دور المرأة في التنمية الإدارية والاقتصادية

 
الصدى - دور المرأة في التنمية الإدارية والاقتصادية

تلعب المرأة دورا مهما وأساسيا في المجتمع, أيا كان هذا المجتمع، فالله تعالى خلق المرأة بمواصفات خاصة تتلاءم ودورها في المجتمع والعائلة ..

فالمرأة, هي الأم, و هي الزوجة و والأخت, وهي منبع الحنان والعاطفة, وهي بشكل من الأشكال, المكمل الحسابي للرجل ( والعكس صحيح ), من حيث الدور والمهام والواجبات، والطبيعة التي منحتها مواصفات لا توجد لدى الرجال, منحت الرجل بالمقابل مواصفات وقدرات ربما تكون غير موجودة لديها ..

وعندما نقول أن المرأة هي المكمل الحسابي للرجل, أو العكس, فإنما نعني أن دور الواحد من الطرفين لا يكون متكاملا من دون وجود الطرف الآخر, على مستوى العائلة والمجتمع بشكل عام, وتلك حكمة الله جل وعلا ..

وهنا, لا نريد الدخول في تفاصيل الصفات والقدرات الجسمية والعقلية لكل من المرأة والرجل, فلا مجال لبحثها هنا، لكن ما نود التركيز عليه هو الدور الذي يمكن أن تلعبه المرأة في مجالات التنمية الإدارية والاقتصادية والاجتماعية لأي مجتمع ..

وابتداء نقول, أن الدور الأساسي للمرأة, الأم والزوجة, يجعل لها دورا مهما وأساسيا, من حيث تربية وتنشئة الأجيال تنشئة صالحة, ومن حيث توفير وسائل الراحة والاطمئنان للأولاد والزوج, والحفاظ على بيت الزوجية وصيانته, بحيث يكون الزوج مطمئنا ومرتاحا نفسيا ومتفرغا للاهتمام بأمور العائلة الأخرى وأمور عمله أو صناعته، هذا باعتقادي دورا مهما وحيويا لابد وان يكون أساسا وابتداء للانطلاق إلى أي دور آخر للمرأة في المجتمع ..

فالطبيعة وفرت للمرأة الفرصة والظروف والمواصفات العقلية والنفسية والبدنية الملائمة للقيام بهذا الدور، وإنما قيامها بهذا الدور على احسن وجه لما يدفع المجتمع كله نحو الرقي والتقدم ..

لكن, بتقدم وتطور الشعوب والمجتمعات, وتعقد الحياة بشكل عام, جعل للمرأة, الأم, الزوجة, والأخت والابنة, جعل لها أدوارا أخرى تقوم بها إضافة إلى دورها في البيت ..

وبالطبع تختلف هذه الأدوار وطبيعتها وحجمها وأهميتها من بلد إلى آخر, ومن مجتمع إلى آخر, وحسب طبيعة المجتمع, والعادات والتقاليد والأديان التي يتبعها ويعتنقها أفراد ذلك المجتمع ..

لكن بشكل عام يمكن القول أن أدوار المرأة تراوحت ما بين الرعي والمساعدة في الزراعة, في بعض المجتمعات الزراعية والقبلية, إلى التجارة والطبابة وبعض مجالات الإدارة والصناعة في المجتمعات المدنية المتحضرة ..

ونفترض أن أهمية وحجم دورها في هذا الجانب, يحكمه بالتأكيد مدى إمكانيتها في إشباع وإتقان تنفيذ دورها الأساسي في المجتمع, كأم وزوجة ، والخلل يظهر, ليس فقط على مستوى العائلة فقط, لكن على مستوى المجتمع ككل, إذا كان دور المرأة في العمل في مجالات التجارة والصناعة والإدارة وغيرها يكون على حساب دورها الطبيعي الأساسي الأهم كأم وزوجة ..

لقد تباينت الأنظمة الإدارية والاقتصادية والاجتماعية في دول العالم المختلفة في التجاوب والتعامل مع موضوع تشغيل وعمل المرأة، فنرى في بعض المجتمعات المحافظة لازالت فرص المرأة في العمل الفني والإداري والاقتصادي خارج المنزل محدودا إلى أقصى الدرجات, ومحصورا في مجالات ضيقة جدا, في حين قد نرى العكس في المجتمعات المنفتحة وخاصة في الدول المتقدمة, حيث قد نرى المرأة تشغل مناصب متقدمة, وتتبوأ وظائف إدارية وقيادية في المؤسسات والإدارات ..

وفي بعض الأحيان, قد تصل المرأة إلى مناصب قيادية سياسية على مستوى الدولة, كملكة, رئيسة للجمهورية, رئيسة للوزراء, وزيرة, رئيسة لمؤسسة, أو عضوا في البرلمان ..

وفي تاريخنا العربي والإسلامي, القريب والبعيد, شواهد ناجحة على مثل هذه الحالات, كما نجد هذه الشواهد في التاريخ القريب والبعيد للدول الغربية أيضا ..

إن خروج المرأة إلى ساحات العمل المختلفة, كان لأسباب عديدة, ربما معظمها كان اقتصاديا, حيث قد تضطر المرأة للعمل نظرا لغياب الزوج أو الأب, أو الحاجة المادية للعائلة، لكن بمرور الزمن, تطورت الأمور, وتغيرت الظروف, وتغيرت أيضا معها بعض العادات والتقاليد, كما اصبح للتعليم دورا مهما ورئيسيا على مستوى المجتمع بشكل عام, وبالنسبة للمرأة بشكل خاص ..

فالمجال اخذ ينفتح واسعا أمام المرأة للتعلم والدراسة في كافة المجالات, وكان هذا المجال ربما افضل متنفس للمرأة, بحيث أصبحت تنافس الرجل في مجالات الدراسة المختلفة، وقد بينت العديد من الدراسات والإحصاءات, بأن المرأة في الكثير من الدول قد تفوقت على الرجل, سواء من حيث العدد أو النوع, حيث فاق عدد النساء الرجال في العديد من الكليات والجامعات, كما أخذت المرأة تتفوق على قرينها وشقيقها الرجل في الحصول على أعلى الشهادات والمعدلات والدرجات ..

إذن شيئا فشيئا, أخذت ساحة المنافسة تتوسع وتشتد بين الرجل والمرأة, اخذين بنظر الاعتبار, إن الحياة المدنية الحديثة قد وفرت الكثير من الخدمات والتسهيلات التي تخفف من عبئ الواجبات العائلية والمنزلية عن المرأة, مما يوفر لها فرصا اكبر للتوجه بثقل نحو الحياة الدراسية والعلمية والعملية, غير متناسين التغير والانفتاح الحاصل في الكثير من المجتمعات, بما يقلل ويخفف من القيود أمام المرأة للاندماج مع الحياة العامة للمجتمع بالشكل اللائق المناسب وبما لا يتنافى مع العادات والتقاليد والأعراف العامة السائدة والخلفيات الدينية للمجتمع بشكل عام ..

لكن, وبالرغم من كل ما سبق ذكره, فأن المرأة لازالت تعاني , في الكثير من الدول والمجتمعات, من ثقل التفرقة, ثقل العادات والتقاليد, التي قد تكون أحيانا جائرة وغير متناسبة حتى مع أحكام وتعاليم الأديان السماوية، و هذا الشيء نراه في المجتمعات الغربية كما نراه في المجتمعات الشرقية والمجتمعات المتخلفة على حد أحيانا ..

فالمرأة لا زالت تتعرض للتفرقة والاستغلال على أساس الجنس, ولا زالت تستغل في بعض الأعمال والنشاطات غير اللائقة, حتى في المجتمعات الغربية، كما إن الدراسات أثبتت بأن الفرص لا زالت غير متساوية أمام المرأة قياسا بالرجل, من حيث المرتبات والمزايا التي تحصل عليها, ومن حيث مستوى ونوع الوظائف التي تشغلها, وهذه الدراسات قد أجريت في مجتمعات غربية, مما يجعلنا نستغرب قليلا, باعتبار أن مجتمعاتنا الشرقية والعربية, ربما تقع تحت نوع واحد وبمستوى متقارب نسبيا من المشاكل فيما يخص عمل المرأة, هذا مع الأخذ بنظر الاعتبار العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية, والممارسات الدينية بشكل عام ..

وكمثال على ما ذكرناه, نستعرض بشكل سريع وموجز بعض نتائج دراسة أمريكية عن دور المرأة في شغل الوظائف الإدارية القيادية ومقارنتها مع الرجل, ومقارنة هذه الوظائف مع الوظائف الأخرى التي تشغلها المرأة عادة في المجالات أو الصناعات الأخرى, إضافة إلى مقارنة مستوى الأجور المتاحة لكل من المرأة والرجل في هذا النوع من الوظائف، اخذين بنظر الاعتبار, أن هذه الإحصاءات والبيانات أخذت من بيئة العمل والمجتمع الأمريكي, الذي قد يختلف في كثير من الأمور والتفاصيل عن أي من المجتمعات العربية والشرقية, وحتى عن معظم المجتمعات الغربية الأوربية ..

وقد ركزت الدراسة على ( 10 ) أنواع من مجالات العمل والصناعة, هي: الاتصالات COMMUNICATION , الإدارة العامة الحكومية PUBLIC ADMINISTRATION , خدمات الأعمال والصيانة, خدمات الترفيه والترويح والرياضة, خدمات مهنية متخصصة أخرى, خدمات تعليمية, تجارة التجزئة, التمويل والتأمين والعقارات, المستشفيات والخدمات الطبية, وأخيرا الخدمات الطبية المهنية المتخصصة ..

حيث أشارت الجهة التي أشرفت على هذه الدراسة, بأن هذه المجالات أو الصناعات العشرة تغطي حوالي 70 % من الوظائف التي تعمل فيها النساء لقاء أجور أو مرتبات, حسب أرقام عام 2000 ( نتوقع أن تكون هذه النتائج قد تغيرت بعض الشئ اليوم عنه في تاريخ إعداد الدراسة أو نشر الموضوع لأول مرة ) .. وقد خلصت هذه الدراسة إلى ثلاثة نتائج رئيسية عامة, هي:

إن النساء اللواتي يشغلن مناصب إدارية قيادية متوسطة أو عالية, في المجالات العشرة المذكورة في العمل, و خضعن للدراسة, هن بشكل عام على مستوى تعليمي اقل, اقل عمرا, اكثر احتمالا للعمل بشكل مؤقت – PART TIME WORK , واقل احتمالا أن يكنَ متزوجات, قياسا بالرجال الذين يشغلون نفس نوع ومستوى الوظائف قيد الدراسة
 في أربعة من مجالات العمل المذكورة, كانت هناك اختلافات إحصائية واضحة ما بين عدد المناصب الإدارية المشغولة من النساء قياسا بتلك المشغولة من قبل الرجال, حيث كانت النسبة تميل بوضوح لصالح الرجال, في حين وجد العكس في نوع واحد من المجالات أو الصناعات التي خضعت للبحث
 وجدت من خلال هذه الدراسة أن المديرات النساء العاملات بدوام كامل – FULL TIME WORK يحصلن على دخل اقل من المد راء الرجال في كل أنواع المجالات الخاضعة للدراسة, بعد أن يتم تثبيت عوامل, التعليم, العمر, الحالة الزوجية, والعرق RACE

ولملاحظة أنواع الفروقات في التعامل مع النساء الشاغلات لوظائف إدارية متقدمة, نستعرض بعض النتائج والأرقام التالية:

كانت النساء المديرات في معظم مجالات العمل المدروسة اكثر شبابا واقل عمرا من أقرانهن الرجال الذين يشغلون نفس المستوى والنوع من الوظائف، وربما هذه تعتبر نقطة إيجابية لصالح النساء كونهن يستطعن الوصول إلى هذه المناصب الإدارية بوقت اقصر وعمر اصغر, أو أن ترقيتهن إلى هذه الوظائف كان بشكل أسرع من أقرانهن الرجال ..

إن النساء المديرات في معظم مجالات العمل العشرة قيد الدرس, هن اقل احتمالا بأن يكن متزوجات, حيث كانت نسبة المتزوجات بشكل عام اقل من الذكور بما يقارب الثلث, وربما هذه النتيجة تعزز ما ذكرناه في بداية هذه المقالة, من كون الدور الرئيسي للمرأة يبقى وفي كافة المجتمعات هو تهيئة وتربية الأطفال والعناية بالعائلة والاهتمام بالبيت, ومن ثم الخروج إلى المجتمع الأكبر للاهتمام بأمور العمل والأعمال ، لذلك فأن المرأة في المجتمعات الغربية تفضل بشكل عام أن لا ترتبط بزواج أو أطفال أو عائلة, هذا إذا قررت أن تكون لها طموحات دراسية أو عملية أو وظيفية, حيث غالبا سيصعب الجمع بين الاثنين, إلا نادرا, وبجهود مضنية واستثنائية ..

في خمسة من المجالات العملية الخاضعة للدراسة, وجد انه ليس هناك فروقا جوهرية بين عدد الوظائف المشغولة بالنساء عن تلك المشغولة بالرجال، وهذه المجالات هي : الاتصالات – الإدارة العامة الحكومية – خدمات الأعمال والصيانة – خدمات الترفيه والترويح والرياضة – والخدمات المهنية والمتخصصة الأخرى، في المجالات الخمسة الأخرى المتبقية من الأعمال والنشاطات الخاضعة للدراسة, وجد أن هناك فرو قات جوهرية ملموسة ما بين الوظائف المشغولة بالرجال وتلك المشغولة بالنساء، ففي مجالات, خدمات التعليم, تجارة التجزئة, التمويل والتأمين والعقارات, والمستشفيات والخدمات الطبية, كان تمثيل المرأة في الوظائف الإدارية العليا اقل من الرجل، في مجال الوظائف الإدارية الطبية المتخصصة المهنية, كان العكس, حيث تشغل المرأة ما يقارب 90 % من الفرص أو الوظائف المتاحة في هذا المجال قيد الدراسة ..
 إن الموظفات الإناث العاملات بدوام كامل – FULL TIME WORK, كن بشكل عام اقل أجرا ودخلا من الذكور من أقرانهن, حيث قد يصل الفرق في الأجور إلى الثلث عن ما يستلمه الرجال من نفس المستوى من الوظائف ..

بشكل عام, نعود فنؤكد, أن موضوع عمل المرأة وشغلها للوظائف, والحقوق والامتيازات الوظيفية والعامة التي تتمتع بها, يخضع لمعايير ومتغيرات وضوابط وأمور كثيرة, منها دينية, ومنها تشريعية, ومنها اجتماعية, لكن بشكل عام يمكن القول أن وضع المرأة الآن, وفي كثير من دول العالم هو افضل بكثير, من حيث الحرية والحقوق والامتيازات, وبالذات ما يتعلق بالعمل والدراسة والتدريب، لكن مع تغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية في العالم بشكل عام, نرى أن المنافسة تشتد بين الرجل والمرأة, والفرص المتاحة ربما تتغير وربما تقل, والبقاء دائما للأفضل ..

ومع الأخذ لكل ما سبق بنظر الاعتبار, أرى ضرورة التأكيد مرة أخرى, أن للمرأة دورا اجتماعيا وأخلاقيا هو أهم و أسمى بكثير من الأدوار الأخرى في العمل والوظائف العامة، وان حصول المرأة على فرص التعليم والعمل, إنما يعزز من دورها في المجتمع كأم وزوجة وأخت وابنة, على أن تجيد الموازنة بين هذه الأدوار, وتعرف كيف ترتب أولوياتها, بالشكل الذي لا تخسر فيها احترام الناس لها, واحترامها لنفسها, وان تضع الأهم قبل المهم، وأن يكون كل ذلك ضمن الإطار العام الذي يمليه علينا ديننا الحنيف وتقاليد مجتمعنا الشرقي المحافظ ..

إننا نحتاج إلى مزيد من الخبرة والدراسة والتبصر, والتخطيط والتنظيم, وجهود الخبراء والمختصين, للتعامل مع قضية المرأة وعملها داخل المجتمع, لكي نحاول تجنب الأخطاء الفادحة التي وقعت فيها معظم المجتمعات الغربية, والتي كان عمل المرأة بل واستغلالها الفاحش على حساب المجتمع والعائلة والتقاليد, وهذا ما أدى إلى ما يستشري في تلك المجتمعات من آفات وتحلل وفساد، وربما يمكننا أن نكون لنفسنا ولمجتمعاتنا معادلتنا الخاصة المناسبة لنا, والتي تضيف إلى قيمنا بدلا من أن تسئ إليها ..

المقال السابقسياسة اللعب على الحبلين
المقال التالىإحنا بتوع المشاريب
غسان العسافي .. كاتب و باحث في الشؤون العربية و العراقية. حاصل على شهادة الماجستير في إدارة الأعمال.. خبير و إستشاري في التدريب و الإدارة ... عمل في العديد من المناصب و الوظائف الإدارية و الإستشارية في العديد من الشركات و الإدارات الحكومية في السعودية، قطر، اليمن، العراق، و نيوزيلاند. مقيم حاليا في ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد