بولاق الدكرور


 

تبقى الآثار مجرد حجارة أو تماثيل أو حوائط صماء لا تعني شيء حتى نتعرف على تاريخها فتدب فيها الحياة وتكسبها رونق جديد يشعل داخلنا الشغف والحنين لماضي تليد أو يولّد داخلنا حزن عميق لزمن غابر كان المجد فيه هو شعار لنا أو ينمو داخلنا مخاوف من أن تعيد الذكرى نفسها.

وكذلك الأماكن والأحياء تبقى مجرد اسماء نرددها دون وعي أو معرفة وتصبح الشوارع مجرد ممرات وشاريين تزدحم أحيانًا بالبشر وتخلو منهم بعض الوقت، نتجول فيها كلًا منا له هدفه وغايته، لكن ما أن نتعرف على تاريخها تتغير نظرتنا لها، يعض البعض منّا على شفاه ندمًا أو نطرق النظر خجلًا أو نرفع هامتنا عالية فخرًا.

تعالى معي عزيزي نتجول في أحياء القاهرة وشوارعها حتى نصل لبقعة منها تُعد من المناطق التي لها تاريخ طويل، دعنا نتعرف عليه وكيف تكون وتطور.

بولاق الدكرور واحد من أكثر أحياء القاهرة الكبرى ازدحامًا وفقرًا، كان قبل عصر الخديوي إسماعيل وخططه التحدثية مجرد قرية صغيرة منعزلة من قرى الجيزة عُرفت في البداية باسم (منية بولاق)، لتعُرف بعد ذلك ب(بولاق التكرور) الذي حُرف إلى (بولاق الدكرور) بعد أن صارت موضعًا لعدد من القبائل الزنجية التي قدمت إلى مصرواستقرت بها من غرب افريقا.

حقول بسيطة ومنازل ريفية متواضعة أشبه ما تكون بأكواخ طينية وضيعة معرشة بالقش وجذوع أشجار ملتوية متناثرة هنا وهناك ومجموعة بشرية لا تنتمي لهذه الأرض هكذا بدأ حي من أكثر الأحياء كثافة بالسكان في القاهرة، واسمه يرجع إلى الشيخ (ابو محمد يوسف بن عبد الله التكروري) صاحب الكرامات والمعجزات ومغيث المحتاجين والمحتاجات.

اعتقد أهل المنطقة في بركاته وكراماته وصارو يتناقلوها جيل بعد جيل وربما إلى الآن، ومن هذه المعجزات التي اشتهر بها أنّ امرأة ومعها طفلها خرجت من القاهرة الفاطمية قاصدة النيل لأمر ما، ومرت بالقرب من الشارع الذي يقطنه الشيخ المذكور على مشارف النيل؛ وعلى حين غرة ظهر لها بعض الشباب الزنوج وخطفوا منها وحيدها، ربما لبيعه في سوق النخاسة أو لجعله خصي أو حتى للاستمتاع به، صرخت المرأة وحاولت اللحاق بالخاطفيين لكنها فشلت بكل تأكيد بعد أن وضعو خطيفهم في قارب وابحروا في النيل، وبالطبع لم يكن أمامها إلا إنها لجأت لشيخها القادر على فعل المعجزات دون شك.

لم يخذلها صاحب الكرامات واصطحبها وهو ملتاع لشاطئ النيل، وقف الشيخ التكروري خاشعًا ناظرًا للسماء رافعًا ذراعيه مستنجدًا بالله سبحانه وتعالى الذي لم يخذل وليه فسكنت الريح وشلت حركة القارب تمامًأ؛ لم يجد الزنوج الخاطفين بد من التخلص من سبب نكبتهم واسرعوا في اعادة الطفل المخطوف لأمه وربما طلب الصفح والسماح من شيخهم وسيدهم والتوبة لله بين يديه.

ومن الأساطير التي تحاك حول صاحب هذه القرية القديمة انه كان هناك رجل فقير في القاهرة وجد شيء ثمين أثناء تسكعه في شوارع المحروسة، بالطبع طار عقل هذا الفقير الذي هبطت عليه ثروة من السماء دون تعب أو مجهود؛ ولكن وبسرعة البرق وقبل أن يعلن المسكين عن فرحته هجم عليه رجال الحاكم واخذوا منه لقيته، هرع الرجل لنصير المساكين يستنجد به ليعيد له منحة السماء، فتوضأ صاحب الكرامات وابتهل لمالك الأرض والسموات فرُدت إلى الفقير حاجته على الفور وفي الحال.

ظهر الشيخ (ابو محمد يوسف بن عبد الله التكروري) في عصر خلافة العزيز بن المعز الفاطمي ورغم ذياع صيته إلى إنّ رفض رفضًا تامًا المعيشه في العاصمة الفاطمية وظل يسكن في المنطقة التي تقع على مشارف شارع التحرير الآن، وحجته التي كان دائمًا يرددها لرفضه الاقامة بالقاهرة أنه يشم رائحة كريهة اذا دخل المدينة.

عندما مات الشيخ التكروري بنيت على قبره قبة وجامع عند بداية شارع التحرير والذي كان يحمل اسم الخديوي إسماعيل قبل ثورة 1952، وفي عام 790 هـ وسع الأمير المملوكي محسن الشهابي أحد أمراء المماليك الجامع المدفون به صاحب المقامات الإلهية، بعد ذلك نقلوه أهالي المنطقة إلى ضريح الشيخ الموجود داخل حي بولاق الدكرور.

ظلت قرية (بولاق التكروري) قرية نائية مهملة من اعمال الجيزة منذ نشأتها حتى وصلت إليها يد الخديوي إسماعيل الاصلاحية حين شق شارع إسماعيل ليربط بي قاهرته الأوروبية التي انشاءها على الطراز الأوروبي وامتداداتها الزاهية من الجهة الغربية للنيل.

بعد بزوخ شارع إسماعيل الذي كان بمثابة فاتحة خير لعصر سياسي واجتماعي ومعماري حديث وفق النسق الأوروبي الذي كان خديوي مصر شغوف به إلى حد كبير لا يعرف أحدد سبب له حتى الآن، هل كان نوع من أنواع المظاهر والتفاخر أمام ملوك وأمراء العالم؛ أم إنه كان حاجه وضرورة لدخول مصر عصر الحداثه والمعاصرة؟

ظل الشارع الذي حول تلك البقعة النائية إلى حي من أشهر أحياء القاهرة الشعبية حاملًا لاسم مؤسسه الخديوي إسماعيل حتى قيام ضباط الجيش المصري بثورتهم سنة 1952 الذين لم يقدروا التاريخ أو يعترفوا بفضل من سبقهم من حكام، ولكي يثبتوا سلطتهم غيروا الكثير من اسماء شوارع وميادين القاهرة سواء كانت القاهرة القديمة أو الفاطمية أو القاهرة الأوربية باسماء تتماشى مع أتجاهات الثورة وهكذا تم الأطاحة باسم الشارع القديم ليحمل اسمه الجديد والحالي شارع التحرير الذي يرجع له الفضل لأن يكون هذا الحي العامر بشكله الحالي الآن.

المقال السابقدفاتر عتيقة
المقال التالىوداعا دواس … رحلت وتركت الحيالة
خالد النجار.. كاتب مصر يعمل ككبير معلمين في وزارة التربية والتعليم المصرية.. صدر له: رواية ولاد شديد (دار الوليد) مسرحية بخيل جدي: فرقة تياترو مصر وشوشة آصم (العبيكان الإلكتروني) نبضات عشق (العبيكان الإلكتروني) رواية آمورزاو (دار الكنزي) رواية نائب السلطان (تحت الإعداد)....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد