هوية الأديب الحقيقية

 

يعتقد الكثير من الأدباء أن العمل وحده من يحدّد هوية الأديب، ووحده من يجب أن يؤخذ بعين الاعتبار لا المسميات الثانوية، إذ إن اقحام الهويّات في العمل الأدبي يربك من قيمة المنجز، وكثيراً ما يتخذ الأدباء موقفاً حازماً إزاء موضوع الهوية. أو يرفضون، في أكثر من محفل، تهمة إلصاق انتماءات إليهم، سواء كانت تلك الانتماءات سياسية أو عقائدية أو عرقية أو زمكانية وخلافها، ويكتفي الأديب عادةً بأن يطلق عليه ما يدلّ على مهنته وعمله واختصاصه دون بقية المسميات. وبهذا الصدد نستذكر موقف الروائي التشيكي ميلان كونديرا حين قاطع محاوره في أحد اللقاءات “السيد كونديرا، هل أنت شيوعي؟”. “لا ، أنا روائي”. “هل أنت منشق؟”. “لا، أنا روائي”. “هل أنت من اليمين أم اليسار؟”، “لا يمين ولا يسار، أنا فقط روائي”.

تتجاوز لغة الأدب وانسانيته اللغات والأعراف، بل إن الثقل الأساسي في الأدب يكمن في التعامل مع المشاعر والخبرات الانسانية، وتلك لا تحتاج الى خلفيات وانتماءات، وإن وجدت فأنها لا تطغى على النصّ الأدبي بشكل كبير. لقد أدرك الأدباء مبكراً اللغط الحاصل من استغلال انتسابهم وانتماءهم وما قد يترتب عنه من تأويلات وافتراضات لا يشترط ان تكون صحيحة. وبعد قراءة ما حدث للروائي الامريكي “فيليب روث” عندما عرّف به محاوره الفرنسي، كما هي عادة الفرنسيين، وكان في زيارة الى باريس بقوله له: بصفتك كاتباً امريكياً يهودياً، وحينذاك قاطعه روث فوراً بقوله: “لا معنى لكلامك، فانا كاتب امريكي اصلاً وفصلاً، لان الكاتب أنما بهويته اللغة لا غير”.

إن استبعاد الصفة الدينية من التعريف بالهوية ومعاملة الأدباء لأنفسهم أو كما يعاملون من قبل نظرائهم، من دون الأصل الديني المسلم أو المسيحي أو اليهودي، فالتسميات التي تتعلق بالديانات، وقد تشي تلك بعنصرية دفينة، حتى إن تمّ استعمالها بهدف التضامن أو التعاطف، كما في حالة فيليب روث ويهوديته بافتراض أن موضع الحديث كان يخصّ اليهود وتعرضهم للاضطهاد والإبادة في العهد النازي.

وكذلك كان الحال مع الكثير من الأدباء الذين رفضوا اختزال اسمائهم واعمالهم بصنف معيّن من الاعمال، كما في دلالة الشاعر الرومانسي أو كاتب الروايات البوليسية او الخيال العلمي وما شابه ذلك، لما قد يخلف ذلك ضرراً وحرجاً على الكاتب يلغى بعده أعماله الأخرى ومحاولاته المستقبلية.

لقد رفض غي دو موبسان أن تظهر صورته في إطار سلسلة مكرّسة لمؤلفين مشهورين، وكان يقول ما معناه إن الحياة الشخصية للرجل وشكله، لا ينتميان إلى العموم؟ وكذلك توخى فوكنر أن يلغى كفرد، ويحذف من التاريخ، وأن لا يبقى منه أي أثر غير مؤلفاته المطبوعة. وكذلك ورد عن الأخطل في كتاب الأغاني بأنه قال يوماً لأحد محدّثيه؛ “إن العالِم بالشعر لا يبالي. إذا مرّ به البيت المُعايَر، السائر الجيد، أمسلم قاله أم نصراني “.

ومن المميّز بهذا الشأن ما ردده كونديرا وقال: “أحلم بعالم، يكون فيه الأدباء مجبرين قانونياً، كي يتكتموا على هويتهم، ويستعملوا أسماء مستعارة لا أكثر. وبذلك تترتب امتيازات ثلاث؛ تحديد جذري لهذا الانقياد المرضي خلف الكتابة (الغرافومانيا/الهوس بكتابة المذكرات) La Graphgomanie، وتقليص العدوانية في الحياة الأدبية، ومن ثم اختفاء مبدأ تأويل العمل، بيوغرافياً”. إذ لا ينتقد كونديرا الغرافومانيا أو الهوس بكتابة الرسائل والمذكرات الحميمية والعائلية بحدّ ذاتها، ولكنه ينتقد تكريس مؤلفات لذلك، وتحويل مفهوم الغرافومانيا هاجساً وصيغة، وإلى مسألة فرض الذات على الآخرين.

يُتهم الكثير من الأدباء بأنهم (يتقمصون) شخصية تختلف عمّا هم عليه في الحياة، أو بعبارة أكثر تزويقاً: (إنهم يكتبون عن أمورٍ لا تحدث في واقعهم المعاش)، ولكن ذلك بالضبط ما يجب أن يطمح له الأدباء ويصبون إليه. وإلا ما ذنب القراء من تتبع حياة الأديب الكسولة والمملة؟ وما الذي يجنيه المتابع من مراقبة حياته اليومية؟ وما الذي يطمح له جميعنا أكثر من متابعة الأخبار ومشاركة الأفكار وما يجول في الخلد والخاطر؟

أنا أتفق مع إيتالو كالفينو حين قال: إن الكتّاب يفقدون الكثير عندما يظهرون بشخصهم. لأنهم في الأيام السالفة، كان المشهورون منهم مجهولين بالنسبة للقراء، مجرد اسم على الكتاب لا أكثر، وهذا ما منحهم هالة من الغموض والاستثنائية. نعم، إن جهل الناس بالكاتب تخلق هالة المجهولية، والتي بدورها تخلق سلطة الكاتب. لاحظوا أننا لا نمتلك وسيلة للتعرف على كاتب (ألف ليلة وليلة)، لكنها لا زالت تعتبر أعظم عمل أدبي في اللغة العربية. وإن الغرب لا يملك أي معلومة توضح لهم خبايا حياة شكسبير الخاصة، لكنهم يعتبروه الكاتب الأوحد على مرّ العصور.

تذكرت هذا وسواه بعد أن قرأت رواية “عمت صباحاً أيها الحرب” للكاتبة السوريّة مها حسن حيث كتبت: “في فرنسا يرونني شرقية مسلمة، وفي سوريّا، كان أغلب معارفي يرونني كردية مغايرة عنهم، ولدى الأكراد أنا مستعربة، أكتب بالعربية، وكأنني منشقة أو خائنة قوميّتي. أنا التي في كلّ لقاء أو مؤتمر ثقافي أتحدث عن هويتي ككاتبة، وأتحدث عن تناقضات الانتماءات، واختياري لانتماء واحد، وهو الرواية..!” نعم، لقد انفصل الأدباء عن عوالهم جميعاً، وانشقوا، واضحوا كتلة أدبية واحدة; ألا وهي كتلة الأدباء…!

لا تعليقات

اترك رد