هل ينجح الإخوان المسلمون في إعطاء تركيا الزعامة؟


 

بعد إطاحة جماعة الإخوان المسلمين من السلطة في مصر أكبر بلد عربي، جعل أغلب قياداتها هاربة، وحراك الجماعة توقف، وأذرعها المسلحة تآكلت، ومصادر دعمها بعد محاصرة المصدر الرئيسي للتمويل قطر جففت، ولم تعط الحكومة المصرية فرصة لقيادات الإخوان في الخارج التي تطرح مبادرات من آن لآخر في محاولة لأخذ الجماعة للعودة إلى المشهد السياسي مرة أخرى خصوصا بعدما تصدر النهضة في تونس النتائج الرسمية للانتخابات البلدية التي أعطتهم الأمل في إعادة إنتاج أنفسهم.

لكن مصر أعلنت جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية أواخر ديسمبر 2013 ومن ثم لم يعد لها مقر للقيادة، ما يعني أهمية تصفية التنظيم، وصارت جميع مقراتها تخضع للحكومة، وحظر جميع أنشطة الإخوان وأي مؤسسة متفرعة عنها أو تابعة لها أو تتلقى منها دعما ماليا.

لم يؤثر حدث في الإخوان المسلمين كما أثر فيها ثورة 30 يوليو التي خلعتهم من الحكم، وانقسمت الجماعة إلى ثلاثة مجموعات الأولى ما زالت تحلم باستعادة الجماعة تعمل في السياسة والدعوة والتجارة وتستثمر الفرص وترى في تركيا أنها صاحبة الزعامة بعد انهيار الجماعة الأم في مصر، وبذلك تقابل تركيا إيران صاحبة مشروع ولاية الفقيه الذي هو أيضا في طريقه للتآكل، والمجموعة الثانية راهنت على العنف واقتربت من تنظيمات متطرفة حتى لو كانت داعش، كالقيادي الإخواني محمد كمال مؤسس الجناح المسلح للجماعة ولجانها النوعية، وقد قتل في أكتوبر 2016، لكن تبقى حركة حسم إحدى إفرازات العنف، التي تشكلت بعد فض اعتصامي أنصار الجماعة في رابعة العدوية بضاحية مدينة نصر شرق القاهرة والنهضة في الجيزة بغرب القاهرة خلال أغسطس 2013، ومجموعة ثالثة تمردت على المجموعتين ولا ترى فيهما خيرا وتطالب بحل الجماعة.

تركزت جهود الجماعة الأولى الآن على محاولة إشاعة حالة من اليأس لدى المصريين واللعب على ورقة الأسعار والرهان عليها خصوصا وأنها ترى تركيا مشغولة بعدد من الملفات الداخلية والخارجية ولا تود تركيا خلق أزمة جديدة مع السعودية، لذلك تحاول تركيا مسك العصا من الوسط، خصوصا بعدما أثرت أزمة قطرعلى العلاقات بين تركيا ودول الخليج وعلى رأسها السعودية، بسبب أن تركيا تعاني من انهيار في عملتها.

لذلك هناك محاولات تلك القيادات الهاربة اللجوء إلى دول أوربية مثل بريطانيا والنمسا، لكنهما بلدان لن يقدم لهم ما تقدمه لهم تركيا من خدمات لوجستية وقيادية، رغم أنهم تحت الرقابة والتضييق بسبب ملف الإرهاب، وتكتف تركيا بالسماح لهم بخدمات لوجستية محدودة جدا لن تدخل تركيا في أزمة مع السعودية ومصر.

هناك جبهتان بين كمال الذي قتل وبين عزت نائب المرشد الهارب، ولكنهما كانا على خلاف فيما بينهما، بعدما اتهم عزت كمال بأنه يريد الهيمنة على الجماعة، لكن الضربات التي وجهت لجبهة كمال وحتى جبهة عزت لم تجد تركيا وقطر وحتى الدول الغربية أن تقدم لتلك الجماعات أي خدمات لوجستية خصوصا وأنهما جماعات عنف، بسبب أن جبهة المواجهة لم تعد مصر بمفردها بل أيضا السعودية كقوة مؤثرة في مواجهة الجماعة في مراكز التمويل خصوصا قطر أو غيرها من دول الخليج التي يمكن أن تقوم جماعات تنتمي للإخوان بالتمويل بشكل سري، لكنها أصبحت الآن تواجه رقابة شديدة على تمويلاتها من كافة دول العالم، ولا تريد تلك الدول أي مواجهة مع السعودية التي تراقب حركات التمويل مراقبة شديدة.

أدرجت محكمة مصرية إعلاميين موالين للإخوان مقيمين خارج مصر هم معتز مطر ومحمد ناصر وحمزة زوبع ووجدي غنيم على قوائم التنظيمات الإرهابية، واتهمتهم المحكمة بتشكيل جناح تنظيمي للجماعة عبر حركة حسم التي تقوم بعمليات الاغتيالات وحرب المدن وهم جزء من الحركة تتولى خلايا إعلامية والكترونية تعمل بشكل فردي سري تلافيا للرصد الأمني، تعتمد الإثارة وتحريض المصريين على التجمهر.

كما نجحت جهود مصر في إقناع الولايات المتحدة في وضع حركة حسم ولواء الثورة على قائمة المنظمات الإرهابية، وسبق هذه الخطوة قرار بريطاني في ديسمبر 2017 بعد ثبوت إدانتهما بالاعتداء على أفراد الأمن المصريين والشخصيات العامة.

اعتمدت جماعة الإخوان منذ نشأتها على التنظيمات السرية للتخلص من خصومها ولها تاريخ أسود من الاغتيالات والإرهاب التي تضر بالأمن المصري، رغم أن تأسيسها كان على أساس دعوي، لكنها تحولت إلى معاداة رجال الدولة وكان آخر اغتيال من رجال الدولة المستشار هشام بركات في 29 يونيو 2015 أعلنت جماعة تسمي نفسها المقاومة الشعبية في الجيزة مسؤوليتها عن الاغتيال.

بدأت الجناح السري باغتيال أحمد ماهر رئيس وزراء مصر في عام 1945 الذي اغتيل في قاعة البرلمان بسبب أنه أقنع البرلمان بدعم الحلفاء ضد المحور في الحرب

العالمية الثانية، ثم القاضي أحمد الخازندار عام 1948 بسبب أن أمامه قضية تخص تورط الإخوان في تفجير دار سينما مترو، وبعده بشهور لقي رئيس الوزراء المصري محمود فهمي النقراشي مصرعه، رغم أن حسن البنا استنكر هذا الاغتيال، ثم أتى تفجير محكمة الاستئناف عام 1949 من أجل التخلص من الأوراق التي وجدتها قوات الأمن في نفس العام داخل سيارة جيب وتحمل خطط الإخوان السرية لاغتيال شخصيات هامة، وهناك أيضا كانت محاولة لاغتيال جمال عبد الناصر عام 1954 بعد التوصل معه إلى طريق مسدود حتى مجئ مقتل السادات في 6 أكتوبر 1981.

تعمل الجماعة بعد وجودها في تركيا صعوبة في تقبل أردوغان أن يواصل المسيرة التي بدأها في تحدي مصر عن محاولة نقل الهاربين إلى ماليزيا لكي يعملوا في صورة جناح خارجي للتنظيم بالدول العربية مستغلين وجود تمثيل إخواني كبير وشركات اقتصادية تعمل في الخفاء في هذا البلد الذي يقبع بعيدا عن الأنظار في جنوب شرق آسيا، خصوصا بعدما وافق وزير الداخلية أحمد زاهد حميدي في تصريحات إعلامية في يوليو 2017 باستضافة بلاده لعناصر جماعة الإخوان في إشارة إلى رفع الحرج عن دولة قطر بعد أزمتها مع دول الخليج.

استقبل رئيس الوزراء في ذلك الوقت نجيب عبد الرازق زعيم حركة النهضة التونسية راشد الغنوشي ونظمت الجماعة ما يسمى الاجتماع الدولي لتضامن الأمة الإسلامية في آسيا الذي عقد في ولاية كيلانتان بالتعاون مع حكومة الولاية واتحاد علماء المسلمين، وصرحت قيادات الإخوان أن ماليزيا هي الاختيار الأفضل لهم، بسبب تبني الحزب الإسلامي الماليزي نهج الجماعة، وبحضور خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، وعبد الموجود الدرديري عضو لجنة العلاقات الخارجية بحزب الحرية والعدالة.

التنظيم الدولي يأمر بمغادرة قطر إلى ماليزيا، رغم ذلك دور الجماعة انتهى في مقابل منحهم بعض الأموال، ونقل من يرغب منهم لماليزيا بعيدا عن الدوحة، ولم يكن مغادرتهم لتركيا، ما يعني أن تركيا لن تتورط أكثر من ذلك في مواجهة مع السعودية، ولا تود أن تخسر دولة مهمة مثل السعودية.

حاولت قطر قبل أن تحاصرها الدول الأربع العربية أن تنقذ التنظيم المحاصر عربيا من أكبر دولتين هما مصر والسعودية عبر البوابة اليمنية وتنظيم الإصلاح، لكن

الإخوان في اليمن كانوا أكثر حكمة من قطر ولم يحسموا أمرهم ولم ينقادوا خلف قطر بل فضلوا السعودية على قطر.

رغم أن خيارات جبهة الإصلاح اليمنية على الأرض كانت ضدهم، وحافظوا في خطابهم السياسي على الدعم للتحالف بقيادة السعودية، وإن كانت هناك مجموعات حضرت لإطالة أمد الحرب، خصوصا بعد طرد قطر من التحالف، فتحولت توكل كرمان ومعها لفيف من اليمنيين من موقع تأييد التحالف والدفاع المستميت عنه إلى موقع إدانته وتسميته بالاحتلال، تماشيا مع الداخل القطري الذي تحول هو الآخر إلى إدانة ما يجري في اليمن من أجل تقويض وحدة التحالف لدعم الشرعية.

لكن خابت جميع مساعي قطر عبر إعلامها الضخم بعدما بدأت تشكك في نوايا دول التحالف وبثت إشاعات بأن دول التحالف لديها مطامع في موانئ اليمن، وكانت تخشى من تحرير الحديدة وهو الميناء الرئيسي في مد الحوثيين بالسلاح وهو الذي يطيل أمد الحرب وبتحريره ستنتهي الحرب بأسرع ما يمكن، لأنها قد تكون فطمت الحوثي من الموارد التي كانت تطيل أمد الحرب واستمرار معاناة اليمنيين من أجل تجييش المجتمع الدولي ضد دول التحالف بقيادة السعودية.

تبدو الجماعة في معترك تحدي الزوال أو الاضمحلال أو في أحسن الأحوال انطفاء البريق، مثل إخوان الأردن التي أطلقت على نفسها بعد القضاء على الجماعة الأم في مصر بجمعية جماعة الإخوان المسلمين القانونية تمييزا لها عن الجماعة الأم، مما أحال المشروع الإسلامي برمته الذي تتبناه الحركات والجماعات إلى مسار قابل للتأويل السياسي أكثر منه تأويلا دينيا، أي أن الإسلام تم اختطافه لأغراض سياسية، وتحول إلى وسيلة منتجة لغايات السياسة وأهدافها.

استفادت جماعة الإخوان المسلمين من تشكل الخطاب الديني في الدول العربية بعد انهيار الخلافة العثمانية مستمدا من مركزية الدولة، وأصبح له مؤسسات وبرامج حكومية، لكن بعد ثورات ما تسمى بالربيع العربي وما صحبها من تحولات آخذة في التشكل في العلاقة بين الدين والسياسة والأسواق والمجتمعات على نحو عام التحولات التي يمر بها العالم وما أنتجته من علاقات جديدة في العمل والإنتاج والتأثير، وكان من أهم ضحايا هذه التحولات مركزية الدولة الذي لم تعد قائمة كما كانت من قبل خصوصا في ظل التدفق الهائل في المعلومات والقدرة على تداولها والمشاركة فيها.

لم يعد ثمة مجال لخطاب يستند إلى سلطة دينية رسمية أو مجتمعية، ولم تعد ثمة إمكانية احتكار معرفة ما أو تفسير ما، ولم يعد الخطاب الديني معزولا كما كان يظن، بل فرض عليه أن يستمد شرعيته من مصادره الأساسية الكتاب والسنة كما كان في عهد الصحابة والتابعين.

لم يكن أمام جماعة الإخوان المسلمين سوى إعادة إنتاج فكرهم إذا أرادوا البقاء، وعلى رأسها إبطال مفعول التنظيم العالمي، والانسحاب من مكتب الإرشاد، والقطيعة مع الخارج، وإعادة التموضع وطنيا.

لا تعليقات

اترك رد