العرض المسرحي كوثيقة حية عن عصره في مسرحية فلانة

 

يعتبر المسرح بالاضافة الى كونه رسالة حاضنة لانساق مختلفة من الشفرات الجمالية والمعرفية ،الى كونه ايضا وثيقة حية تعبر عن العصر الذي قدمت فيه .وثيقة وشهادة نابضة تكشف عن كثير من معطيات هذا العصر والفترة التاريخية بكل ما فيها من نزاعات وصراعات او تحولات فكرية يكشف عنها العرض /النص المسرحي .سواء بروحه التجريبية او نزوعه الواقعي ..ولهذا فانه يطرح قضاياه التي شغلت وتميزت وانتشرت في كل مرحلة .
.وقضية مثل قضية مكانة المرأة الاجتماعية واحدة من اهم الموضوعات والقضايا التي تناولها المسرح العراقي منذ بدايته على يد الرواد الاوائل حيث كان لهم الدور الفاعل في انضاج حركة مسرحية لها وزنها وقيمتها التجريبية والجمالية ، وهذه النماذج ليست بالقليلة في تاريخ المسرح العراقي .حيث تزخر البيئة العراقية بكثير من الحكايات التي تعد المعين الذي يستلهم منه الكتاب قصصهم وترفدهم بالافكارالمتجدده لما تمتلكه منظومته الاجتماعية من مفاهيم وقيم تتجذر عميقا في الوعي الجمعي وخاصة موضوعة مكانة المرأة واهمية المولود الذكر في الحياة العائلية والاجتماعية . وقد تكون واحدة من بديهيات او ثوابت المفاهيم فيه ،وفي اغلب المجتمعات الشرقية.وفي هذا المعنى كتبت نصوص ادبية واعمال فينة عبر تاريخها الطويل موظفة اياه كاستنكار ورفض حينا او للتعبير المحايد عن واقع حينا اخر وباساليب ابداعية مختلفة ومتباينة فنيا .هذه المقدمة اسوقها وانا ادخل الى الكتابة عن عمل مسرحي كتبه هوشنك وزيري واخرجه حاتم عودة حمل اسم (فلانة ).

هذه المسرحية من تمثيل كل من بشرى اسماعيل والاء نجم وعمر ضياء ونريمان القيسي وباسل شبيب ، وفي الاضاءة علي السوداني ،و عبر هذا العرض عن مكانة المرأة في المجتمع وما تتعرض له من احتقار ونظرة دونية تجعلها دوما دون مستوى الانسانية في قصة تتكرر في المجتمع العراقي والعربي.وهي الرغبة بمولود ذكر لحمل اسم العائلة. وبلغة مزجت بين الفصحى والعامية .

يفتتح العرض بايقاع موسيقى نبضية وفتح الستارة من قبل الممثلة /الام ايذانا ببدأ العرض وكانها تفتح امام الجمهور نافذة على حياة الشخصيات المجهولة والتي سوف تتضح ويتعرف اليها المتلقي بحساسية عالية شحنت العرض ومنحته مزاجه الخاص الذي تباين بين الحزن والرغبات المكبوتة والامال والامنيات والتمرد .يطغى صوت المرأة بالدعاء الى الله ان يرزقها بصبي (يارب صبي) بعد سبع من البنات ،وصوت المرأة الداعي هنا هو صوت خفيض يتسم بالهمس والشجن حينا وبالخشية من ان يرتفع حضورا حينا اخر ،كما عبر الكاتب ، كذلك قال العرض مفاهيمه ونظرته للانثى كونها كائن غير مرغوب فيه ولا يجب ان يرتفع صوته فتقول الام وهي تنهر بناتها (صوتجن)وبالضرورة ان يبقى مخفيا متواريا وتابعا للاخر الزوج او الاب او الاخ في اشارة الى السيطرة الابوية التي تحد من تفتح الروح النسوية ومشاطرتها الحياة والتي مثلها النص / العرض بجملة قالتها الفتاة ( وجه زوجي الذي اصبح يشبه وجه ابي) وما عادت تميز بين الوجهين وهي اشارة واضحة الى تناسخ الهيمنة البطرياركية . الاب يدعو الله الى ان يرزقه بذكر يحمل اسمه حتى وصل به الامر الى ان يصبح كائن جامد لايفعل سوى المناداة على اي بنت في المنزل إلا بفلانة . وكلمة فلانة بالعامية العراقية هو اسم يدل على المرأة المجهولة الهوية او غير معروفة للاخر ،وهي هنا غير معروفة وغير ذات كيان وشخصية خاصة بها تميزها عن اخواتها ، فهي فلانة اي امراة واي واحدة منهن بامكانها ان تلبي حاجات هذا الاب /الرجل وتقوم على خدمته. لكن العرض ينتهي كما بدأ دون اي اشارة الى امكانية تغيير هذا الواقع او الى اي اشارة تمرد او تحول من الشخصيتين النسويتين المرأة الام والفتاة ،اي لجيلين مختلفين من النساء .وتنتهي كما بدأت بايقاع نبضي رتيب .وتغلق الستارة بيد المرأة الام كانها تغلقها على عالم غير قابل للتغيير. هذه المسرحية جاءت لتكشف عن معاناة المرأة والظلم الذي تتعرض له ولكن دون ان يصدر حكما او ان يعلن موقفا بل تساوت صورة المرأة في قهرها صورة الرجل وانهزامه امام فحولته الناقصة التي لا يتم كمالها الا بوجود امتداد له متمثلا بالمولود الصبي، في هذا العرض كأننا ننظر الى داخل هذه الحياة من ثقب باب فنعود ادراجنا بلا امل.وتبقى فلانة مجهولة وبلا هوية .حية عن عصره

لا تعليقات

اترك رد