها التشكيلي، قد تزامنت مع نشأت وجود الإنسان في الحياة والذي إقترن مع وسائل الخدمات يطريقتها الأبتكارية والتصميمية والصناعية، فإن الفن كان ومازال وسيبقى ضرورة في حياة الإنسان، بل يوشك أن يكون عمر ألفن هو عمر الإنسان. تشترك جميع التجمعات الإنسانية منذ ما قبل التاريخ في عاملين أثنين، وجود شكل فني ما – ولو رسومات بدائية على جدار كهف-، ووجود شكل من أشكال الدين، بمعنى الطقوس التي لا تفسير مادي لها. يظهر هذا أن الإنسان منذ اللحظات الأولى لوجوده على هذا الكوكب متطلع لما لا يستطيع التعبير عنه إلا بشكل جمالي أو طقس متجاوز للضرورة المادية.

الفن والمتعة:
إن الناس يرتادون المسارح والسينما ويستمعون للموسيقى بكثرة وإستمرار، هل يوفر هذا لهم المتعة وراحة البال؟ إذا كانت الإجابة نعم، فإن ثمة أسئلة أكثر دلالة يجب طرحها هنا. أليس من الغريب أن يستمتع الإنسان بتسليم حواسه لخيالات عن حيوات آخرين؟ إذا كان الناس يفعلون هذا للفرار من حياتهم إلى حيوات أكثر رحابة، يصبح السؤال هنا لماذا لا يكتفي الإنسان بوجوده؟ لماذا يظل محتفظًا على الدوام برغبته المبهمة في أختبار أشكال أخرى من الحياة، ولماذا يتابع بهذا الأهتمام قصصًا يعرف أنها ليست سوى خيالات كاتب؟

يعتبر – إرنست فيشر – أن الإنسان يطمح دائمًا إلى أن يكون أكثر من مجرد نفسه، في سعيه الدائم للكمال، يسعى للخروج من حدود جسده، وحياته المقيدة، إلى شيء أكثر رحابة وإتساعاً، إلى كلية تقف فرديته الضئيلة حائلًا دونها. يسعى الإنسان إلى عالم أكثر طوباوية، وجمالًا، وأقرب للمنطق والعقل، بهذا يمكن إعتبار الفن تعبيراً عن رغبة الإنسان الهائلة في الثورة على الحياة المحدودة التي تسمح له بخوضها مرة واحدة، بجسد واحد، وعمر واحد، وتجربة واحدة. لا يتوقف الإنسان عن محاولات تسخير العالم، وفهمه، ربما التقدم التكنولوجي ليس سوى محاولة مد لأناه إلى أطراف الكون، من المجرات النائية وحتى أعماق أجزاء الذرة. ولكن يبقى ألفن هو ليس نتاج فردي منعزل عن المحيط الإجتماعي، وكذلك ذوي الإختصاص المتماثل معه. . تتم تلك الروافد من خلال إستمرارية التجارب. . حيث أن التجربة عنصر أساسي ليكون الفنان فناناً، تخلق التجربة الألم، والذكرى، وتملأ أعماق ألفنان بالتوتر والمعاناة، ثم يحول ألفنان هذا كله إلى تعبير جمالي، لو كان الإنسان يستطيع إحتمال فرديته المحدودة، لكان لهذه المتعة أن تتجرد من المعنى، لكن الإنسان لا يملك سوى الإستمرار في الحياة رغماً عن تناقضاته. مادام الإنسان لا يشعر بنفسه ككل مكتمل يحتوي على كل ما بوسعه أن يكونه، سيظل يحاول الحصول على تجارب الآخرين، ألفن إذاً هو ملاذ الإنسان من جسده الضيق وحياته الضئيلة، وهو أداته التي بها يندمج مع المجموع والكل، ويلتقي بغيره، آملاً في حكاية هنا أو تجربة هناك. لكن السؤال يبرز هنا مرة أخرى، أليس تعريف ألفن باعتباره وسيلة لألتقاء الفرد بالمجموع تعريفاً رومانسياً ساذجاً؟ ألا يحمل ألفن أيضاً المعنى النقيض لهذا في ذاته؟ يرى – فينشر – أن الفن يحقق أيضاً للمشاهد متعة لإنفصاله عما يرى، متعة المسافة التي تفصل بين الحقيقة وبين الخيال، ما يمكنه من إمساك ذاك ألذي يراه وإعادة تدويره وخلقه في مخيلته، ليمنح نفسه الحرية ألتي لا تتوافر له في حياته اليومية. تتغير وظيفة الفن وأسباب الإحتياجات له بتغير العالم وقواعده وأشكال التفاعل فيه، فالفن أبعد المنتجات الإنسانية عن الثبات والجمود. التجربة عنصر أساسي ليكون الفنان فناناً، تخلق التجربة الألم، والذكرى، وتملأ أعماق الفنان بالتوتر والمعاناة، ثم يحول ألفنان هذا كله إلى تعبير جمالي. يعتبر أرسطو أن وظيفة الدراما هي تطهير الانفعالات وهزيمة الخوف. المشاهد لا يملك الحكم على ما يراه سوى من تجربته الذاتية ومطابقتها على ما يراه، إنه يحصر ما يراه في إطار حياته أو يحاول فهم حياته في إطار ما يراه، إذاً حين يطابق بين ذاته وبين شخصية مسرحية، فإنه يتحرر من قيود قدره بقدر مساحة العمل الفني، للفن أسر يختلف عن أسر الواقع، أسر هو في الواقع مصدر متعة وغبطة حتى إذا كان العمل الذي نشاهده مأساوياً.

المقال السابقالمغفرة … عود على بدء
المقال التالىالقسّام النظامي
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد