تشكيلات راقصة فوق الجراح …

 

الفن هو من يقود وليس الفنان … رغم المطبات رغم العوائق السابقة واللاحقة رغم كل ما اختلقته الأزمة من عثرات تمارس عاصمة الفن وجودها لينتعش صيفها وتتسع دائرة حدودها وهي عبر إبداعاتها الصيفية تطلق سهام المحبة لتخترق الوجع ثم تنغرس في النفوس المتحجرة فتوقظ إنسانيتها على صباحات فجر جديد ( برصاص المحبة نواجه صواريخ الغدر ).. من هنا تبدأ الحياة وهي تقاس بشعب يرقص على الجراح و يبتكر الأغنيات يفرش ألوانه قصائد حب تغطي الأرض ترويها وتنتظر انبعاثاً جديداً .
حين تندلع الحروب تصير الحاجة للفن كما الماء كما الهواء كما كثير من الأشياء ويصير الفن على الجانب الآخر هو القائد الذي يمكنه أن يكون معادلاً موازياً لما تنتجه المعارك والحروب من خراب ودمار عبر قدرته على إعادة البناء وأقصد هنا بناء النفوس قبل العمائر والفلوس وأقصد هنا بناء الإنسان وهو الغاية والوسيلة في كل مكان وزمان
هكذا هي اللاذقية العروس بين شطآنها والجبال يغرد الجمال وبسواعد أبنائها يصنع المحال وهكذا هي إبداعاتها الصيفية يحتضنها الساحل وهنا معرضها بين الخمائل

حين السؤال أقول : إن إحدى أهم الميزات التي عكسها العرض لحظة الوصول هي ذلك المفهوم الأكثر ارتقاءً عبر التنسيق والإخراج الفني للمعرض إذ علقت الأعمال وفق تراتبية يبرز من خلالها كل عمل عبر تناغمه مع الأعمال المجاورة والمحيطة فالشكل العام بحد ذاته لوحة لا تقل أهميتها عن الأجزاء وهو الذي يعطي بقية التفاصيل حقها وقيمتها التي تستحق
أتحدث هنا عن معرض جماعي استثنائي ومميز وأقول جاءت تراتبية العرض قدر المستطاع تماشياً مع أعمال تنوعت من حيث المستوى والموضوع والأسلوب المتبع وتماشياً مع حق الجيل الجديد بالانتساب لعضوية الاتحاد والعرض فيه ورغم أني كنت دوماً مع الأجيال الجديدة وهي القادرة على تقديم رؤى مختلفة تثور على المفاهيم التقليدية والمعتادة للفن إلا أنني لم أكن يوماً مع ذلك الخلط الذي يقلل من شأن وقيمة اللوحة الإبداعية والمستندة إلى تجربة طويلة الأمد فالاختراقات البارزة والمسيئة وإن انحسرت عما كانت عليه في المعارض السابقة فهي على قلتها كانت موجودة عبر أعمال قليلة دون المستوى وأخرى مستنسخة بهذا الشكل الذي تنتمي عبره للمهنة والامتهان وليس للفن الذي يفتح سبل الإبداع ويحرضها في ذات الفنان وحتى لا أواجه بتهمة اتهامي أقول إن ذلك المفهوم الخاطئ للفن ليس مرتبطاً بجيل معين ولكن الخطا العاثرة تتراجع تلقائياً حين لا تجد غايتها في معرض إبداعي فإما أن تصحح مسارها أو تتجه إلى السوق الرخيصة وربما تترك لتجد مكانها في مجال آخر غير الفن
في الجانب الآخر أخوض في الأعمال المقدمة و أبرز بشكل موجز أهم الجوانب التي تميزها مع اعتذاري المسبق إذ لم أستطع الإطالة والإحاطة بالجميع متخطياً بعض من استعرضت تجاربهم في المعرض السابق وأحصي هنا استناداً إلى الموضوع والأسلوب مكتفياً ببعض الأسماء التي تمثله ووفق تسلسل المدارس التي ينتمي إليها ابتداءً من الواقعية التي تمثلت في حلقات الدبكة لنقيب الفنانين فريد رسلان ثم المعالجة الرصينة للطبيعة والأشجار عند د .علي صالحة وانتقالاً إلى البورتريه حيث يحرك أحمد جمعة عمله عبر نقش لوني يوحي بوريقات على خلفية الوجه المغاير وتتجلى شاعرية الأنثى عند رامية حامد بكامل بهائها عبر نقوش شفافة من خلايا العسل وحراشف من ضوء البنفسج الغني المحيط بالخلفية كما عبر تلك الروح الشفافة التي يقودها الفكر والجمال جاء العمل الخطي المتقن لإياد ناصر

وضمن دائرة التشخيص قدم نوار مورلي عملا ً يفوح بأسلوبيته السابقة ولكنه يبتعد عن الفكر السريالي ليؤكد على حس أكثر شاعرية مختبراً الإيقاع الغنائي للريشة والخطوط الحبرية على سطح تغنيه القيم الأرجوانية الشفافة والإضاءات السماوية على حدود الشكل
أما عامر علي فيلخص تلك الحركة التعبيرية الصعبة للأنثى عبر عمل أكثر أناقة وجدية ليثير التساؤل حول جهة وكيفية تعليق العمل ضمن الصالة
كما كان لذلك التكوين العرضي والمقطع البحري المجتزأ أثره في اللوحات اللاحقة لماريو اليوسف ويبدو هذا جلياً في طريقة معالجته للموضوع عبر ألوان رمادية وبسكين تستطيع أن تستخلص الزبد والضوء وتلخصه عجينة
في حين ينتقل يعرب أحمد إلى الضفة الأخرى وبأدوات أخرى توازي التقنية المائية وتخدم حسه الشفاف ليصور وادياً بين هضبتين بنفس عشقيّ طويل الأمد
وإذا انتقلنا إلى رؤى علي مقوص التجريدية نجدها تتحقق عبر صور موشحة بضباب الذاكرة ومغلفة بالحنين الذي يأخذه إلى تكنيكه الخاص والمعتاد حين نقله للصورة أما مجدي حكمية فيقدم تكاملاً عبر لون واحد حين يغطي ويوشح بفرشاة عريضة الرسم الأولي لأشباح مزدحمة وزوايا قاتمة عبر إيقاع حسي يخفف من حدة ذلك اللون .
وأخيراً تظهر تلك التكوينات التعبيرية الصعبة لأنثى أكثر توغلاً في الذات عبر إيقاع فرشاةٍ زاحفة إلى رؤى أكثر تجريداً في عملي المشارك .

لا تعليقات

اترك رد