الحداثة والتحرر والتمرد


 

هناك أمور عديدة استوقفت الفلاسفة في عصر النهضة الأوروبي ، والمتمثل في توغل السلطة الكنسية في أمور الحياة والناس ، فقد كانت الكنيسة مؤسسة ضخمة ، تمتد على قاعدة اقتصادية واجتماعية واسعة ، متدخلة في أدق تفاصيل حياة الناس ، ويرأسها البابا في روما ، الذي كانت لديه القدرة في التحكم في الشعوب والأمراء والملوك على السواء ، وإفشال كل من يحاول التمرد، وكان المقياس المتبع في تقييم الملوك هو مقدار ولائهم وتقديم فروض الطاعة والخضوع لسلطان الكنيسة المتحكم باسم القداسة ، فاستبد الملوك بشعوبهم ، وأذعنوا للبابا ، وكان كل حاكم يلتمس القرابة من أحد القديسين ، فيرثون منه قداسته ، ولا يبالي بشؤون شعبه ، ولا أحد يحاسبه لأنه مقدس .وكان الباباوات يتولون تتويج الملوك والأباطرة ، وفي نفس الوقت لدى البابا القدرة على خلع من تمرّد عليهم ، وإعلان عصيان الملك ، وتأليب الأمراء والشعب عليه . ومع ظهور المصلحين الدينيين ، تحول الأمر إلى صراع بين أتباع البابوات وأتباع الأباطرة المتمردين ، مما رسّخ في النفسية الجماعية الأوروبية تمزقا رهيبا ، وهو ما يعرف تاريخيا باسم الصراع بين “الجولف والجبليين “، ناهيك عن الطغيان المالي للكنيسة ، وتحكمهم في مساحات شاسعة من الأرض ، وآلاف الأرقاء ، ويكفي أن الكنيسة في بريطانيا امتلكت ثلث الأراضي الزراعية ، وفرضت ضرائب باهظة على الثلثين الباقيين ، ممثلة في ضريبة العشر على ما تغله الأراضي.
لقد أدت كل هذه الممارسات ، وما نتج عنها من صراعات واضطرابات سياسية واجتماعية واقتصادية ، إلى الرغبة في التحرر من السلطان الكنسي ، وبالتالي من الدين نفسه ، فالبابا هو الدين ، والدين هو ممارسات البابا ، فكانت العلمانية في أقصى صورها ، داعية إلى التمرد والقطيعة والتشكيك في كل ما هو ديني .
ولكن عبد الوهاب المسيري يشكك في المبدأ العلماني القائم على فصل الدين عن الدولة بشكل مطلق ، موضحا أن هناك في واقع الإنسان ( الغربي ) المعيش بنيتين: بنية ظاهرة وبنية باطنة، الأولى تظهر للعيان وتمثل الأطر الخارجية والشكلية للحياة، والثانية هي الأعمق والأشمل ، وتعبر عن تصورات الإنسان وقناعاته ، وتنعكس بالتالي على البنية الخارجية بل هي تشكل البنية الخارجية نفسها ، فالفصل التام غير حقيقي ، ولكنه يحدث بشكل دائم وطبيعي ، بحكم طبيعة الحياة ، وهو فصل في الدور ولكن تظل القناعات والرؤى والمبادئ حاكمة.
إذن ، ففلسفة الحداثة استندت إلى العقل الفلسفي ومعه العقل النقدي ، ورامت إلى تأسيس أنساق تقرأ ما حولها في مختلف العلوم والفنون ، وأوجبت أن يكون هناك عقل ناقد يواكبها، ويقوّمها ، ويقيّمها . فالتنوير تؤسس لنسق ، يهدم ما سبقه من أنساق ، ويؤسس لجديد ، متخذا من الهدم أساسا له .
فالحداثة تثور على تكريس وظائف التراث ، وتتخذ التمرد سبيلا لها ، على كل ما هو معياري في الفضيلة والمنفعة ، فمن المهم السعي إلى نبذ السرية والعمل على الافتضاح ، والمواجهة الشجاعة لعملية انتهاك المحرمات والمقدسات.
فمثلا ، الحداثة تعرف بالقطيعة مع كل ما هو تقليدي، وبنقدها لبنى فكرية واجتماعية وسياسية تقليدية ، ففي المجال الموسيقي عُرِفت بأنها تخلٍ عن تقاليد النغم ، واستبدالها ببنى إيقاعية تتسم بالنشاز وانعدام الترابط والتشظي والتجريب في الأصوات والأشكال ، وفي الفن التشكيلي سببت تمردا على تقاليد فنية مستقرة من القرن التاسع عشر خاصة في المذهبين الكلاسيكي والواقعي ، واعتمدت في المجال الأدبي على التجريب في الأشكال والكلمات.
ففكرة القطيعة ، ما هي إلا ناتجة من نواتج ” العقل الهدام ” ، وفكرة التمرد والرغبة في استحداث الجديد ، ناتجة عن ثورة الإنسان الغربي على نظم سياسية حاكمة ومؤسسات فكرية وعلمية ، مستندة إلى موروثات اجتماعية ودينية وقومية دامية ، فكان من المهم التمرد التام على الأفكار التي أنتجت هذه النظم ، والعودة إلى أساس التنوير الذي هو العقل النقدي للبحث في إيجاد مجتمع إنساني جديد ، بقيم مختلفة .
وقد عززت الحداثة رؤاها الفنية والجمالية ، ما وصلت إليه في المجال الفلسفي والفكري ، فتبنت رؤى الفيلسوف ” كانط ” ، حول الذات الحداثية التي لم تعد مقيدة بقيود خارجية ، فالعلوم الطبيعية أصبحت الآن حرة في مواجهة طبيعة متحررة من الأوهام ، لا تقيدها القيود التي تفرض على البحث من العقائد الخارجة عن العلم. وباتت الأخلاق متطورة وفقا لفكرة ذوات حرة تمارس حرية إرادتها ، مما يؤدي إلى الحرية الفردية والحقوق العامة ، وانعكس ذلك على انغماس الفنان في كل ما هو باطني ، أما مجالات العلم والأخلاق والفن ، فتم عزل العقيدة عنها ،وأصبحت تنضوي في إطار الذاتية والمفترض أنها مؤسسة على مبادئ الحقيقة والعدل والتذوق.
إن مفهوم ” الذات والموضوع ” من أهم محاور فكر الحداثة ، فالمؤلف / الفيلسوف / المفكر يطرح القيم والأفكار والمعايير التي على الناس أن يتبعوها ، وفي كل الأحوال ، فإن المؤلف يتبع فلسفة ما ، يجعلها منطلقا له في الحكم على العالم وشرحه وتفسيره ، ويستندون إلى فكر التنوير الذي يرى أن العلم الحديث حلّ محل الدين ، وأن الفرد العقلاني لديه القدرة على التفسير والتعليل والاختراع والإيجاد.
فالحداثة هي أولوية الذات وانتصارها ، ورؤية ذاتية للعالم ، فالذات خرجت من ضباب متراكم في العصور الوسطى ، بفعل الإغراق في الطروحات الكنسية ، وجعل الإنسان محاصرا بها ، ينظر لنفسه وللعالم من خلال تصوراتها ، وجعل العقلانية الفردية أساسا في قراءة العالم ، وجعل الإنسان منقبا في الكون، باحثا في قوانينه ، ومن ثم إعلاء الرؤية التجريبية ، والاحتفاء بالكلية ، التي تؤسس نسقا متكاملا في النظر للأشياء والعالم ، وتلك الكلية هي التي أسست الإيديولوجيات الكبرى ، التي رامت يقينا في قراءة العالم . وهو يقين انطلق من رؤية ذاتية فردية طامحة لتأسيس نسق كلي شمولي .

لا تعليقات

اترك رد