انتفاضة الجياع .. قراءة وتحليل


 

احتجاجات صاخبة بدأت شرارتها من مدينة البصرة قادتها مجاميع شبابية من العاطلين واليائسين من الحياة والناقمين على احزاب السلطة لتنتشر بعدها كالنار في الهشيم وتزحف لبقية محافظات العراق .. خمسة عشر عاما والقوى المدنية تتظاهر بدوام الجمع حتى باتت كالصلاة الموتورة في سوح المحافظات .. في عام 2014 استمرت التظاهرات لسنة واكثر وقبل ان تستثمر من قبل التيار الصدري الذي ركب الموجة بعد ان فشلت بقية الاحزاب من سرقة تلك الوقفات الاحتجاجية بسبب عدم قدرتها على التحشيد وكما يفعلها في كل مرة ” تيار الاحرار ” سابقا و ” سائرون ” حاليا لذا اقتصر عمل بقية الاحزاب الاسلامية السلطوية من دس بلطجيتها بين صفوف المتظاهرين والعمل على تشويه حراكهم باظهار هم بصورة الغوغائي الذي ينتهز الفرصة للحواسم من جهة ومن جهة اخرى حاولت القنوات الفضائية التابعة لتلك الاحزاب من حرف قناعة الشارع برمي التهم على المحتجين ووصفهم بالمرتزقة التي تعمل لاجندات طائفية أو انها تابعة لحزب البعث الصدامي المنحل وحسب ما كانت تصرح به فضائياتهم ليل نهار انذاك .
– النمل الشيوعي يستنجد بجند مقتدى الصدر
من اجل حماية انفسهم وعوائلهم اقدمت القيادات الشيوعية والتي كانت واجهة بارزة لما يسمى بالحراك المدني من الارتماء باحضان الصدريين متضامنين معهم في ساحة التحرير فهم كما المستعمرات الصغيرة للنمل خرجت باسراب تبحث عن عيشة كريمة يعيلها على قضاء سبات فصل الشتاء ، ولما تكمل مسيرتها جاءتها اقدام جند سليمان التي لاترعوي من سحقها وفيما مرت من فوق رؤسها ، وهنا لايوجد امامها غير خياريين اثنين لاثالث لهما ، فاما ان تسحق النمل باقدام الجند وتموت او ان تقوم ملكة النمل بمهادنة الجند والتنازل نوعا ما عن بعض الشعارات الرنانة والمباديء السامية والسلوكيات الطبيعية التي جبلت عليها تلك الحشرات الضعيفة الى ما يضمن الحفاظ على ارواحها وسلطان مملكتها ومنه يستمر الحراك بدوام التظاهر وهكذا فعلها ” النمل الشيوعي ” مع ” جند مقتدى الصدر ” فالقلة تخشى الكثرة وهي باتت تحتاج للحماية خصوصا وهم لا سلطة لديهم فكانت حينها الفرصة سانحة للصدريين من استثمار نقطة الضعف هذه وهم استثمروها بالفعل لتتوج في النهاية بزيجة مؤقتة وتحت يافطة التحالف بين الشيوعيين والصدريين ليدخلوا في النهاية بقائمة واحدة في الانتخابات التي جرت في ايار مايو الماضي وهنا لانريد الخوض في تفكيك ما شهده التحالف من ارتجاجات كادت ان تطيح به ، بعد الانقلاب الدراماتيكي لسماحة السيد الصدر على المباديء الاساسية التي الزمت الطرفين بعقدة ااتحالف بينهما وحينما ذهب ليتحالف مع قائمة الفتح وكما صرحت بها بعض من القيادات الشيوعية ؟ .
– رغبة الصدريون من ركوب موجة التظاهرات الحالية ؟
اليوم يتكرر ذات المشهد بميلودراما جديد كتبت سيناريوهاته هذه المرة انامل الجياع من الذين يعيشون الفاقة والحرمان والغارقة احلامهم في الخلاص من شظف العيش وفي كيفية الحصول على الماء الصالح للشرب ، مع ان شبابها كانوا من اوائل الملبين لدعوى الجهاد الكفائي التي اطلقها السيستاني بلسان وكيله ، والجرح لم يندمل بعد ان تركت عوائل من استشهد بسبب تلك الفتيا دون رواتب واطفالهم تستجدي الرغيف ونساءهم يتعرضن لسوء المعاملة من قبل البعض في سبيل توفير لقمة العيش لاطفالهم فاين الدين ومحمد من هكذا مشهد لا بل اين عليا ابا الارامل والايتام وحسب ماينعتو الشيعة به رابع خلفاء المسلمين عليا بن ابي طالب ؟ بل اين عدالة السماء من هكذا رجال سفهوا الدين بعقائدهم ومصالحهم وما نشروه من خرافات وجهل بين الامة غيبوا به العقول واستثمروا بطائفيتهم عقيدة البسطاء منهم فاخرجوهم من دين محمد دونما معرفة ؟ .
وعن المشهد الحالي الذي رسمته فرشاة المعدمين من البسطاء ومن الشباب الحالم بايجاد فرصة عمل بعد ان انهى دراسته بكد وتعب ، ومن المحرومين من الذين يستظلون بسقف ال” جينكو ” الذي تحمله جدران الطين فهذه المرة لم يمازجوا الوان فرشاتهم مع الوان لوحة جواد سليم في ساحة التحرير بالعاصمة بغداد بل ان فرشاتهم راحت تستصرخ الشوارع المكتضة بالازبال والمياه الاسنة التي تقف على جرفها اطلالات البيوت الخربة المبنية من الصفيح والاجر في مدينة كانت يوما ما تعد من المدن الاقتصادية الكبيرة في عصر الخلافة وماتلتها وحتى اكتشاف النفط لتكون (( البصرة )) الشريان الاقتصادي النابض للعراق والبقرة التي تدر حليبا لبقية المحافظات وهي لاتأكل سوى مخلفات الزروع ” البوه ” وتشرب الماء الآسن من الجيف المرمية في نهر العشار ؟ .
وما ميز المشهد الحالي ان الصدريين الى الان لم يتمكنوا من فتح كوة بجدار التظاهرات للنفاذ الى الجماهير المنتفضة الناقمة على الحكومة على الرغم من سفر السيد الصدر الى البصرة في محاولة منه لقراءة مايجري في المدينة من حراك ولمعرفة من هي القيادات التي توجه الشباب المنتفض هناك ، فعسى ولعل ان يدخل مع قياداتهم بحوارات كتلك التي استطاع خلالها من ضم ” الحلفي وفهمي وعبد الحسين ” ويكسبهم اليه !! ، بيد ان لانتائج ايجابية حصل عليها الصدر من زيارته تلك وبهذا سقطت ورقة التوت عن شعارات الاصلاح وغيرها عند البصريين وهو مؤشر ينبي على وجود تطور ايجابي شاب العقل الجمعي العراقي اخيرا ، ” يبقى هناك التابعون بطبيعة الحال ” ، فماعادت تنطلي عليه الوعود والاكاذيب الفضفاضة بمحاربة الفساد ودون تطبيق ولا من أمد أكثر للصبر يعيل المواطن على تحمل اعباء العيش والفاقة وقلة الخدمات ، واذن (( كيف للفاسد من ان ينهي الفساد وهما يعومان بقارب النفاق معا في بحر الافساد والرذيلة ؟ )) . يقول الاعلامي المصري احمد المسلماني : ” فاسدون ضد الفساد، وأغبياء ضد الجهل، ومنحرفون ضد الرذيلة؛ تلك معالم مشهد بات يتكرر بانتظام في عالمنا العربي ” . فلا بعد هذا من ان نصدق صولة الفاسد على الفساد حتى يصول على افساده هو مع فساد زبانيته ، ولا ان نصدق من قيام ثورة من جاهل حتى يقصي الغباء من فكره اولا ، ولا هناك من انتفاضة ضد الرذيلة يقوم بها المنحرفون في السلوك والوعي والمعتقد وقبل ان يرجعوا الى جادة الصواب في ترك الطاعة والتقديس والسير دون هدى خلف القيادات المنحرفة .
– حرق مقار الاحزاب
البعض يرى في ما يجري من حراك حالي ما هو الا مشهد سوداوي يمضي بتخبط ياخذ البلد نحو تخوم المجهول دون وجهة معلومة ب ” الى واين ومتى وكيف ” ؟ بعد ان احرقت مقار الكثير من الاحزاب اذ توجه البعض من هؤلاء الناقمين واليائسين الى الانتقام من تلك الاحزاب والتي وصفوها من انها احزاب نفعية عميلة قامت بسرقت خيرات العراق وقادت البلد الى حرب اهلية وبسببها ادخلت داعش واستعرت بسببهم اتون الطائفية لذا عبروا عن نقمتهم باقتحام مقار احزابهم ولم يسلم منها سوى النزر القليل ممن حصن نفسه بالحمايات والعتاد . واما لم هذا السلوك فالاجابة لاتحتاج لحاذق في التحليل او متنور في ظلمة فتلك الاحزاب هي من شكلت الحكومات المتعاقبة فهي خارجة من رحمها وذات الحكومات فشلت في ادارة الدولة على كافة المستويات وفشلت ايضا من توفير الخدمات للمواطنين عليه كان المنتفضون قد صبوا جام غضبهم عليهم محملين قياداتها المسؤولية الكاملة عما وصل اليه العراق من تردي في واقعه الامني والسياسي والاقتصادي .. واما الرد الحكومي اتجاه هذه الانتفاضة العفوية فهو لم يتغيير والاتهامات جاهزة فهؤلاء وفق وجهة النظر الحكومية واحزاب السلطة ماهم الا عبارة عن ( مندسين – بعثيين – مخريين غوغاء !!! ) لاغير .
– النجف والبصرة
تبقى كل من محافظة النجف الاشرف ومدينة البصرة هما التحدي الأبرز امام الحكومة المركزية وفيما لو استمر شبابها منتفضا دون هوادة ، فمدينة النجف الاشرف تكمن اهميتها كونها هي مصدر القرار السياسي ومن حاراتها اما يبارك للشيعي كرئيسا قادما للوزراء او لا فهو من المغضوب عليهم اذ لاتشمله العاطفة الابوية لسماحته فتكون حاويات السياسية مكبه الاخير ليلقى فيها دونما شفقة او ندامة من قبل المنظومة السياسية الشيعية الحاكمة . في حين تكمن اهمية البصرة كونها الميناء الاقتصادي الاعظم في وارداتها ، فالمحافظة تمتلك خزين نفطي هائل ومن حقولها هناك مايناهز الثلاثة ملايين برميل ينتج يوميا ويصدر الى الخارج هذا من غير المليارات المكعبة من الغاز والذي لم يستثمر الى الان بالشكل الامثل هذا وما تملك من اراض خصبة تنتج انواعا فريدة من التمور وبقية باقية من الفواكه والخضر ، والبصرة هي ثغر العراق الباسم وكما يحلو للبعض من تسميتها كونها الفيحاء التي تطل على الخليج العربي . عليه نجد الحكومة المركزية سارعت لاجراءات ترقيعية فعسى ولعل من ان تخمد انتفاضة المدينتين ساوقتها بذات الوقت اجراءات تعسفية من قبل اجهزة الامن قتل جراءها عدد غير قليل من شباب المحافظتين وزج العشرات منهم في السجون والى الان لازالت اجهزة السلطات العراقية تطارد النشطاء وقيادات التظاهرات وتضيق عليهم بشتى الوسائل والتي كان اخرها قطعها خدمة الانترنيت عن اغلب مناطق العراق .
– الفاعل الاقليمي ودور ايران في الحراك الجماهيري الحالي
هناك ادلة واضحة لتدخل ايراني مباشر في ما يجري من حراك شعبوي عفوي خرج من رحم معاناة الشباب العراقي . وتمثل التدخل الايراني بزج عناصر من الاطلاعات الايرانية لتقوم باقتحام مقار الشركات النفطية العالمية في البصرة وارهاب طواقمها وبالتالي اجبارهم على ترك مواقعهم وهذا ما حصل مع طواقم شركة لوك اويل والتي سحبتهم الشركة من محافظة البصرة بعد ورود تهديدات جدية وصلت اليهم من شباب مايعرف بالثورة وفي حقيقتهم ماهم الا عناصر مخابراتية ايرانية دستهم مع الشباب الغاضب ، واما لم قامت ايران باستثمار الحراك الشعبي العراقي ؟ فالجميع يعلم ان امريكا فرضت عقوبات على النفط الايراني لتشل من حركة تصديره نهائيا وكانت ان طلبت من المملكة العربية السعودية ان تسد حاجة السوق العالمية بدل الايراني المصدر ، وهنا باتت ايران محاصرة في زاوية ضيقة لاتمتلك معها مزيدا من الخيارات لذا هددت بغلق مضيق هرمز امام حركة الملاحة الدولية واخبرت دول الخليج ان مقابل كل برميل نفط يصدر هناك برميل من النفط الايراني باخذ طريقه نحو التصدير . امريكا ردها لم يتأخر كثيرا على التهديد الايراني وراحت هي الاخرى تهدد وتتوعد الايرانيين برد قاس وفيما اقدمت ايران على غلق المضيق ، واما هبة السماء الحقيقية فقد جاءتها اثر قيام الانتفاضة العراقية ، فهي ان اوقفت تصدير النفط العراقي من حقول البصرة والذي يقدر بثلاث ملايين ونصف المليون برميل يوميا وهذا الرقم لو اضيف الى مايصدر من النفط الايراني والذي يقدر باكثر من مليونين ونصف المليون برميل يوميا فيصبح لدينا ماحجمه ستة ملايين برميل نفط سوف يستقطع من حاجة السوق العالمية ليشهد بهذا نقصا حادا لاتستطيع معه السعودية من سد نقصه بمفردتها ، انه العصفور الاول الذي اسقطه التدخل الايراني في التظاهرات واما العصفور الاخر فحتما كان يطير بجناحين سياسيين وبهذا ومن اجل اسقاطه كان لابد والضغط على الساسة العراقيين في تشكيل نوعية التحالف الشيعي المقبل فكان ان وضعت البصرة تحت وصايتها وحقول نفطها تحت طائلة تهديد الحرق بعد ان اصبحت تلك الحقول تحت حماية احد الاحزاب الشيعية الاسلامية الموالية لايران واذن باتت شرارة الحرق رهن اشارة بسيطة من اصبع سليماني وهي ربما حتى لاتحتاج لتلك الاشارة فالحقول ستنفجر ذاتيا نتيجة ضغط الغاز المتكون في داخلها وفيما لم يعالج من قبل كوادر هندسية وفنية متخصصة ، والخطير في الامر ان تلك الكوادر خرجت من مواقعها مجبرة لذا فان تلك الابار متوقع لها ان تنفجر وباية لحظة .
بقي الموقف الامريكي من هذه الانتفاضة فنحن الى الان لم نر تصريحا رسميا صدر من البيت الابيض يوضح موقف الولايات المتحدة من انتفاضة العراقيين ثم لانعلم مالذي يخبئه الرئيس ترامب من مفاجأة للعراقيين فربما نزول قوات المارينز في حقول البصرة خيارا ليس بالبعيد وحتما سياتي من طلب من الحكومة الاتحادية وفيما وصل الامر الى السيناريو الذي ذكر انفا وعليه بنزول القوات الامريكية في حقول البصرة انما تتحق نبوءة ترامب وما ادلى به ابان فترة دعايته الانتخابية من انه يستطيع السيطرة على النفط العراقي وبكل سهولة اثر انزال قوات امريكية في مناطق منابع النفط على حد تعبيره . يبقى هذا السيناريو مستبعدا في الوقت الحاضر وحتى تبيان الموقف الرسمي الامريكي اتجاه انتفاضة الجنوب والوسط الشيعي العراقي مع كون الشباب المنتفض ينتظر الدعم والمساندة من قبل العالم المتحضر واولى تلك الدول هما بريطانيا العظمى الراعي الرسمي للعراقيين منذ تصميمها لعلمهم واعلام بقية دول المنطقة وكذلك ينتظرون وبذات الشغف الدعم من قبل اصدقائهم الامريكان اليد الضاربة للملكة المتحدة . فهل يفعالها العراقيون ؟ ..هم فقط من يستطيع صنع مستقبل اجيالهم بصنع الحياة في التخلص من الاوثان السياسية الحالية

المقال السابقكوابيس جورج أورويل
المقال التالىالحداثة والتحرر والتمرد
حيدر صبي.. كاتب وناشط سياسي .. مهتم في الشأن السياسي العراقي والعربي وااقليمي .. بكلوريوس هندسة .. رئيس تحرير صحيفة سابق .. عضو نقابة الصحفيين العراقيين .. عضو اتحاد ادباء النجف .. شاعر ......
المزيد عن الكاتب

1 تعليقك

  1. اتفق مع الاستاذ حيدر في خطوره الانفلاتات الجماهيريه في ظل غياب القياده السياسيه الوطنيه والتدخل الاقليمي والدولي خاصه من قبل الاداره الامريكيه التي اعلن عرابها الرييس الامريكي غير المتولزن ذهنيا وسياسيا وانسانيا دونالد ترامب
    هذا يؤكد اهميه الحراك السياسي الواعي لتوجيه هذه الانتفاضه الشعببه قبل ان تهدم العراق وتقضي علے ما تبقے منه

اترك رد