آيزنمان وتركيباته البصرية ج-1


 

يقول )هانز مورجنثالر( يمكن للمرء أن يقول إن (بيتر آيزنمان) كان دائماً مهتماً بالواقع. مبانيه هي أشياء حقيقية وهو مفتون بكيفية تصرف الناس في العالم الحقيقي ومقتنع بأن الأسلوب التقليدي في تصميم المباني يلبي وظيفتها، أو تقدم شكلاً مرضياً بعد أن حدثت مشكلات عدة بسبب وفرة تقنيات المعلومات والإتصالات التي شوهت الواقع بشكل كبير. واليوم ، تحدد وسائل الإعلام عالمنا لدرجة أننا لم نعد قادرين على التأكد مما هو حقيقي بالنسبة لنا.
لقد اعتاد (آيزنمان) أن يحكي قصة الركض الذي كان سَجَل للتو هبوطًا وكان بحاجة إلى التحقق من إعادة التشغيل على شاشة (الإستاد) ليكون على يقين تام من أن استغلاله قد حدث بالفعل. من مثل هذه الملاحظات على السلوك البشري ، رأى ( إيزنمان) مهمته بمثابة تحدٍ للتفكير التقليدي حول الهندسة المعمارية.
بيتر ايزنمان هو معماري أمريكي (مواليد عام 1932 في نيوجيرسي، الولايات المتحدة). يُعد من رواد العمارة التفكيكية. من أشهر اعماله نصب (الهولوكوست) في برلين ومركز(وكسنر للفنون) في كولومبوس، أوهايو بالولايات المتحدة. تنماز أعماله بشكل عام بأنها تحتاج إلى قراءتها قبل مشاهدتها، لصعوبة فهمها من عامة الناس، كما يعد من أكبر كتاب المجلات المعمارية وله كتب كثيرة لاسيما في عمارة المنازل، ويصنف على أنه من اتباع الإسلوب التفكيكي (Deconstruction) كما يصنف ضن أتباع الأسلوب (الإحيائي – Revivalism) كذلك رائداً للمدرسة (الإيجابية – الإعتقادية -Positive –Nihilism)، الذي ينادي بالتحرر الفكري الكامل ولا يربط نفسه بأي مدرسة أو إتجاه أو مسمى معيناً يقع تحته المبنى، ولذا نجد فيه التحررية في التصميم وأساليب الإنشاء ومباني هذا الإتجاه لا تتقيد مثلا بالشكل أو الإتجاه الفكري أو العنصر نفسه فهي تدعو إلى الإستقلالية والإنفصال عن الواقع ككل. كما إتسم (ايزنمان) بالعدمية، إذ أمن بأن الإستعراض هو الهدف من العمارة لذا إنمازت عمارته بالتجريدية الشديدة رغم إدخال بعض العناصر التقليدية.
درس آيزنمان في جامعة كورنيل ، إيثاكا ، نيويورك (بكالوريوس ، 1955) جامعة كولومبيا ، مدينة نيويورك (M.S. ، 1960) وجامعة كامبردج (M.A. ، 1962 ؛ دكتوراه ، 1963) عام 1967 وأسس معهد الهندسة المعمارية والدراسات الحضرية في مدينة نيويورك ، ومن عام (1973) حتى عام (1982) عمل رئيساً لتحرير منشور المعهد التي كانت واحدة من أهم مجلات الفكر المعماري، وقام بالتدريس في مجموعة متنوعة من الجامعات ، بما في ذلك جامعة (كامبريدج ، برينستون ، ييل ، هارفارد ، وجامعة ولاية أوهايو ، واتحاد كوبر في مدينة نيويورك) وخلال فترة عمله في معهد العمارة والدراسات الحضرية ، أصبح (آيزنمان ) مشهوراً كمنظّر للهندسة المعمارية والتفكير خارج المعايير التقليدية “للأعمال المبنية” التي تتعلق بنفسه ، وبدلاً من ذلك قدم إنموذجاً مفاهيمياً للهندسة المعمارية ، إذ تم تمثيل عملية الهندسة المعمارية من خلال الرسوم البيانية بدلاً من البناء الفعلي وقام في تصميماته بتجزئة النماذج المعمارية القائمة بطريقة أُستمدت من مفاهيم الفلسفة واللغويات ، وبالتحديد أفكار الفلاسفة (فريدريك نيتشه وجاك دريدا والألسني اللغوي نعوم تشومسكي) وبسبب هذه الانتماءات تم تصنيفه بالتناوب على أنه ما بعد الحداثي وما بعد البنيوي وابتداءً من أواخر الستينيات ، أخذت أفكاره شكلها في سلسلة من المنازل المرقمة ،على سبيل المثال ، البيت الأول (1967-1968) في (برينستون – نيو جرسي) البيت الثاني (1969-70) في (هاردويك – فيرمونت) ، والبيت السادس (1972- 75) في (كورنوال – كونيتيكت) وفي الواقع كانت هذه التراكيب البصرية سلسلة من التجارب التي أشارت إلى الهندسة الحداثية الصارمة والمخططات المستطيلة ، ولكن عناصرها ذهبت إلى الحدود النظرية في التفاصيل مثل السلالم التي لم تؤدِ إلى أي مكان والأعمدة التي لم تعمل كدعم للهيكل الإنشائي ، بهذ الصدد رفض آيزنمان المفهوم الوظيفي الذي كان في قلب الكثير من تطبيقات الحداثة، هذا التوجه المبكر وجده بعض النقاد إنه عديم الفائدة ، لكنه جعله كواحد من “نيويورك الخمسة” ، جنباً إلى جنب مع ما بعد الحداثيين المستقبليين ريتشارد ماير ومايكل غريفز.
في عام (1980) أسس آيزنمان لممارسة مهنية في مدينة نيويورك.اذ شرع في عدد من المشاريع الكبرى التي تنماز بأشكال مقلقة ، وزوايا ، ومواد ، بما في ذلك مركز (ويكسنر للفنون -1983-1989) في جامعة ولاية (أوهايو – كولومبوس) ، ومركز مؤتمرات (كولومبوس الكبرى – أوهايو- 1993) ، ومركز (آرونوف للتصميم والفن – 1996- جامعة سينسيناتي –أوهايو) وفي أحد أشهر أعماله ، استهزأ (أيزنمان) بالتخطيط التقليدي من خلال إنشاء شبكة من الشمال إلى الجنوب لعمود المبنى الذي كان متعامدًا تمامًا مع المحور الشرقي الغربي للحرم الجامعي. كما طعن في توقع المشاهدين للمواد ، إذ أرفق نصف المساحة في الزجاج والنصف الآخر في السقالات. ومن بين مشاريعه الأخيرة استاد _جامعة فينيكس – 2006) في (جلينديل – أريزونا) وطوال حياته المهنية ، سعى لبناء عمارة تجبرنا على الإعتماد على ذكائنا لفهم العالم الملموس من حولنا وبدأ هذا السعي في السبعينيات مع منازل صغيرة قام فيها بتغيير الأشكال الهندسية العقلانية إلى أنظمة هيكليّة وبصرية مستقلة. هذه التحولات الصرفة أثرت على معنى التصميم. وكانت النتيجة عبارة عن هياكل معقدة للغاية والتي قدمت على ما يبدو أشكالًا (تكتونية) ومكانية غير محلولة، وعلى الرغم من أن هذه المباني صالحة للسكن إلا أنها لا تبدو كذلك ،إذ تحجب التراكيب الهندسية تمامًا القراءة البنيوية التقليدية للأعمدة الداعمة خلف النظام العادي الذي يُحدث تباينًا بين المساحة الفعلية والضمنية. وفي الواقع منازل (آيزنمان) هي تراكيب مستقلة صممت وفقاً لعملية تَحَكُم ، كسر ، وتقاطع الأجزاء المختلفة التي يتم تجميعها منها من خلال افتراض لغويات (نعوم تشومسكي) ، إذ راى أن المشاهدين قادرون على فهم معنى هذه البنية ، لأنها مشتقة من نفس التراكيب اللغوية والنحوية التي نستعملها للتعبير عن أفكارنا.

لا تعليقات

اترك رد