الولوج في قلب الحقيقة


 

يسير العاشقون لله في خطّ متوازٍ مع العالم، وكأنّي بشعاعٍ ثابت يصل بينهم وبين قلب الله. فيمضون بثبات نحوه دون أن يشتّت العالم أذهانهم أو يشوّش أرواحهم ما ينمّي لديهم الذّكاء الإيمانيّ. والذّكاء الإيمانيّ هو استخدام كلّ الطّاقة الإنسانيّة الفكريّة والنّفسيّة والرّوحيّة في سبيل محبّة الله. وهو الوعي ومعرفة الذّات الحقيقيّة على ضوء الحبّ الإلهيّ. فينجذبون بشكل عجيب إلى هذا المتسامي ويغرقون في العشق حتّى الموت. يقول القدّيس أثناسيوس الرّسولي: “يجب أن لا نظنّ ونحن ننظر إلى العالم أنّنا قد تركنا شيئاً ذا أهمّيّة كبيرة، لأنّ كلّ الأرض تافهة جدّاً إذا قيست بكلّ السّماء”. وفي هذه المقارنة يقين منكشف للقدّيس أثناسيوس دلّت عليه عبارة (كلّ السّماء). فلكي يقارن بين تفاهة العالم وقيمة السّماء فلا بدّ من أنّه واعٍ لهذه المعرفة ومتلمّساً لها بل ومعايناً إيّاها. ولا بدّ من أن هذه المعاينة اختبار روحيّ عميق يفضي إلى الولوج في قلب الحقيقة فينكشف للعاشق ما لا يُرى، أي كلّ ما لا يمكن للحسّ أن يدركه فتدركه الرّوح لشفافيّتها ونقائها. ما نفهمه من قول الحلّاج:
قلوب العاشقين لها عيون           ترى ما لا يراه النّاظرونا
وألسنة بأسرار تناجي              تغيب عن الكرام الكاتبينا
وأجنحة تطير بغير ريش           إلى ملكوت ربّ العالمينا
وترتع في رياض القدس طوراً    وتشرب من بحار العارفينا
عباد أخلصوا في السّرّ حتّى   دنوا منه وصاروا واصلينا
وهنا لسنا أمام رؤى وإنّما أمام تجلّ أي أنّ الله يظهر ذاته لأولئك الّذين يجاهدون مكرّسين حياتهم للحبّ الإلهيّ فقط. ولا ريب أنّهم يمرّون بمراحل عدّة وتدريجيّة تزيل عن إنسانيّتهم كلّ شائبة يمكن أن تكون حاجزاً بينهم وبين المحبوب الإلهيّ. فكأنّي بهم يتمخّضون بألم المجاهدة العشقيّة ليولدوا في قلب الحقيقة، قلب الله. إذ لا يمكن بلوغ هذه الرّتبة ما لم يخلع المُحبّ ذاته ليمتلئ من الله. ولمّا كان الكلام عن تجلٍّ فلا شكّ أنّ المحبّين كلّما تقدّموا ونموا في هذا العشق الإلهيّ خرجوا من العالم ليحيوا العالم المحتجب في داخلهم. لذلك يقول شمس الدّين التّبريزي: “لا أريد أن تكون حياتي طويلة، بل أن تكون عميقة. أن أمرّ أنا بالأيّام لا أن تمرّ هي بي”. في هذه الحالة الحرّة، المسيطرة على الزّمان والمكان، المتفلّتة من كلّ قيد دنيويّ يتجلّى الله للإنسان ويكشف له عن ذاته. “فمحبّة الله حارّة بطبيعتها، فإذا انسكبت على إنسان بغزارة، جعلت نفسه فى حال انجذاب” (القدّيس إسحق السّريانيّ).
الانجذاب لقاء بالمحبوب الإلهيّ بالرّجاء وأمّا التّجلّي فلقاء الله بالإنسان بالحبّ. والموت فيه حياة والحياة فيه سعادة أبديّة.

لا تعليقات

اترك رد