تساؤلات في حَضْرةِ السّياب


 

سافرتُ مُشتاقاً إلى الشّناشيلِ
لمْ أدرِ أنّها ذَبُلت
سألتُ سيّدَها:
هَلْ مازِلتَ تشدُوها ؟
فأجابني ظِلُّ الجِدار:
حُبّي يُناجيها
في رُكنِ أمسيةٍ
صوتي المُبَلَّلِ قد غفا
قربَ العيونِ الباسمات
خلفَ غاباتِ النّخيل
حتّى الدّفاترَ والسّنين
مازالَ يُخْجِلُها السّتار

مِن هاهنا بدأ السؤال:
يا سيّابُ
هلْ تسأل الشّطْآن
قربَ صديقكَ النّهرِ القديم
عن بعض الرِّمالِ العاشِقات
عن الزّنابقِ والْفَراشِ الحالمات
عن سدرةٍ كانتْ تُناغيها
قصيدتُكَ الْعَليلة
يومَ اسْتفاقتْ نسوةٌ
خَضَبَتْ أنامِلَ بؤسِها
بشذى سنا الحنّاءِ
تبْحثُ عن نهار ؟

يا سيّاب:
هلْ تذكُرُ الأغْصان
وهي تُخفي هَمْسَها ؟
هلْ تذكرُ السّفّان ..
والألوان ..
ذاكَ الشّراع
وصُفرتهُ الحزينة ؟
هلْ تذكرُ الأعراسَ
قربَ نوارسَ باتت
كأغنيةٍ
أصدافُها بحّار؟

منْ يحمل الأملَ المُعَتّقَ بالمياسمِ
أينَ السّنابِلُ باليَدينِ العاريات ؟
أين العصافيرُ التي
رَسَمتْ طريقاً للحياة؟
يا سيَّابُ، قلْ للحرفِ المسافرِ
أن يُعَفّرَ حُلمَه
مِنْ بعضِ الطّلاسِم
ما عَادَت الأشواقُ
والأسرارُ
تمطرُ في المواسِم .

حتّى كُرومُ العاشقين
صدأت لياليها
وضاعت بينها
كلُّ النّسائم
وأستسلمتْ كلُّ الدّموع
ساعةَ يُحتَضَرُ النهار .

هل تُسْألُ الأجداثُ عن زوّارِها؟
هل يُسْألُ الشفقُ المهلهلُ
عن زواياهِ السّجينَة ؟
أينَ الزهورُ تحتَ شُرفتِها الحزينَة؟

في الأوكارِ لم تَعُدِ الطيور
تروي حكايا ابْنَةَ (الچلبي)
أو ظِلَّ مُتّكَئٍ لها
رَسْمَ الأنامِلِ كالمرايا
وهي تحتضِنُ العطور
عادت تُراوِدُ نفسها
سُقُفٌ يُلَبِّدُها المطر
وفي هدْأةِ الخجل
يعُودُ من جديد
يُسْألُ السيَّابُ:
مازِلتَ تبحثُ عن ضباب؟
عن قِشّةٍ تَزُّفها الرياح
في زوارقِ السّراب ؟
أو قاربٍ يلفُّهُ النّياح
تحتَ السّنين العاريات
أمست تُسمّي نفسها انتظار .

يا سيّابُ ..
دعْ ذكرياتِك القديمة
تغازلُ المآتمَ الأليمة
يُطرِبُها الناقوسُ
وتَسْتريحُ
مِنْ ضجّةِ المدينةِ
لا تقترِبْ من ظلمةِ الهزيمة
ارحلْ هناك، يا سياب
حيثُ مثوى العاشقين
فيها مُسَجّى
ثوبُ شمسِنا المَوْؤود
كانتْ تسمّى عندكم
فيما مضى .. ديارا
أمّا أنا
فلم أجنِ غيرَ أوراقٍ
مزّقها الغبارُ،
واسْتجار.

لا تعليقات

اترك رد