عشرون دقيقة


 

“عشرون دقيقة” عمل مسرحي واقعي يشد الأنفاس، باختصار هو يصور لمحة من حياة عائلة تعيش الحصار والاجتياح ومنع التجوال وقصف المدفعية وإطلاقات الرصاص، أما كيف يشد الأنفاس، فليس من صوت القصف أو رصاص القناص، أو هدير مكبرات الصوت وهي تزعق وتصرخ بمنع التجوال والتهديد بالقتل وإطلاق الرصاص، بمقدار ما هو العودة بالذاكرة إلى ذكريات أيام الاجتياح قبل سنوات، وحجم الضغط الذي كان يمارس علينا تحت القصف وإطلاق النار ومنع التجوال.

“عشرون دقيقة” عمل واقعي يصور حالات مختلفة من حياة المواطنين، فهناك المريضة التي ترقد في فراش المرض وتفكر بإنهاء حياتها، وهي تعاني من الألم والتعب وانعدام الرعاية في ظل الحصار، وهناك المرأة اللعوب التي لا تفكر إلا بمتعتها والمغازلة واستعراض جمالها، وكأنها تجد في ذلك محاولة لتزجية الوقت الطويل والممل والمخيف، وصورة الزوج الذي يمارس كل ضغطه الداخلي بإضطهاد على زوجته ولا يفكر إلا بكيفية لقاء جارته، والشاب الذي يحلم بالأبطال والشهداء ويعلق صورهم، والمناضل والمناضلة اللذّين يتسللون تحت جنح الظلام وإطلاق النار ليمارسوا دورهم المقدس في حماية الوطن ومقاومة الاحتلال، والشجارات الداخلية بين أفراد أسرة واحدة بسبب وبدون سبب.

إذاً هو عمل سعى لتصوير حالات نفسية وسلوكية مختلفة لأفراد مختلفون في ظل ظرف واحد، وحسب اعتقادي فهذا العمل المميز يمكن أن ينطبق على أي بلد يعاني الاحتلال والقمع، وهنا أختلف مع بعض من كتبوا عن هذا العمل وصوروه أنه حالة فلسطينية محضة، فالاحتلال واحد سواء كان في فلسطين أو في أي مكان في العالم، والنفس البشرية تمر بحالات مختلفة وأفكار متنوعة وسلوكات قد تبدو غريبة في ظل الحروب والاحتلال، سواء في فلسطين أو في أي بقعة في العالم.

تميز العمل بأسلوب مختلف من الإخراج، فهو مقسم إلى أربعة مشاهد، وكل مشهد في موقع مختلف، ويتم تقسيم الجمهور حسب لون بطاقة الدخول إلى أربعة مجموعات، كل مجموعة يقودها دليل من أفراد طاقم المسرح، حيث يتم التجمع بين المشهد والمشهد، وحين تزعق صفارة الإنذار وتعلن مكبرات الصوت حظر التجوال، تتجه كل مجموعة مع قائدها إلى موقع يعرض فيه مشهد مدته عشرون دقيقة من مشاهد المسرحية، وحين انتهاء المشهد يتجمع الجمهور من جديد ليعود مرة أخرى إلى موقع آخر ومشهد آخر، واللطيف بالموضوع أنه قد يدخل للعرض زوجين معاً ليجدا أنفسهما كلاً في مجموعة، والأجمل في تصوير المشاهد أن كل واحد في مجموعته يحضر مشهداً يظنه هو بداية العمل المسرحي، بينما يكون بالنسبة لعضو في مجموعة أخرى هو المشهد الأخير أو الثاني أو الثالث، ما أدى إلى كمٍّ جيد من الحوارات بين أفراد الجمهور بعد انتهاء العرض في حديقة مركز السكاكيني.

كان البدء والنهاية هما المشترك للجمهور في هذا العرض المتميز، ففي النهاية تقتل الزوجة برصاصة قناص وهي تحاول نشر غسيل أطفالها، في الوقت الذي ترى فيه زوجها وهو يحاول احتضان جارتها، والمقاومون يتمترسون للقتال، وهذا المشهد بالذات أعاد إلى ذاكرتي استشهاد امرأة في اجتياح رام الله حين تم قنصها وهي تحاول أن تنشر غسيل أطفالها على سطح بيتها.

هو عمل مسرحي متميز يسبر أغوار النفس البشرية والحالة النفسية لمجموعة من البشر تحت الضغط والخوف والانتظار، لا يحاول أن يرصد جانباً سياسياً محدداً بمقدار التركيز على تفاصيل يومية وحالات وجدانية مثل الحب والشك والخوف والنـزاع والخيانة والمقاومة أيضاً.

تمكن طاقم العمل من الممثلين من اتقان أدوارهم تمثيلاً وتعبيرات وجوه، حتى تركوا لدى الجمهور انطباعاً أنهم يعيشون حقيقة وليس تمثيلاً، فهذه المشاهد والتأثيرات الصوتية ربما غالبية الحضور عايشوها في مراحل مختلفة من حياتهم، ومن عاش فترات الاجتياحات قبل سنوات يكون أكثر تأثراً بما يراه، حيث تستعيد الذاكرة مشاهد وذكريات مدفونة في الوعي واللاوعي، ومن هنا كانت قدرات الممثلين في الأداء مميزة، فقد أبدع كل في دوره.. إيمان عون.. فاتن خوري.. ميسا فلحا.. محمد عيد.. رائد العيسة.. شادي زمرد.. أدهم نعمان.. وبدون انتقاص من جهد أي فرد فيهم أشير إلى التميّز الذي أبدته بيان شبيب صاحبة الموهبة المتميزة رغم قصر عمرها الزمني في عالم المسرح، فأنا أعرفها بحكم صداقتي التاريخية لوالدها وأسرتها طفلة صغيرة، وفوجئت بها في أكثر من عرض تعتلي خشبة المسرح بكل ثقة واقتدار.

عمل يستحق التقدير والتحية، وجهد مميز لأسرة مسرح عشتار، وتعاون إيجابي بين مسرح عشتار ومركز خليل السكاكيني الثقافي، أنجز التجربة الأولى المميزة لمسرح المكان، فكانت “عشرون دقيقة” متكررة أربع مرات تشد الأنفاس.

*من كتاب فضاءات قزح للكاتب زياد جيوسي من منشورات دار فضاءات للنشر والتوزيع/ الأردن.

المقال السابقملامح التجديد في الشعرالعربي المعاصر – ج 3
المقال التالىالالوان وسر التكوين
كاتب الفلسطيني من مواليد 1955 في مدينة الزرقاء في الأردن، وأصوله من بلدة جيوس قضاء قلقيلية في الضفة الغربية الفلسطينية.. حاصل على بكالوريوس آداب تخصص جغرافيا من جامعة بغداد 1976.بقيم في فلسطين - رام الله منذ عام 1997. بدأ الكتابة والنشر منذ عام 1972. ناشط في المجالات الثقافية والفنية مع اهتمامات خاص....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد