” حينما يبكي الرافدان النيل دما “!!

 

يقول المثل الشعبي العراقي (بچاه دم) أو (بچيناه دم ) كناية عن الحزن الشديد والبكاء المرير الذي قد يصل حد العويل .
قصتنا الحقيقية تتحدث اليوم عن المواطن العربي المصري عنتر عبد المنعم مهنا الكومي من محافظة أسيوط – منفلوط – أم القصور ، دخل الى العراق عام 1981 من أجل العمل ، وبالفعل امتهن حرفة ( تبييض ) جدران البيوت بعد ان احتضنه المقاول المرحوم جبار عبد فهد اللامي واخوه منذر حتى أصبح ( أسطة ). أحب الناس وأحبوه ، و تزوج في 12 حزيران من عام 2015 بعد ان ضمته قبيلة بني لام اليها وقدمته لقبيلة الزوجة بأنه ( من بني لام ) وكنوه بـ (أبي حيدر ) وقامت قبيلته بتحمل مصاريف زواجه كافة ، ولأنه أمضى ثلاثة عقود ونيفا في العراق فقد انقطعت أخباره عن بلاده مما حدى بالشيخ منذر اللامي إلى إصطحابه للشقيقة مصر وقيامه بدفع البدل النقدي عنه.
وجاء اليوم الأسود حينما تعرض عنتر ( أبوحيدر) الى حادث سير حيث توفاه الله بعد رقوده في المستشفى ليومين وقامت قبيلته ( بنو لام ) بتحمل تكاليف الجنازة وأقامت له مجلس عزاء كأي عراقي ( لامي ) وكعادة القبائل في مثل هذه المواقف تم تشييعه حسب ما يستحق ورددت بحقه الأهازيج التالية:-

حزنانة الدِلال عليك حزنانة
عنتر موش مصري ..رابي ويانًة
ويالتنشد تكول شلون.. لامي وذوله خوانة
نتحصر..ندوخ إعليه ..ماشفنه الغلط فد يوم بلسانة
ترباتك يامنذر وإنت ابن شيوخ ..والشيخ شيربي وهذا عنوانه
تستاهل ياعنتر بس الدنيا خًوانة
ها….تربى ابيت اللامي وحكنا ننوح عليه
اليوم أعًرض يوم ربانة
الطارش كِــلهم كلها تون عليه
نوحيًله يادار معزبج

وفي الوقت الذي أثني فيه على صديقي الشيخ نجم اللامي الذي سبق ان حدثني عن هذه الواقعة ، أجد من المفيد شرح معاني هذه الأهازيج لإخواننا من غير العراقيين فنقول : ان المقصود بالدلال الأواني النحاسية التي تحضر بها القهوة العربية وتدار في المضايف ، وهي حزينة على عنتر الذي لم يعد مصريا بل تربى معنا ، ومن يسأل ويقول انه مصري وليس عراقيا نقول له إنه من قبيلة بني لام ونحن إخوانه ونشعر بالأسى على فقدانه فلم نسمع ان لسانه نطق بالسوء ، ( وترباتك) يامنذر اي ان شيخ منذر هو من تكفل بايوائه ورعايته وهذه تربية الشيوخ ، وتستحق ياعنتر هذا المأتم والحزن لكن ليس باليد حيلة لأن الدنيا ( خوانة) أي غادرة ، ثم يهزجون جمعا بالقول وبصوت عال ها..لقد عاش بيننا ومن حقنا ان ننوح عليه واليوم نهزج حزنا على ربانا أي على من قمنا بتربيته وأثمرت به ، والطارش هو الشخص المسافر الذي يبعث رسولا من طرف لآخر ، فقل لمن تشاهده وتلتقيه بأننا جميعا نئنُ على فقدانه ،( ونوحيله) أي إبك بمرارة يادار على (معزبج ) أي على من كان صاحب الدار.
وهكذا أثبت العراقيون حبهم ووفاءهم لإخوانهم العرب وخاصة أبناء مصر الكنانة الذين اقتسموا معهم رغيف الخبز وطبق أبناء النهرين المثل الشعبي في الثمانينات من القرن الماضي والقائل ( لوتصاحب خوش صاحب ولوتظل من غير صاحب ).
لقد شاهدت بأم عيني تسجيلا مصورا (فيديو ) لوقائع تشييع – أبي حيدر – وكانت القبيلة تبكيه دما وتهزج ( عراضة ) بأخلص وأصدق الأهازيج وسط زخات الرصاص حيث امتزجت دموع أهل الرافدين بمياه النيل.
وبعد..فإن في ذلك عبرة وحكمة ، ففي الوقت الذي أسعدني فيه ان شعبي حي بإصالته وعريق بعاداته وشجاع بأفعاله ولن تثلمه الملمات والمحن ولن يصبر على الضيم طويلا فإنني اتمنى أن يأخذ الحكام والسياسيون من هذه المآثر الموعظة والدروس والعبر قبل فوات الأوان و ان يقدموا شيئا من الوفاء والتضحية والعرفان لأبناء شعبهم الذي عانى الويل والثبور قبل ان يبكيهم ذووهم دما ، وفي هذه الواقعة الكثير الكثير من المعاني واللبيب من الاشارة يفهم!!.

لا تعليقات

اترك رد