بين صعاليك الامس واليوم ..


 

الصعلوك : هو الفقير الذي لا مال له ، ولا اعتماد ، حسب قول ابن منظور في لسان العرب . هذا ملخص ما يمكن تعريفه بشكل مختصر عن هؤلاء الناس البؤساء ، ولكن ورود اسم الصعاليك في أدبيات التاريخ عن قوم من الفقراء هضمتهم الحياة ليتحولوا الى قطّاع طرق أشرار ؛ يغنمون الأغنياء البخلاء لينفقوا مغانهم على أمثالهم من الفقراء ، والفقراء المرضى ، والمساكين .
وبعيداً عن تصنيفاتهم ، واشكال مواقعهم يُعد عروة بن الورد العبسي أشهر من عُرف منهم لمييزات ، وخصال كثيرة ؛ حتى سمي أمير الصعاليك .
ثائرٌ وشاعر ، وفارسٌ مقدام ؛ صبورٌ شديد العَدْو
( اي الركض ) . هذا هو الصعلوك ؛ يندفع من خلال البؤس ، والفاقة ليتساوى مع بقية أبناء مجتمعه ، وأشعارُهم كثيراً ما أرّخت لهم سيرتهم ؛ يحبون الصعاب والبيئة الشديدة القسوة .
الفلسفة التي انطلق منها الصعاليك لم تكن ايديولوجية أفرزها الفكر الانساني روحياً وعقدياً لأنها خارجة عن العرف والقانون ؛ لكنها من اجل حياة حرة كريمة ؛ يتساوى بها البشر ؛ فلا غرابة أن نجد بينهم الخليع المتمرس بفنون الشر ، وأنواع الفتك ، والعدوان ؛ لان دم الانسان لديه مباح بلا أدنى رأفة مادام ذلك الأنسان يكتنز الثروة والمال وهو مُعدَم ( الصعلوك ) حتى من قوت يومه ، لان بعضهم كان يأكل اردأ انواع الحيوان من ألم الجوع ، ولظى الحرمان ؛ فلو تسنّى له كلب عقور لأكله من الجوع .
وبمقارنة خارج سياق هذا السّرب بين من حمل وأدّعى وتبنّى ايديولوجية سياسية ؛ نجد ان زمن الصعاليك لم يتنهِ حتى هذه اللحظة ، وليس فقط كان جاهليَّ البناء ؛ عربيّ التكوين والنشأة ما دمنا في صدد الواقع العربي ، مع وجود مشابهات أخرى . انسان محروم إن لم نقل جائعا ً؛ مطارد شريد لم ينتهز ظرفاً ما ليتسلّق على اكتاف الآخرين أو خداعهم، أو جعلهم كبشَ فداءٍ له من اجل غاية قد تطول ، او تقصر ؛ لينال مراده ومبتغاه ، ليصبح لاحقاً صعلوكاً على أمراء القوم ، وأسياد الفكر ، أو لنقل تسّلطَ على جماهير قاعدته قبل جماهير أمته ؛ شغلهُ الاول والأخير السلطة ، والثروة ، والجاه ، وبعد ما يحقق كل ذلك لم تبقَ لديه لا ايديولوجية – إن كانت حقاً – ولا كِسرة من عقيدة إن كان يعتقد ؛ يتبّناها منتهكاً كل الحرمات بأسم المباحات ؛ متمادياً متمرّداً على مجتمعه بأساليبه الصعلوكية مع انهار الدم ، ونيران الحرائق .
فحين ثار ثلة من القوم – صعاليك الجاهلية – على قومهم أو على غيرهم من أقوام أخرى ، لم يثوروا على فقرائهم ، بل على عتاة أغنيائهم البخلاء ، وحتى هذا الغني ليس مجرماً فاحشاً ، أو جلاداً متكبراً ؛ بل رجل أوتي من مال الله ، وقد يكون كله مالاً حلالاً ؛ لكن نزعة الجوع ، والفقر ، وعقدة الكبت هي التي جعلته صعلوكاً متمرداً يغير هنا ساعة ، وهناك ساعة أخرى على اؤلائك الاغنياء من أجل قوته ، وقوت الفقراء معه ، وليس طمعاً في الثروة والسلطة، وحطام الدنيا ومتاعها ولذّاتها .
الذي نراه في صعاليك اليوم إغارتهم على أبناء جلدتهم الذين في يومٍ ما كانوا أمثالهم ؛ فقراء جياع مشرّدين هاربين من سلطة المجتمع وقوانينه التي تكون جائرة في كثير من الاحيان. نهبوا الاموال، وزادوا من جوع الجياع ، وبدلاً عن تضميد الجراح قاموا بنكئها كلما أراد الجرح أن يندمل، وكلّما أرادت الفاقة أن تفارق ، وترتحل !
في أغلب بلداننا العربية هناك علب جاهزة لصناعة أزمة طارئة بكل وسيلة متاحة ، ولكن لو انعدمت السبل ؛ فلابد من وجود بديل آخر- إن لم يكن محلياً فمستورد من خارج البلاد – ليؤدي فعله في تخدير الجماهير ، أو اثارة غضبٍ على غضبٍ آخر يكون سلسلة من مجموعة تناقضات ، وفوضى نفسية عارمة تستنزفهم قبل غيرهم وهم يحسبون خلاصهم فيها .
لكن أليس من حق المتلقي – الجماهير – ان يعرفوا لماذا يتم اغتيال البريء ، أو حرق دار أو معمل انسان مسالم أو تأخير بضاعة تاجر ، أو حرق وثائق مهمة ، أو تزوير سندات عقارية لدور سكنية و ارضٍ وعقارات أخرى وتشريد أصحابها وقتل مشاعرهم ، وأمانيهم بين أروقة المحاكم ، ودوائر التسجيل العقاري ؟؟
تم صنع صعاليك كانت خفية وفق أسس مبرمجة تتخذ من اشكال الصراع والانحطاط فلسفتها؛ لا همَّ لها الاّ صناعة قوالب اليأس التدميرية حسب مقاسات الانسان البريء مهما كانت صنعته ، وموقعه ، ودرجته العلمية ؛ لمجرد انه انسان يأبى الشر، وقانع بحياته وما فيها ، ويومه واماله الحالمة . حتى اصبح التفكير بالهجرة أمراً محبوباً أو أمنية يدعوا الناسُ اللهَ لتحقيقها ، أو تحسرّهم عليها لانهم لم يكونوا من المهاجرين السابقين ، آمنين في وطن الغربة رغم ألم البعد ، وفراق الأحبة ؛ فهل كانت الهجرة أمراً محبوباً ؟ ومتى كان الموت أمنيةً يتمنّاها حتى الطفل المدرك ؟؟
لم ينتهِ زمن الصعاليك ، فهناك أمراء منهم تخصصوا في أدقِّ تفاصيل الحياة ، ومجالاته لكي يقطعوا كل السبل أمام العقول النيّرة ويقتلوا كل أمل جديد . لم يسلم التعليم من صعاليك التعليم ، ولا الزراعة من صعاليك الزراعة ، ولا الصناعة من صعاليك الصناعة ، ولا حتى حاويات جمع النفايات من صعلوك متخصص تامّرَ على ثلةٍ من الكادحين يزرقهم كل حين جرعة مخدرٍ موضعيّ مع أمل موهوم بتوفير رواتبهم وأجورهم ليتحركوا مع عجلة جمع النفايات وكأنهم خُشبٌ مسنّدة لا حول لها ولا قوة إلا ما يتصدق به عليهم من هو مشابهٌ لهم في مأساتهم ومعاناتهم !
حملات كثيرة للخراب ، والتدمير ادارها الصعاليك مع اجناس مثلهم ، أو هم أدواتهم التي يتحرّكون بها فخلت البيوت من الشّعر ، والفن ، والحياة الناعمة ، وتهاوى صرح الأمل تدريجاً لينحدر الى قرار سحيق صعب على الجميع ان يحلّوا الغاز بنائه الاّ بمعجزة تأتيهم من كوكب آخر رغم انه لا معجزة الآن إلاّ بقوة الإرادة ، والصبر ، وتحمّل المعاناة كما يجري الان في بعض المناطق ، والدول ، وخطة بديلة لإدارة معركة ؛ لا بسلاح القوة الكلاسيكية ، بل بنورانية فهم الواقع ، وتكاتف القيم النبيلة ، والعقول النيرة ، و إلاّ فإن زمن الانقلابات العسكرية ولّى وحلّ بدلاً عنه زمن الانترنت .
كل فلسفات الحرية ، والعدل ، والمساواة امتلأت بأتربة وغبار الخيانة والتمرد ؛ تفنن كل الصعاليك حين اتّحدوا على جعل الموت شعاراً للراحة ، وشعاراً لبقائهم ، ولم تنفع بعدُ قيم السّماء ، وانوارها ، لانهم جيّروا مفاهيمها الى اجنداتهم الرجعية البغيضة ، وقد تكون الرجعية أرحم ، واقل خطراً، وهنا عدنا ايضاً الى مفهوم الرجوع الى الجاهلية – الرجعية – لنرى صنم الصعلوك الاكبر ، او هو في الحقيقة أميرهم الذي علّمهم التصعلك ، وأسس بناء الظلم ، والجور ..
في التاريخ صور للطغيان والتجبّر ؛ فرعون ، هامان ، نمرود ؛ ثم لاحقاً المتوكل ، والواثق ، والتتار ، وهولاكو ، واتبعهم هتلر وصدام واضرابهم ، ومن حاول ان يقلدهم في هيمنتهم على كل شيء رغم ان هتلر كان يسعى للارتقاء بـ المانيا ، وجعلها سيدة الدنيا والبشر وفق فلسفته النازية ، ونزعته النفسية المريضة على حساب الانسانية بجرائم يندى لها الجبين .
وتستمر مسيرة الطغيان متجددة كلّ حين بتصانيف شتّى اهمها اليوم بروز ( شلة ) من الصعاليك الجدد الذين لا همَّ لهم إلاّ امتصاص خيرات شعوبهم والتسلّق على آمالها ، وامتصاص دماء ابنائها .
الزمن الحالي بحاجة الى عروةٍ جديدٍ ، وتابّط شراً، و شنفرى ، ومن هم على شاكلتهم لعلهم يعيدوا مجد صعلكتهم بلا عنف ودماء ، إنما ليُغنُوا الفقراء ، والمرضى ، ويزيحوا فاقتهم وآلام امراضهم وتضورهم الذي احالهم صخوراً جامدة !!

لا تعليقات

اترك رد